حين تتزاحم الأسماء اللامعة أمام بوابة جامعة لا تستطيع أن تستوعبهم جميعًا، لا يعود السؤال: من الطالب المتفوق؟ فهذه الإجابة أصبحت سهلة، لأن المتفوقين في كل مكان كثيرون. السؤال الأصعب هو: كيف تميّز الجامعة بين المتفوقين، وكيف تختار من بينهم من ترى فيه القدرة على أن يكون جزءًا من نخبتها؟
هنا تبدأ الحكاية التي تجعل المقارنة بين هارفارد وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن جديرة بالتأمل، لا لأن الجامعتين متطابقتان، فلكل منهما رسالتها وسياقها ونظامها، وإنما لأن كليهما يواجه السؤال ذاته: كيف تختار النخبة عندما يصبح التفوق الدراسي وحده غير كافٍ للتمييز بين المتنافسين؟
في هارفارد، لا يختزل القبول في رقم واحد. فالجامعة تقول صراحة إنها تنظر إلى «الشخص خلف الأرقام»، وتأخذ في الاعتبار التحصيل الأكاديمي، والأنشطة، والتجارب الحياتية، والمساهمات المحتملة في مجتمع الجامعة، إلى جانب عناصر أخرى في ملف المتقدم. إنها توسّع عدسة الاختيار؛ فالطالب لا يدخل إلى لجنة القبول بوصفه درجة، وإنما بوصفه إنسانًا له قصة وقدرات وتجارب وطموحات.
أما جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، فتبدو في دليل القبول لعام 2027 وكأنها اختارت طريقًا مختلفًا للوصول إلى السؤال ذاته. فبدل أن تضيف مزيدًا من العناصر إلى معادلة المفاضلة، أعادت النظر في وزن أحد أكثر العناصر حضورًا فيها: نسبة الثانوية العامة.
في مسار القبول الأساسي، وهو المسار الرئيس للقبول في الجامعة، أصبحت المفاضلة قائمة على اختبار القدرات العامة بنسبة 50 في المائة، واختبار تحصيلي خاص بالجامعة بنسبة 50 في المائة، من دون إدخال نسبة الثانوية العامة في هذه المعادلة.
وهنا لا تكمن أهمية القرار في حذف رقم من معادلة فحسب، وإنما في تغيير السؤال الذي تطرحه الجامعة على المتقدم. فبدل أن تكون نسبة الثانوية جزءًا من المفاضلة النهائية، يواجه جميع المتقدمين في المسار الأساسي معيارين موحدين: أحدهما يقيس القدرات العامة، والآخر يقيس التحصيل والاستعداد العلمي.
واللافت أن الاختبار الثاني ليس مجرد إعادة استخدام للاختبار التحصيلي العام، بل اختبار تحصيلي خاص بجامعة الملك فهد، صُمم بالتعاون مع المركز الوطني للقياس، ويقيس التحصيل في مواد العلوم التي درسها الطالب في الصفين الأول والثاني الثانوي.
ويذهب الاختبار إلى أبعد من قياس المعرفة المدرسية؛ فهو يشمل الأحياء والكيمياء والفيزياء والرياضيات، إلى جانب مهارات عددية وتفكير نقدي واستخدام الحاسب في معالجة البيانات والحصول على المعلومات وتقييمها. وتشكل مواد العلوم المدرسية 80 في المائة من الاختبار، بينما تمثل المهارات 20 في المائة.
وهنا تظهر الفكرة في صورتها الأوضح: هارفارد توسّع عدسة القبول، بينما جامعة الملك فهد، في مسارها الأساسي، توحّد عدسة المفاضلة.
واللافت أن تجربة البترول ليست ظاهرة سعودية معزولة إذا نظرنا إليها من زاوية أوسع. وإذا أردنا أن نبحث عن أقرب التجارب العالمية إلى فلسفة إعطاء الاختبارات الموحدة وزنًا حاسمًا في المفاضلة، فلن نجده بالضرورة في كامبريدج بماساتشوستس، بل في أماكن أبعد شرقًا بكثير.
في الهند، يخوض الطلاب منافسة شديدة عبر منظومة JEE التي تقود إلى معاهد التكنولوجيا الهندية الأشهر. وفي JEE Advanced تحديدًا، لا تدخل درجة الثانوية في ترتيب المتنافسين نفسه، وإن كانت هناك شروط أهلية مرتبطة بها؛ أما ترتيب المتقدمين فيُبنى على أدائهم في الاختبار. إنها فلسفة مختلفة جذريًا عن القبول الذي يقرأ ملف الطالب كله: ضع الجميع أمام امتحان موحد، ثم دع النتيجة تقول من يتقدم.
وفي الصين، يمثل الجاوكاو، امتحان القبول الجامعي الوطني، حجر زاوية في عملية الالتحاق بالتعليم العالي، فيما تستمر الدولة في تطوير نظام الامتحان ومعايير القبول بما يشمل جوانب مثل الكفاءة الأكاديمية والتفكير النقدي.
وفي كوريا الجنوبية، يحتفظ اختبار «سونيونغ» الوطني بمكانة مركزية في منظومة القبول الجامعي، ضمن نظام يضم مسارات قبول متعددة، لكنه يضع الامتحان الموحد في قلب المنافسة التي يخوضها ملايين الطلاب كل عام.
تختلف هذه التجارب عن بعضها، وتختلف جميعها عن جامعة الملك فهد، لكن الخيط المشترك بينها واضح: هناك أنظمة تعليمية اختارت أن تمنح الاختبار الموحد سلطة كبيرة في لحظة المفاضلة، لأن توحيد المعيار يمنحها أداة مباشرة لمقارنة المتنافسين.
