«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
من قلب قطاع غزة إلى مهرجان تورونتو السينمائي الدولي في كندا، وصل الفيلم الفلسطيني «غزة 13» للمخرج حسام أبو دان إلى جمهوره العالمي، متوجًا بجائزة «نيتباك» ضمن الدورة الـ51 من المهرجان، عقب عرضه العالمي الأول في برنامج «سينتر بيس»، في حضور سينمائي لافت لتجربة أُنجزت بالكامل داخل القطاع وبمشاركة ممثلين وفنيين فلسطينيين محليين.
وتتجاوز خصوصية الفيلم وصوله إلى تورونتو وتتويجه بالجائزة؛ فهو أول فيلم روائي طويل للمخرج حسام أبو دان، كما يُعد، بحسب مصادر متخصصة في صناعة السينما، أول فيلم روائي طويل يُصوَّر بالكامل داخل قطاع غزة منذ نحو 12 عامًا، في تجربة إنتاجية واجه صناعها ظروفًا بالغة التعقيد، شملت النزوح وصعوبة التنقل وانقطاع الكهرباء والاتصالات ونقص المعدات والموارد.
تدور أحداث «غزة 13» في غزة عام 2025، حول رغد، فتاة في الثالثة عشرة من عمرها تدخل مرحلة البلوغ بعدما فقدت منزلها وعددًا من أفراد عائلتها إثر قصف، وتعيش مع والدها أبو رغد في مخيم مكتظ بالنازحين، حيث تتقلص الخصوصية والأمان والرعاية الصحية إلى أدنى مستوياتها. وفي سعيه لتأمين احتياجات ابنته، يجد الأب نفسه أمام عالم من تجارة المساعدات في السوق السوداء يديره شخص يُدعى خليل، فتفرض عليه ظروف البقاء اختيارات أخلاقية تضع المبادئ في مواجهة الحاجة.
ولا يكتفي الفيلم بتقديم الحرب عبر صور القصف والدمار، بل يقترب من آثارها اليومية والنفسية؛ من فقدان المنزل وتبدل العلاقات الأسرية، إلى غياب الخصوصية واضطراب الإحساس بالأمان، وصولًا إلى تفاصيل البلوغ والنضج التي تعيشها رغد في بيئة كان يفترض أن تكون مختلفة تمامًا. وتصف المواد الرسمية للفيلم العمل بأنه دراما اجتماعية نفسية تتتبع الحياة اليومية لأب وابنته داخل مخيم للنازحين.
ويضع أبو دان كاميرته داخل هذه الحياة، ساعيًا إلى التقاط التفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما تختفي خلف صور الحرب والدمار والضحايا. وفي حديثه عن الفيلم، شدد على أهمية أن يروي الفلسطينيون قصصهم بأنفسهم، وباللغة والطريقة التي يرونها مناسبة، مؤكدًا رغبته في استعادة تفاصيل الحياة اليومية التي لا تحظى عادة بمساحة كافية في الصورة المتداولة عن غزة.
وتتوافق هذه الرؤية مع إشادة لجنة تحكيم «نيتباك» بالفيلم، إذ رأت أنه يحوّل المعاناة إلى صور للحياة بكل تعقيداتها، من دون استعراض أو اختزال الشخصيات في موقع الضحية، واعتبرته عملًا جريئًا يقدم صوتًا سينمائيًا جديدًا.وخلف الفيلم رحلة إنتاج لا تقل صعوبة عن حكايته؛ فقد صُوّر في غضون 12 يومًا فقط، وبفريق محدود لتسهيل الحركة في ظل الظروف الميدانية، بينما واجه صناع العمل تحديات متواصلة بسبب النزوح وصعوبة الوصول إلى مواقع التصوير وانقطاع الكهرباء والاتصالات ونقص المعدات والموارد. وفي اليوم الرابع من التصوير، أُصيب أحد أفراد الفريق بجروح خطيرة إثر قصف وقع بالقرب من موقع التصوير، وفق ما نقله أبو دان عن ظروف صناعة الفيلم، لتصبح مواصلة العمل نفسها تحديًا يوميًا.
ولم يتمكن المخرج من السفر إلى تورونتو الكندية لحضور العرض العالمي الأول، فتابع رحلة فيلمه ونتيجة الجائزة من غزة؛ في مفارقة تختصر مسار العمل الذي صُنع داخل القطاع، ثم خرج إلى جمهور دولي، بينما ظل مخرجه في المكان الذي يحكي عنه.
ويبلغ طول «غزة 13» 77 دقيقة، وهو إنتاج فلسطيني-قطري من شركة «نيو سين للإنتاج الإعلامي»، بدعم من معهد الدوحة للأفلام وصندوق آفاق للثقافة والفنون. وكتب السيناريو خليل المزيّن، مع مساهمات إضافية في الكتابة من حسام أبو دان وحسين الدحدوح، فيما تولى يوسف المشهراوي التصوير، وأبو دان المونتاج والإنتاج، وحنّا عطالله الإنتاج التنفيذي، والموسيقى علاء الراوي. ويشارك في البطولة ماري زيارة، فراس المصري، غسان سالم، عبير أحمد ونواف أبو عمرة.
ولم تتوقف رحلة الفيلم عند مهرجان تورونتو؛ إذ استحوذت شركة «ووترميلون بيكتشرز» على حقوق عرضه في أمريكا الشمالية بعد مشاركته في المهرجان، فاتحًا بذلك مسارًا توزيعيًا جديدًا أمام العمل خارج الدائرة المهرجانية.
ويأتي فوز «غزة 13» بجائزة «نيتباك» في مستهل المسار الروائي الطويل لأبو دان؛ إذ ترتبط الجائزة بأفلام السينما الآسيوية، وتستهدف ضمن فئاتها أفلام المخرجين الذين يقدمون تجربتهم الروائية الطويلة الأولى أو الثانية، لتشكل محطة دولية للفيلم ومخرجه في بداية مسيرته الروائية.
وبين طفولة تتغير تحت ضغط النزوح، وأب يحاول حماية ابنته، ومدينة تحاول الاحتفاظ بتفاصيل الحياة وسط الحرب، يبني «غزة 13» حكايته من المساحة التي غالبًا ما تغيب خلف الصورة الإخبارية: ماذا يحدث للإنسان بعد الانفجار؟ وكيف يعيد فقدان البيت والنزوح تشكيل الأسرة والخصوصية والاختيارات والأحلام؟ هنا يضع أبو دان غزة في إطار سينمائي يقترب من الإنسان وتفاصيل حياته، لا من مشاهد الدمار وحدها، لتظل الحياة حاضرة بكل هشاشتها وتعقيداتها حتى تحت وطأة الحرب.