عبدالوهاب الفايز
حين نقرأ التاريخ، ربما يكون أكثر ما يلفت النظر ليس عدد الإمبراطوريات والدول التي قامت، بل: أعدادها التي سقطت.
دول امتلكت القوة، والثروة، والجيوش، واتسعت حدودها حتى ظن معاصروها أنها خالدة، ثم أصبحت بعد عقود أو قرون مجرد فصول في سفر التاريخ العظيم المفتوح. وفي كثير من الحالات لم يكن سقوطها بسبب نقص القوة، بل ربما بسبب الإفراط في استخدامها، أو سوء تقدير حدودها، أو الاعتقاد أن ما تستطيع الدولة أن تفعله ينبغي بالضرورة أن تفعله.
وهذه الفكرة تحضر في الذهن ونحن نحتفل باليوم الوطني للمملكة.
بلادنا منذ تأسيسها مرت بثلاث مراحل، تعثرت مرتين ثم قامت في الثالثة وما زالت صامدة تتطلع إلى عقود قادمة من الازدهار والاستقرار. تكالبت عليها القوى العظمى وظلت جذوتها الأساسية قوية ومتقدة. فالدول لا تعيش بقوتها وحدها، وإنما بالطريقة التي تدير بها هذه القوة، وبقدرتها على التمييز والتدبر بالنوازل والتحديات، وبين ما يحقق نصراً سريعاً، وبين ما يحمي المصالح على المدى الطويل. تعلمت الحكمة والحلم بعد تجارب مريرة وتحديات صعبة. وربما لهذا السبب، وسط كل ما يجري اليوم حولنا، نجد هذا الهدوء والثقة بالنفس التي تتحلى بها القيادة السعودية. لماذا؟ لأنها تعرف أن خلفها ومعها شعب عظيم عاش معها ثلاثة قرون.
المنطقة تعيش حالة من الاضطراب الشديد، والحروب والصراعات تتداخل، والمنابر السياسية والإعلامية ممتلئة بالخطب والمزايدات، وكل طرف يكاد يقدم نفسه باعتباره المدافع الأكبر عن المصالح العربية، أو الأكثر حرصاً على قضايا الأمة. ومع ذلك لا نرى القيادة السعودية تدخل هذه المسابقات الخطابية، ولا نراها مضطرة في كل مناسبة إلى الدفاع عن نفسها أو شرح مواقفها عبر خطب رنانة.
وهذا ليس أمراً جديداً في السياسة السعودية. فمن يراجع تاريخها يجد أن هناك ميلاً دائماً إلى التعامل مع الوقائع باعتبارها مصالح يجب إدارتها، وليس منابر ومسارح للخطابة والاستعراضات. في السياسة، كما في الحياة، ليس دائماً صاحب الصوت الأعلى هو الأكثر تأثيراً. ومن الأمثلة البارزة نكسة يونيو 1967.
قبل النكسة كانت العلاقة بين المملكة ومصر عبدالناصر تمر بمرحلة شديدة التوتر.
الخلاف حول اليمن كان عميقاً، والخطاب السياسي والإعلامي المصري تجاه السعودية في تلك المرحلة كان قاسياً، وكانت المملكة توصف في أدبيات ذلك الزمن بأوصاف جارحة، ويُقدم الخلاف أحياناً باعتباره مواجهة بين مشروعين مختلفين تماماً. ثم جاءت الهزيمة المدوية. وكان المتوقع أن تتعامل بلادنا معها باعتبارها لحظة انتصار سياسي على خصم أمضى سنوات يهاجمها. وربما الموقف الطبيعي في حسابات الخصومات حينئذ أن نقول: هذه نتيجة سياساتكم، وتحملوا تبعاتها. لكن الذي حدث كان مختلفاً.
