السموأل محمد إبراهيم
في كل عام، حين يقترب الثالث والعشرون من سبتمبر، تتزين المملكة بالأخضر، وتعلو الرايات، وتصدح الأناشيد، وتستعيد الذاكرة الوطنية صفحات من قصة وطن لم يكن ميلاده مجرد إعلان سياسي، بل كان ولادة معنى؛ معنى أن تتحول الأرض الواسعة إلى وطن، والقبائل المتفرقة إلى شعب، والحلم إلى دولة، والتاريخ إلى مستقبل.
لكنني هذا العام، وأنا أستقبل اليوم الوطني السعودي، لا أريد أن أكتب عن الوطن كما يكتب عنه العابرون في صفحات الاحتفال، ولا أن أعدد منجزاته بالأرقام، وإنما أريد أن أكتب عنه كما عرفته أنا؛ عن وطن دخل حياتي من باب لم أكن أعرف أنه موجود: باب الإنسان. أنا غريب أقام في المملكة العربية السعودية أربعة وعشرين عاما. جئت إليها كما يأتي كثيرون من أبناء الأرض إلى أرض أخرى؛ أحمل اسمي وذاكرتي ولهجتي وأحلامي، وأعرف أنني ضيف على وطن ليس وطني بالميلاد. وكان يمكن لهذه السنوات أن تجعلني مجرد مقيم يعرف الطرق، ويحفظ أسماء الأحياء، ويؤدي عمله ثم يعود إلى منزله.
لكن شيئاً آخر حدث؛ شيء لا تقوله أنظمة الإقامة، ولا تصفه الوثائق، ولا تستطيع الأختام الرسمية أن تمنحه أو تمنعه. لقد جعلتني المملكة أشعر أنني لست غريباً. وهنا تحديدا أفهم بصورة مختلفة معنى شعار هذا العام: «عزنا بطبعنا» فالطبع ليس كلمة تكتب على لوحة ولا شعارا يرفع في مناسبة؛ الطبع هو ما يفعله الإنسان حين لا يكون مضطرا إلى أن يثبت شيئاً لأحد. والكرم الحقيقي أن تعطي دون أن تسأل: من أين جاء هذا الإنسان؟ والأصالة أن تحفظ للآخر كرامته قبل أن تسأله عن اسمه. والجود ليس فقط في مائدة عامرة، وإنما في يد تمتد بالعون، وقلب يتسع للآخر، ومجتمع يجعل القادم من بعيد يشعر بعد سنوات أن له مكانا بين أهله.
ولم تتوقف حكاية هذه الأرض معي عند حدود المكان؛ فهي ليست الأرض التي عشت فيها أربعة وعشرين عاماً فحسب، بل الأرض التي أتيت إليها شاباً يافعاً، أسود الشعر، قليل الخبرة بالحياة، أحمل من الأحلام أكثر مما أحمل من التجارب، ثم مضت بي السنوات على أرضها، فإذا بالشعر الذي كان أسود قد اشتعل شيبا، وإذا بالتجربة قد علمتني ما لم تكن الكتب قادرة على تعليمه، ومنحتني من الخبرة الحياتية والعملية، ومن الحكمة التي لا تأتي إلا مع الأيام، ما جعلني أنظر إلى الحياة بعين أخرى. وهي فوق ذلك الأرض التي ولد فيها أبنائي، وحملت ذكريات طفولتهم، واحتضنت بداياتهم، وصارت جزءا من ذاكرتهم قبل أن يعرفوا وطناً آخر. وما أعجب الأوطان حين تتحول من مكان نعيش فيه إلى مكان يتشكل فيه العمر، وتولد فيه ذاكرتنا، وتكبر فيه أحلام أبنائنا؛ فالمملكة بالنسبة إلي لم تكن فقط أرضا عبرت إليها في مقتبل العمر، بل أرضا شهدت تحولي من شاب في أول الطريق إلى رجل أثقلته السنوات بالتجربة، وأغنته الحياة بالحكمة، وترك فيها من عمره بقدر ما تركت هي فيه من أثر.
لقد عشت في المملكة ما يكفي لأرى الوطن من الداخل، لا من نافذة المسافر. رأيت مدناً تتغير، وطرقاً تمتد، ومؤسسات تكبر، وأجيالاً تنشأ وهي تحمل سقفا أعلى من الطموح. ورأيت كذلك شيئاً أعمق من العمران: رأيت الإنسان السعودي وهو يتغير مع وطنه، دون أن يفقد ما يجعل له ملامحه الخاصة. فالنهضة الحقيقية ليست أن ترتفع المباني وحدها، وإنما أن يرتفع معها الإنسان؛ وليست أن تتسع المدن فحسب، وإنما أن يتسع معها الأفق. وهنا تبدو رؤية السعودية 2030، في بعدها الإنساني، أكثر من مشروع اقتصادي وتنموي؛ إنها انتقال من سؤال: ماذا نملك؟ إلى سؤال أكثر اتساعا: ماذا نستطيع أن نصنع؟.
وقد أصبحت القيم التي تستند إليها هوية اليوم الوطني لهذا العام؛ الشجاعة، والرؤية، والأصالة، والهمة، والجود، والكرم، جزءاً من اللغة التي تقدم بها صورة المجتمع السعودي في هذه المناسبة. لكن أجمل ما في القيم أنها لا تحتاج إلى منبر كي تثبت وجودها؛ يكفي أن تراها في موقف، في باب يفتح لغريب، أو يد تمتد لمحتاج، أو رجل يقول لك: «أنت بين أهلك»، أو في أم سعودية تعامل أبناء الآخرين كما لو كانوا أبناءها، أو جار لا يسأل عن جنسيتك حين يحتاج الأمر إلى وقفة، أو زميل عمل يتحول مع الأيام من زميل إلى أخ. هناك، في التفاصيل الصغيرة التي لا تلتقطها الكاميرات، تسكن الأوطان العظيمة.
