الرياض - «الجزيرة»:
يعد السلوك العدواني لدى الأطفال من السلوكيات المشينة غير المحمودة، حيث يؤدي السلوك إلى تدمير البناء النفسي والاجتماعي للطفل، ويتطور لينتج مجتمعاً تفوقه الجريمة ويسوده التفكك وسلب الحقوق، ويمثل هذا السلوك المندفع خطراً حقيقياً يتجاوز مجرد نوبات الغضب العابرة، ليصبح ظاهرة تتطلب تشريحاً دقيقاً لأثرها المباشر على نمو الفرد واستقرار المجتمع.
«الجزيرة» التقت عددا من المختصين والمهتمين بشأن الطفولة ليتحدثوا عن تلك القضية المهمة.
السلوك وتوظيفه
تقول الدكتورة منى بنت علي الحمود الخبيرة التربوية، المهتمة بشأن الطفولة والأسرة:السلوك العدواني سلوك دخيل على الطبيعة الإنسانية التي تحكم تفاعلات الفرد (الذات) مع الآخر، فهو ليس بالغضب الطبيعي الذي قد ينتج عن استجابة الإنسان لشعوره بالانزعاج، فالعدوان يرتبط برغبة بالسلطة والسيطرة، فلو تساءلنا ما الذي يجعل الإنسان صغيراً كان أم كبيراً أن يتحول نحو العدوان، وهل العدوان جزء من طبيعتنا، أم أنه استجابة لما يصنعه المجتمع والظروف؟
يذكر الفيلسوف «توماس هوبز» الذي تنسب إليه عبارة «الإنسان ذئب للإنسان» أن الأصل في الإنسان أنه مدفوع للصراع المرتبط بالمصلحة والخوف والمنافسة، وفي مقابل غياب سلطة منظمة ضابطة يحدث الصراع بين الكل، فالعدوان هنا يرتبط بالخوف والرغبة في البقاء والسيطرة.
من جانب آخر يرى «جان جاك روسو» صاحب مؤلف «العقد الاجتماعي» أن الإنسان بطبيعته ليس عدوانيا، ولكن التملك والمقارنة الناجمة عن التفاوت الاجتماعي هي التي تقف خلف الصراع الإنساني وتوسع دائرته، فالمجتمع والبيئة المحيطة بهذا الوصف هم من يصنع العدوان وبالمقابل هم من يهذبونه.
بينما يتجه بعض الفلاسفة والنفسيين إلى إعادة مسببات العدوان إلى الذات أمثال «نيتشه» الذي رأى في الرغبة بالبحث عن إثبات الذات مسبباً قد يقف خلف بعض الصور العدوانية، والذي لايشترط أن يظهر بشكل عدوانية دائماًفي المقابل يرى «فرويد»أن الإنسان يحمل توترات ودوافع قد تتجه نحو الخارج في صورة عدوان، أو يجري تهذيبها وتحويلها ثقافيًا، وتقدم «حنا أرنت» مقارباتها نحو السلطة والعدوان فالسلطة الحقيقية ليست مرادفة للعنف، بل قد يظهر العنف عندما تعجز السلطة عن تحقيق الطاعة والشرعية بوسائل أخرى.
بلورة الأفكار
وتسترسل الدكتورة منى الحمود في حديثها:من هنا يمكن بلورة تلك الأفكار في تحديد مسببات العدوان الذي قد يبدأ حين يعجز الإنسان عن تحويل شعوره بالقوة أو الخوف أو الاختلاف إلى لغة للإيذاء والتسلط، ولكن هل يمكن توظيف العدوان والتحول به من سلوك مهدد إلى سلوك إبداعي؟ ومن طاقة للهدم والتسلط إلى طاقة تنتج؟
يكمن المعنى هنا في سر العودة الحقيقية إلى الذات، وأن المطلوب ليس قمع الغضب الطبيعي بل توجيهه، وأيضا قد لا يرتبط العدوان بمحفزات سابقة على الغضب، السؤال «ما الذي يحدث في الداخل عندما أشعر برغبتي في الاعتداء على آخر؟» وإن وجد فكيف احول رغبة العدوان إلى انتاج ومعنى، وبسؤال الإنسان لذاته ما الذي أريد الدفاع عنه، ما الذي ضايقني لهذا الحد حتى شعرت برغبة العدوان؟ كل هذه التساؤلات سواء على مستوى الفرد لنفسه أو على مستوى الفرد بسؤال الآخر ستفتح الطريق أمام هذا التحول الإيجابي بالعدوان إلى شكل آخر بعيد عن البحث عن ضحية لتنفيس رغبة العدوان.