وقفت المملكة إلى جانب مصر، وأسهمت في دعمها مالياً وسياسياً، وتحولت الأولوية من الخلاف مع عبدالناصر إلى مساندة مصر بعد هزيمة أضعفت الأمن العربي لعقود. وهذه الواقعة، في تقديري، أكبر من مجرد موقف سياسي عابر؛ لأنها تكشف شيئاً في (طبيعة الدولة السعودية وفي طريقة تفكيرها): الخصومة لا تتحول إلى رغبة في رؤية الآخر يسقط، والخلاف لا يلغي إدراك المصالح الكبرى للشعوب، والفُجر في الخصومة منهي عنه دينيا، وغير مقبول أخلاقيا.
ولاحقاً، وبعد مؤتمر الخرطوم حيث «اللاءات الثلاث» الشهيرة، بارك عبدالناصر الموقف الموحد الذي تمخضت عنه القمة برعاية سعودية - سودانية، والتمسك بشعار: لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بإسرائيل، معتبراً أن الدعم المالي السعودي غير المشروط هو الذي أعطى القوة السياسية لهذه اللاءات لتصبح حقيقة على الأرض وتؤسس لمرحلة حرب الاستنزاف ومن ثم التخطيط لنصر أكتوبر.
وهناك أيضاً سمة أخرى ظلت حاضرة في تاريخ بلادنا: السعودية لم تحمل مشروعاً توسعياً في العالم العربي، ولم تبنِ مكانتها على إضعاف الدول المحيطة بها. بالعكس، كان استقرار الدول العربية وقوتها، في معظم مراحل السياسة السعودية، جزءاً من التصور العام للأمن العربي. قد تختلف المملكة مع دولة عربية، وقد تكون الخلافات حادة، لكنها لا تنظر إلى سقوط الدول باعتباره مكسباً. وهذه مسألة مهمة جداً اليوم.
ففي منطقتنا تجارب كثيرة أثبتت أن إسقاط الدولة أسهل كثيراً من إعادة بنائها، وأن الحروب التي تبدأ تحت شعارات كبيرة قد تنتهي بمجتمعات مفككة واقتصادات منهارة وملايين النازحين، بينما يختفي من أشعلوا الحماس الأول وتبقى الشعوب وحدها تدفع الثمن.
ومن هذه الزاوية يمكن أيضاً قراءة الموقف السعودي من اليمن. الشعب اليمني بكل أطيافه ما زال بيننا منذ عقود طويلة شريكا في البناء وحليفا وقت الشدة والرخاء، وعندما استولى الحوثي على الدولة وأطلق يد القمع والقتل هرب إلى بلادنا أكثر من ثلاثة ملايين إنسان، ولم تستقبلهم بلادنا كلاجئين، بل كإخوة لنا، وفتحنا لهم خدمات التعليم والصحة وفرص العمل والتجارة. ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية كثف برامجه الانسانية في جميع المجالات لتخفيف وقع المأساة. و(هذا ما فعلته بلادنا مع الشعب السوري).
اليمن ليس دولة بعيدة عن المملكة يمكن التعامل معها ببرود الجغرافيا. هو جار، وبين الشعبين روابط تاريخية واجتماعية واقتصادية عميقة، وأي اضطراب فيه يصل أثره مباشرة إلى المملكة. والسعودية تملك من القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية ما يسمح لها بأن تكون لاعباً شديد التأثير في هذا الملف. لكن القوة شيء، واستخدامها شيء آخر.
الدولة العاقلة تعرف أن اليمن لا يمكن أن يكون ساحة انتقام مطلق، والانتصار لا تقبل أن يدفع ثمنه المدنيون، ولا ترضى المعاناة للشعب اليمني، فكل هذا قد يتحول إلى عبء سياسي وأمني وأخلاقي على الجميع. ولهذا فإن الحرص على أمن المملكة هو نفس الحرص على حياة اليمنيين واستقرار دولتهم؛ والمصلحتين للشعبين في النهاية تلتقيان دوما.
