أ.د.صالح معيض الغامدي
استمتعت بقراءة هذه السيرة الذاتية والطريقة التي كُتبت بها، كما أفدت منها كثيرًا، وبخاصة فيما يتعلق بجوانب من حياة صاحبة السيرة، الأميرة الجوهرة، وتاريخ تعليم الفتيات في بلادنا، والتطور الذي حدث فيه طوال أعوام عديدة من العمل والكفاح، وجاء تتويج نجاحه حقيقةً بإنشاء جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن للبنات، الذي كان للدكتورة الجوهرة نصيب الأسد فيه، وفازت بأن تكون أول مديرة جامعة في المملكة العربية السعودية. وسأشير إلى بعض أبعاد هذه السيرة الذاتية، الفنية والإنسانية بالدرجة الأولى، في النقاط التالية:
1- لنبدأ بتحليل عنوان هذه السيرة «محطات في حياتي مع الإدارة». فكلمة «محطات» تعني مراحل، وهي تستدعي السفر؛ فالمسافرون يعبرون عدة محطات حتى يصلوا إلى وجهتهم المقصودة. والسفر في سيرة الدكتورة هنا سفر مجازي، ولكنه يتقاطع مع السفر الحقيقي في عدة أمور، منها: وضوح هدف المسافر، وإصراره على الوصول إلى وجهته، وتجاوز كل العقبات التي تقف في طريقه. ومحطات المسافر هي مكان العمل والتزود بالمؤن والرفاق والتخطيط لما ينبغي فعله للنجاح في هذه الرحلة. وقد يحتاج الرحالة إلى إجراء بعض التعديلات في مخططه الأولي، كتغيير مساره، على سبيل المثال، أو تغيير وسائل الارتحال وأدواته، وهكذا… وهذا بالضبط ما حدث في سيرة الأميرة.
وإذا كانت مواجهة المشاق جزءًا من رحلة الرحالة، فقد كانت كذلك في رحلة حياة الأميرة في الإدارة، ولكنها مشاق تزول أو تُحتمل بالنظر إلى ما سيعقبها من وصول إلى النجاح؛ نجاح الوصول إلى وجهة المسافر وما يقترن به من سعادة وحبور، ونجاح صاحبة السيرة في تحقيق كثير من أهدافها وطموحاتها وشعورها بسعادة الإنجاز. والحقيقة أن استعارة الرحلة واستدعاءها في هذه السيرة جاءا قويين جدًا لا تخطئهما العين، فهما حاضران حتى في عناوين الفصول.
أما عبارة «في حياتي مع الإدارة» فلا ينبغي، من وجهة نظري، أن تُفهم على أنها تحديد صارم لنطاق كتابة السيرة التي ستركز على الحياة الإدارية للكاتبة فقط؛ لسببين: أحدهما أنها لم تقل «حياتي الإدارية»، بل قالت «في حياتي مع الإدارة»، فالجمع واضح هنا بين حياة الكاتبة وعملها الإداري. والسبب الثاني أن قراءة السيرة تكشف مدى شموليتها؛ فهي تغطي مراحل دراستها ونشأتها، وعلاقتها بأسرتها وأساتذتها وأستاذاتها وطالباتها وزملائها وزميلاتها، والأماكن التي زارتها أو عاشت فيها… إلخ. وهذه العلائقية هي أهم ما يميز هذه السيرة الذاتية حقيقةً، وسنشير إليها بعد قليل.
2- البناء الفني للسيرة جاء بناءً محكمًا بحسب الأهداف التي توختها الكاتبة من كتابة سيرتها أو مسيرتها أو رحلتها الذاتية. فجاءت السيرة في مقدمة قصيرة شرحت فيها الكاتبة دوافع كتابتها، التي حددتها في تلبية رغبة زميلاتها، واستهداف القارئ العادي وبناتها وحفيداتها والإداريات الشابات. كما ذكرت في المقدمة أنها قامت في هذه السيرة بالانتقاء والانتخاب من تجاربها الحياتية، تقول: «فقد اخترت من المواقف والمحطات التي نتوقف عندها، لقد كان السفر طويلًا، والمواقف أكثر، والعبر عديدة، والدروس متراكمة».
وبعد المقدمة جاءت أربعة فصول أو محطات، كما سمتها الكاتبة؛ الأول بعنوان «مرحلة التربية والتكوين»، والثاني «رحلتي مع عمادة كلية التربية في مدينة الرياض»، والثالث «رحلتي مع إدارة الشؤون التعليمية في وكالة كليات البنات»، والرابع «رحلتي مع إدارة جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن». وجاء داخل كل فصل مجموعة من العناوين الفرعية المتصلة بتفاصيل موضوع الفصل الرئيس، سهّلت على الكاتبة عملية الكتابة، وعلى القراء عملية القراءة.