الأسباب وسبل التعامل
وتؤكد الدكتورة إكرام بنت رابح عياد استشارية طب الأطفال بالرياض أن السلوك العدواني لدى الأطفال سواء كان جسدياً كالملاكمة والضرب، أو لفظياً كالصراخ والتلفظ بكلمات قاسية، من أكثر التحديات التربوية التي تواجه الآباء والمربين، ولعلّ الخطوة الأولى والمحورية في علاج هذه الظاهرة هي إدراك أن العدوانية لدى الطفل ليست صفة أصيلة فيه، بل هي رسالة أو «عرَض» يُعبّر به عن مشاعر أو احتياجات عاجز عن صياغتها بالكلمات، مشيرة إلى تعدد دوافع العدوانية عند الأطفال وتداخلها، ومن أهمها:
ضعف مهارات التعبير العاطفي:يفتقر الطفل في سن صغيرة إلى حصيلة مصطلحات تمكنه من شرح مشاعره، فيتحول الغضب أو الإحباط لديه فوراً إلى سلوك جوارحي.
التقليد والمحاكاة: يتأثر الأطفال بشدة بما يشاهدونه في البيئة المحيطة، سواء كان ذلك خِلافات عائلية مُعلنة، أو محتوى سينمائياً وألعاب فيديو تتسم بالقتال والعدوان.
الشعور بالإحباط أو إهمال الاحتياجات مثل: التعب الجسدي، الجوع، الشعور بالغيرة من أحد الأقارب، أو الإحساس بنقص الانتباه والاهتمام من الأبوين.
الأساليب التربوية القاسية: الإفراط في العقاب البدني أو الصراخ المتكرر يرسل للطفل رسالة غير مباشرة بأن «القوة والشدة هما الوسيلة الوحيدة للسيطرة وتلبية الرغبات».
إستراتيجيات عملية للتعامل
وتوضح د. إكرام عياد استشارية طب الأطفال إلى أن معالجة السلوك العدواني تتطلب صبراً ونفَساً طويلاً، ويمكن اختصار أهم الخطوات في النقاط التالية:
قاعدة ذهبية:لا تعالج الغضب بالغضب؛فالهدوء في لحظة الانفعال هو القدوة الأولى التي يتعلّم منها الطفل ضبط النفس.
1 - الاحتواء والتدخل الهادئ: عند حدوث نوبة عدوانية، افصل الطفل عن الموقف بحزم دون عنف أو صراخ، وتأكد من سلامة الجميع.
2 - تسمية المشاعر(الذكاء العاطفي):ساعد طفلك على التعرف على ما يشعر به، بعبارات مثل:»أنا أفهم أنك غاضب لأن اللعبة كُسرت، لكن الضرب غير مقبول.»
3 - وضع حدود صريحة ومستمرة:يجب أن يعلم الطفل أن كل المشاعر مقبولة ومسموحة، ولكن ليس كل السلوكيات مسموحة.
4 - تعزيز السلوك الإيجابي: بدلاً من التركيز الدائم على العقاب عند الخطأ، أثنِ على الطفل وكافئه عندما يتصرف بمداراة وهدوء أو يحل مشكلته بالحوار.
5 - توفير منافذ لتفريغ الطاقة: ممارسة الرياضة، الرسم، والألعاب الحركية تساهم بشكل فعال في تخفيف الاحتقان النفسي والتفريغ عن الطاقة الزائدة.
وشددت د.إكرام عياد استشارية طب الأطفال بالرياض على أن بناء سلوك متزن لدى الطفل عملية تراكمية تتطلب التفهم والاحتواء قبل فرض العقوبات؛فمتى ما شعر الطفل بالأمان والتفهم داخل أسرته، قلّت حاجته للجوء إلى العنف كوسيلة للتعبير عن ذاته.