الدولة التي تشعر بالهشاشة تحتاج دائماً إلى إثبات قوتها. أما الدولة الواثقة فلا تحتاج إلى استعراضها في كل مناسبة. تحتفظ بأدواتها، وتعرف متى تستخدمها، وتعرف أيضاً متى يكون ضبط النفس أكثر فائدة من استخدامها. وفي اليوم الوطني، ربما لا تكون هذه المعاني بعيدة عن شعور المواطن السعودي تجاه دولته. فثقة المواطن بقيادته لم تتشكل في عام واحد، ولا بسبب خطاب عابر، وإنما تراكمت عبر تجارب طويلة. المواطن يعرف أن بلاده مرت بأزمات إقليمية خطيرة، وحروب على حدودها، وتحولات دولية كبيرة، ومع ذلك ظلت المصلحة السعودية هي الموجه الأساسي في القرارات والتفاعلات.
قد لا يعرف المواطن كل التفاصيل، ولا يُفترض أن يعرفها، لكن التجربة علمته أن القرارات الكبرى لا تصنع عادة تحت ضغط الانفعال، وأن الدولة لا تدخل معركة لمجرد أن الآخرين يريدون منها ذلك، ولا تتخلى عن مصالحها حتى ترضي خطاباً عابراً هنا أو هناك. وهنا ربما توجد واحدة من أهم مصادر قوة المملكة. ليست فقط في اقتصادها، أو جيشها، أو موقعها، أو ثقلها السياسي، بل في (العلاقة التي تشكلت عبر الزمن بين الدولة والمجتمع)؛ علاقة تقوم على أن المواطن يعرف أن مصالحه وأمنه واستقرار بلاده تأتي أولاً، وأن القيادة بدورها تدرك أن قوة الدولة تبدأ من تماسك مجتمعها وثقته بها.
ولهذا، عندما نعود إلى تلك الإمبراطوريات التي حلقت في سماء التاريخ ثم اختفت كالشهب، ربما نجد أن السؤال الأهم ليس: كم كانت قوية؟ بل: كيف استخدمت قوتها؟ وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أهم دلالات التجربة السعودية: أن الحكمة هي التي تمنح القوة معناها. الدولة لا تصبح أقوى كلما استخدمت ما لديها من أدوات صلبة او ناعمة، وإنما عندما تعرف متى تستخدمها، ومتى تضبطها، ومتى تتكلم، ومتى تضطر النزال. الفعل الحكيم المدروس أبلغ من الخطب الطويلة.
أخيراً نقول، بكل ثقة بالله ثم بقيادتنا، بلادنا سوف تصمد في مواجهة محور الشر الإيراني في اليمن ولبنان وفي العراق، وسوف تواجه المؤامرات والدسائس والخيانات في المنطقة وخارجها، ولن ترضخ للضغوط الإسرائيلية - الأمريكية للاعتراف بالكيان الصهيوني قبل الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني العادلة. سوف نواجه كل هذه التحديات والخيانات والضغوط، كما فعلنا من قبل. بلادنا قادرة على المواجهة والانتصار على التحديات الكبرى بحكمة وشجاعة. بلادنا، بقياداتها وشعبها وإمكاناتها السياسية والاقتصادية والعسكرية الكبيرة سوف تكون موحدة، كما كانت منذ التأسيس، ومروراً بالوحدة التي أرساها الملك عبدالعزيز.. وحتى وقتنا الراهن.
فهل يمكن القول، إن الدولة السعودية، على اختلاف مراحلها وتطورها، لم تظل أسيرة معضلة الدول التي جاءت وذهبت: أي التوفيق بين مركزية السلطة وتعدد مكوناتها القبلية والاجتماعية والطائفية. في السعودية لم تستخدم إحداهما لصالح الأخرى لأن المصالح العليا واحدة، وكذلك هوية الدولة وأهدافها وغايتها الأساسية.