أما الخاتمة فقد جاءت قصيرة نسبيًا، وركزت فيها الكاتبة على أهمية الكفاءة الإدارية، وأكدتها بوصفها مطلبًا رئيسًا لتحقيق النجاح. وحددت كذلك مرتكزات رؤيتها الإدارية المتمثلة في الانفتاح والتداخل بين المجتمعات والدول نتيجة لتأثير تقنيات الاتصال، ومواجهة المشكلات بفكر جديد أساسه البحث العلمي. واختتمت الخاتمة بنصيحة وجهتها إلى الطالبات حول اختيار تخصصاتهن.
3- من الجوانب الأسلوبية اللافتة في السيرة إجادة الكاتبة توظيف الاقتباس والتضمين، أو التناص كما يحلو للبعض تسميته؛ فالسيرة تعج بالمقتبسات القرآنية والشعرية التي أحسنت الكاتبة انتقاءها وتوظيفها، ولا عجب في ذلك، فهي أستاذة النحو واللغة والأدب. وقد كان توظيفها لهذه المقتبسات لتأكيد فكرة طرحتها، أو للتعبير عن فكرة رأت أن الاقتباس خير ما يوصلها إلى القارئ.
4- العدل والموضوعية في سرد المواقف والأحداث، وخير مثال على ذلك الطريقة التي صورت بها والديها؛ إذ رسمت لأمها ولأبيها صورتين مختلفتين من حيث التكوين، ومتشابهتين من حيث رعاية كل منهما لها، كلٌّ بطريقته الجميلة الخاصة. وتتضح هذه الأبعاد العادلة والموضوعية كذلك في رسم أو سرد علاقتها بزميلاتها في العمل الجماعي التعاوني والمشاورة الدائمة؛ فهي دائمًا تحقق إنجازاتها العملية بالتشارك مع الآخرين. وقد أشرنا إلى علائقية هذه السيرة قبل قليل، فذات الكاتبة في هذه السيرة تتشكل، في كثير من الأحيان، من خلال علاقاتها بالآخرين أو بالأخريات.
5- من أبرز سمات هذه السيرة وضوح الرؤية والغاية والأهداف في حياة الكاتبة. وقد بدأ هذا الملمح يتشكل في حياتها ربما منذ المرحلة الثانوية، واستمر في التطور والنماء بتقدم العمر ونضج التجارب؛ فكل شيء عند الكاتبة لا يحدث عفويًا، بل نتيجة تفكير وتخطيط وتدبير.
6- القدرة على تجاوز العقبات بروية وتعقل، والتعامل مع الواقع بذكاء حتى تحين الفرصة المواتية للإنجاز.
7- مصادر التجربة الحياتية عند الكاتبة متعددة، منها على سبيل المثال: تربية الوالدين، والقراءات المكثفة، والرحلات الداخلية والخارجية إلى مناطق وبلدان عديدة، والاتصال بالأساتذة والأستاذات المتميزين، ومنهم بنت الشاطئ عائشة عبدالرحمن، مشرفة الكاتبة، وغيرها.
8- القدرة على مواجهة المشكلات والتعاطي معها؛ فلم تكن تجارب الكاتبة في الحياة ولا في الإدارة كلها سهلة ودون عراقيل، فقد واجهت عدة عراقيل وعوائق وتحديات، وربما منافسات، ولكنها بحكمتها وصبرها وعملها الدؤوب استطاعت تجاوزها والتغلب عليها، ويطول بنا الوقت إن نحن رمنا سردها هنا.
9- أما الأبعاد التي تكشف الجوهرة الإنسانة فهي كثيرة ومتنوعة، ويستطيع القارئ أن يقف عليها مباشرة أو من خلال علاقاتها بالآخرين أثناء عملها الإداري. ومن المواقف التي شدتني ما كتبته عن مرض والدها ووفاته، رحمه الله، ولعلي أستشهد هنا بهذا المقطع:
«وتمكنت من طي أحزاني في أعماقي… وساعدني في ذلك بعد الله انشغالي وعملي المتواصل في التدريس… وهكذا الحياة… خليط من الحزن والبهجة… وهذا الخليط يسكن ذاكرتي، أحيانًا أستدعيه فيؤلمني الحزين منه، ويسعدني المبهج منه… أحيانًا أفر هربًا من الحزن… وأحيانًا أتوق إلى الإقامة الطويلة مع اللحظات المبهجة».
وهذه عينة من الأسلوب السهل الممتنع الذي وظفته في كتابة هذه السيرة.
وختامًا، فإني أوصي بقراءة هذه السيرة، وبخاصة من قبل القراء الشباب؛ ففيها من التجارب الحياتية والإدارية والإنسانية ما يفيدهم ويثري تجاربهم، ومن الجمال ما يبهجهم. وإذا كان غازي القصيبي قد كتب سيرته «حياة في الإدارة» ولاقت رواجًا كبيرًا، فإن الدكتورة الجوهرة قد كتبت «محطات في حياتي مع الإدارة»، وأرجو أن تحقق هذه السيرة النجاح الذي تستحقه أيضًا.