قلق الوالدين
ويرى الدكتور شادي بن فواز المغربي استشاري أمراض الأطفال بالرياض أن السلوك العدواني من أكثر السلوكيات التي تثير قلق الوالدين والمربين، ولاسيما عندما يظهر بصورة متكررة أو شديدة تؤثر في علاقة الطفل بأسرته وأقرانه، وقد يأخذ العدوان أشكالًا متعددة، مثل: الضرب والعض والدفع والركل والصراخ، أو قد يظهر بصورة غير مباشرة من خلال العناد الشديد، وإتلاف الممتلكات، والتهديد، أو إيذاء الآخرين بالكلمات، مشدداً على أن ندرك أن السلوك العدواني عند الأطفال لا يعني بالضرورة أن الطفل «سيئ»، أو أن لديه شخصية عدوانية بطبيعتها؛ ففي كثير من الحالات يكون العدوان وسيلة يعبر بها الطفل عن مشاعر أو احتياجات لا يستطيع التعبير عنها بالكلمات.
مراجعة الطبيب
وينصح د.شادي المغربي استشاري الأطفال بالرياض باستشارة طبيب الأطفال أو اختصاصي الصحة النفسية للأطفال عندما يكون العدوان شديدًا أو متكررًا، أو عندما يؤدي إلى إصابات، أو عندما يتسبب في مشكلات واضحة في المدرسة أو العلاقات الاجتماعية، أو عندما يكون من الصعب على الأسرة السيطرة عليه رغم اتباع أساليب تربوية مناسبة، كما ينبغي الانتباه إلى وجود أعراض أخرى مصاحبة، مثل: صعوبات التواصل، أو اضطرابات النوم، أو مشكلات الانتباه، أو التأخر النمائي، أو تغير واضح ومفاجئ في سلوك الطفل.
بيئة آمنة مستقرة
ويؤكد الدكتور شادي المغربي استشاري الأطفال على دور الأسرة في الوقاية من السلوك العدواني، حيث إن الوقاية تبدأ من المنزل، من خلال توفير بيئة آمنة ومستقرة للطفل، وإظهار الحب والاهتمام، مع وضع حدود واضحة وثابتة، ويحتاج الطفل إلى أن يتعلم منذ الصغر أن:
- ليس كل ما يريده يمكن الحصول عليه فورًا.
- كلمة «لا» جزء طبيعي من الحياة.
- الغضب شعور طبيعي، لكن إيذاء الآخرين ليس مقبولًا.
- يمكن حل الخلافات بالكلام والحوار.
- الاعتذار وإصلاح الخطأ من علامات القوة وليس الضعف.
- الحصول على الاهتمام لا يحتاج إلى الصراخ أو العدوان.
- لكل طفل قيمته ومكانته، ولا ينبغي أن تُقاس قيمته بمقارنته بغيره.
- الاختلاف في القدرات بين الأطفال أمر طبيعي ولا يعني أن أحدهم أفضل من الآخر في قيمته الإنسانية.
والأهم من ذلك أن يكون الوالدان قدوة للطفل؛ فالطفل يتعلم من سلوكهما أكثر مما يتعلم من نصائحهما.
فهم السلوك
واختتم د.شادي المغربي استشاري الأطفال بالرياض، حديثه مخاطباً الوالدين:الطفل العدواني لا يحتاج إلى مزيد من العنف، بل يحتاج إلى فهم السبب وراء سلوكه، وحدود واضحة، وتعليم مستمر للمهارات التي تساعده على التحكم في غضبه والتعبير عن مشاعره، كما أن التربية الصحيحة لا تقوم على القسوة، ولاعلى التدليل المفرط، ولا على التفرقة بين الأبناء، وإنما تقوم على التوازن بين الحب والاحتواء من جهة، والحدود والانضباط والعدل من جهة أخرى.
فالطفل لا يولد وهو يعرف كيف يتحكم في غضبه؛ إنها مهارة يتعلمها تدريجيًا من خلال القدوة، والتوجيه، والحدود، والصبر، والعلاقة الآمنة مع والديه.
والهدف النهائي ليس أن نمنع الطفل من الغضب، فهذا أمر غير ممكن ولا مطلوب، وإنما أن نساعده على أن يتعلم كيف يغضب دون أن يؤذي نفسه أو الآخرين، وكيف يعبّر عن احتياجاته ومشاعره بطريقة صحية ومقبولة.