لقد تعلمت خلال أربعة وعشرين عاماً أن الوطن ليس دائماً المكان الذي ولدت فيه؛ قد يكون المكان الذي احتضنك، أو منحك فرصة لتكبر، أو وجدت فيه حين تضيق بك الدنيا من يقول لك: «لا تقلق، نحن معك». وقد يكون المكان الذي تكبر فيه سنواتك، فتكتشف أنك تركت فيه جزءا من قلبك لا تستطيع أن تأخذه معك إذا رحلت. ولهذا، حين يسألني أحدهم: «ماذا تعني لك المملكة؟» يصعب علي أن أجيب بجملة؛ لأن بعض الأوطان لا تختصر في جملة. إنها وجوه وأيام وطرقات ومواقف وذكريات، وأشخاص أصبحوا جزءاً من سيرتك دون أن تشعر. إنها أربعة وعشرون عاماً من العمر؛ أربعة وعشرون عاما أدركت خلالها أنني لم أكن أنا من عاش في المملكة بقدر ما كانت المملكة هي التي عاشت في داخلي، واستقرت في الذاكرة، وتغلغلت في تفاصيل العمر، حتى غدت جزءا من حكايتي لا ينفصل عنها.
وفي اليوم الوطني، كثيرا ما نتحدث عن الانتماء، لكنني أرى أن السؤال الأعمق هو: ماذا يفعل الوطن حين ينجح في أن يجعل الإنسان يشعر بأنه ينتمي إليه؟ الإجابة ليست في الشعارات، وإنما في الأثر؛ في الأمان والكرامة والقيمة، وفي أن يدرك الإنسان أن غربته لا تعني وحدته. ولقد منحتني المملكة هذا الشعور.
لذلك أكتب اليوم لا بلسان مواطن سعودي، فأنا لا أدعي ما ليس لي، وإنما بلسان إنسان عرف من المملكة وجها من وجوه الوطن لا تحدده الجنسية؛ أكتب بلسان غريب وجد في غربته أهلاً. يا وطنا اتسعت أرضه حتى اتسع قلبه. في يومك الوطني، لا أملك لك أكثر من الصدق. وأصدق ما يمكن أن أقوله: شكراً. شكراً لأنك لم تجعلني أشعر طوال هذه السنوات أنني مجرد عابر. شكراً للإنسان السعودي الذي علمني أن الكرم ليس موروثا نحتفل به فقط، بل خلق يمارس؛ شكرا لكل يد امتدت، ولكل باب فتح، ولكل كلمة طيبة قيلت في وقتها، ولكل من جعل الغريب يشعر أن غربته أخف. لقد كنت بالنسبة إلي أكثر من مكان أعيش فيه؛ كنت مكاناً عشت فيه، والفرق بين العبارتين كبير جداً.
وفي هذه المناسبة الوطنية، يقف السعودي والمقيم تحت سماء واحدة. قد تختلف الجنسيات، وتتعدد اللغات، وتتباين الحكايات، لكن الوطن يمكن أن يصبح مساحة مشتركة من الأمان والعمل والذكرى والأمل. ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه المملكة للعالم، إلى جانب ما تصنعه من نهضة، أن تظل قيمها الإنسانية حاضرة في صورتها الجديدة: وطن يعتز بأصالته وينفتح على العالم، يعتز بتاريخه ويصنع مستقبله، ويرفع سقف طموحه ولا ينسى الإنسان. وهذا، في ظني هو المعنى الأعمق لعبارة «عزنا بطبعنا». وفي عامي الرابع والعشرين في المملكة، أدرك أن بعض الأماكن لا تصبح وطنا لأنك ولدت فيها، وإنما لأنك كبرت فيها. وبعض البلاد لا تمنحك أوراقاً تثبت انتماءك إليها، لكنها تمنحك ما هو أعمق من الورق: ذكرى لا تنطفئ، ومحبة لا تفرض، وامتناناً لا ينتهي. ولذلك، حين ترفرف الراية الخضراء، لن أنظر إليها كغريب يحيي وطناً ليس وطنه، بل كإنسان عاش هنا أربعة وعشرين عاماً، وتعلم أن للأوطان صوراً كثيرة.
وفي اليوم الوطني السعودي، لا أقول: إنني ابن هذه الأرض بالنسب، بل أقول ما هو أصدق بالنسبة إلى حكايتي: لقد جعلتني هذه الأرض أشعر أن لي فيها أهلاً. وفي السودان، نقول مثلاً عزيزاً على القلب: «العيش والملح والملاح ما بهون على الأصيل». ما أصدق هذا المثل في حكايتي مع المملكة وأهلها. فقد جمعتني بهم أربعة وعشرون عاماً من العيش والملح والملاح، من أفراح الحياة وأثقالها، ومن المواقف التي لا تنسى، حتى صار بيني وبين هذه الأرض وأهلها من الود والوفاء ما لا تختصره جنسية، ولا تحده إقامة، ولا تمحوه المسافات. فالعيش والملح، حين يجتمعان على مائدة العمر، لا يعودان مجرد طعام؛ إنهما ذاكرة ومودة ووفاء، وعهد لا يهون على الأصيل.
كل عام والمملكة العربية السعودية، قيادة وشعباً وأرضاً، في عز وأمن ونماء. وكل عام وهذه الأرض التي اتسعت لأحلام أبنائها، تظل واسعة بما يكفي لتمنح القادم إليها فرصة، والعامل فيها كرامة، والطامح فيها أفقا، والغريب فيها شيئاً من معنى الأهل. وكل عام والمملكة... عزها بطبعها.