وهنا تحديدًا تصبح تجربة البترول جديرة بالاهتمام. فهي لم تذهب إلى نموذج «اختبار واحد يقرر كل شيء»، وإنما بنت معادلتها الأساسية من نصفين: قدرات عامة، واختبار تحصيلي صممته الجامعة نفسها، ثم تركت المنافسة للأداء في هذين المعيارين.
لكن من المهم ألا تختلط الصورة؛ فنسبة الثانوية لم تختفِ من جميع مسارات القبول في الجامعة. ففي مسار القبول عند توفر الشواغر، المخصص للمقاعد المحدودة المتبقية بعد انسحاب بعض المقبولين، تستخدم الجامعة معادلة مختلفة: 50 في المائة للقدرات، و40 في المائة للتحصيلي العام، و10 في المائة للثانوية العامة.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن الحديث عن إلغاء وزن الثانوية ينطبق على المسار الأساسي، وهو المسار الرئيس الذي توصي به الجامعة بسبب محدودية المقاعد، وليس على جميع مسارات القبول.
ثم تفتح الجامعة بابًا آخر لمن يأتيها بمعيار دولي مختلف؛ إذ تتيح مسارًا خاصًا لمن يحصل على 1350 فأعلى في اختبار SAT، بحيث يمكنه التقدم دون اختبار القدرات أو التحصيلي، مع خضوعه لاختبار الرياضيات الخاص بالجامعة، ويظل القبول في هذا المسار تنافسيًا ومحدود المقاعد.
كما يتيح دليل القبول مسارًا للمتفوقين في الأولمبيادات العلمية الدولية المعتمدة، وفق الشروط التي تحددها الجامعة.
إذن ليست المسألة أن الجامعة استبدلت «الثانوية» بـ»اختبار» وحسب؛ بل إنها تبني منظومة قبول متعددة المداخل، لكل مدخل منطقه ومعياره، ثم تجعل المنافسة داخل المسار نفسه أكثر وضوحًا.
وهذا يعيدنا إلى السؤال الأول: ماذا تفعل الجامعة عندما يصبح المتفوقون أكثر من المقاعد؟
هارفارد تجيب بقراءة الطالب في صورته الأوسع؛ أما جامعة الملك فهد فتمنح في مسارها الأساسي وزنًا حاسمًا للقدرات العامة والتحصيل العلمي، ثم ترتب المتنافسين من الأعلى إلى الأدنى وفق درجة المفاضلة وتوافر المقاعد حتى تكتمل الأعداد.
وهذه ليست مسألة قبول منعزلة عن مشروع الجامعة. فجامعة الملك فهد تتحرك نحو منظومة تعليمية تجمع بين الذكاء الاصطناعي والبيانات والروبوتات والهندسة النووية والأمن السيبراني والهندسة الحيوية، وتطرح مسارات تجمع البكالوريوس والماجستير في خمس سنوات، إلى جانب البحث والتدريب التعاوني والتبادل الدولي.
ولهذا يصبح نظام القبول جزءًا من سؤال أكبر: ما نوع الطالب الذي تريد الجامعة أن تضعه في مقدمة هذه المنظومة؟
فالجامعة التي تتجه إلى بيئة علمية بهذه الطبيعة تحتاج إلى طالب يستطيع أن يتعامل مع الرياضيات والعلوم والبيانات، وأن يفكر بصورة نقدية، وأن يحول المعرفة إلى قدرة. ومن هنا يصبح اختبار القبول، في فلسفته، أكثر من بوابة عبور؛ إنه محاولة مبكرة لقياس بعض الأدوات التي سيحتاج إليها الطالب لاحقًا.
وفي هذا المعنى، لا تبدو المقارنة مع هارفارد بحثًا عن جامعة «أفضل» من أخرى، وإنما عن طريقتين مختلفتين في صناعة النخبة. هارفارد تقرأ الطالب في سياقه الأوسع، والبترول، في مسارها الأساسي، تضعه أمام معيار موحد أكثر مباشرة لقياس القدرات والتحصيل العلمي.
وفي زمن تتسع فيه أعداد المتفوقين، يصبح التحدي الحقيقي ليس صناعة طالب يحصل على 100 في المائة، وإنما صناعة نظام يستطيع أن يميز بين أصحاب الـ100 في المائة أنفسهم.
وربما هنا تكمن جرأة تجربة جامعة الملك فهد: أنها لم تتعامل مع نظام القبول باعتباره أمرًا ثابتًا لا يمس، بل أعادت صياغة المعادلة نفسها، وفتحت مسارات أخرى للـ SAT والأولمبيادات، وربطت المفاضلة في مسارها الأساسي بالقدرات والتحصيلي بدل نسبة الثانوية.
لذلك، فإن الرسالة التي تصل إلى طالب الثانوية اليوم مختلفة: لا يكفي أن تكون الأول في مدرستك؛ عليك أن تثبت أنك تستطيع أن تنافس الأوائل عندما يصبح الجميع أمام المعيار نفسه.
ومن هنا لا يعود السؤال: ماذا فعلت جامعة الملك فهد؟ بل يصبح السؤال الأوسع: هل توجد جامعة سعودية أخرى تملك الجرأة على أن تعيد النظر في قواعد القبول نفسها، وأن تسأل بوضوح: هل ما زلنا نبحث عن أعلى الدرجات، أم أننا نبحث عن أعلى القدرات؟
فربما لا تُصنع النخبة عندما نرفع سقف الدرجات، وإنما عندما نمتلك الشجاعة لإعادة تعريف السقف نفسه.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري