في عالم يتسارع فيه كل شيء تتزايد أهمية الوعي بما نأكله وما يحدث داخل أجسامنا بعد تناول الغذاء وربما لا يخطر على بال كثيرين أن هناك عالماً دقيقاً لا تراه العين المجردة يعيش معنا ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالغذاء والصحة وهو عالم الأحياء الدقيقة.
وتعد الأحياء الدقيقة من المكونات المهمة في عالم الغذاء فعلى الرغم من ارتباط بعض أنواعها بالأمراض وفساد الأطعمة فإن كثيراً منها يؤدي أدوارا نافعة وأساسية في إنتاج الأغذية وتحسين خصائصها وقدرتها على الحفظ كما يرتبط بعضها بصحة الجهاز الهضمي وتشمل هذه الكائنات البكتيريا والخمائر والفطريات المجهرية التي تدخل في إنتاج عدد كبير من الأغذية التي نتناولها بصورة يومية.
وتؤدي الكائنات الدقيقة النافعة دوراً مهماً في عمليات التخمير الغذائي وهي عمليات حيوية تستخدم فيها الكائنات الدقيقة لتحويل بعض مكونات الغذاء إلى مركبات جديدة قد تسهم في تحسين الطعم والقوام وقابلية الهضم والحفظ، ومن أشهر الأغذية التي تعتمد على التخمير الزبادي واللبن والأجبان والمخللات وبعض أنواع الخبز.
وتحتوي بعض الأغذية المخمرة على كائنات دقيقة حية وقد تكون بعض هذه الكائنات من البروبيوتيك وهي كائنات دقيقة حية ثبت أن تناول كميات مناسبة منها يمكن أن يحقق فوائد صحية محددة ولا يعني ذلك أن جميع الأغذية المخمرة تعد بالضرورة مصدراً للبروبيوتيك أو أن كل الكائنات الدقيقة الموجودة فيها تحمل الفوائد الصحية نفسها.
ويحتوي الجهاز الهضمي للإنسان على أعداد هائلة من الكائنات الدقيقة التي تعرف مجتمعة باسم الميكروبيوم المعوي وتشكل جزءا مهما من البيئة الداخلية للإنسان وتشارك في عدد من العمليات الحيوية، ومن بينها المساعدة في الاستفادة من بعض مكونات الغذاء التي يصعب هضمها بصورة مباشرة ولا سيما الألياف الغذائية.
كما تقوم بعض الكائنات الدقيقة الموجودة في الأمعاء بتخمير الألياف الغذائية وإنتاج مركبات من بينها الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة التي ترتبط بوظائف الأمعاء وصحتها الطبيعية، وهو ما يوضح أن العلاقة بين الغذاء والميكروبيوم المعوي علاقة متبادلة ومهمة
ويمكن للكائنات الدقيقة الموجودة في الأمعاء أن تسهم في إنتاج أو إتاحة بعض الفيتامينات ومن أبرزها فيتامين K وبعض فيتامينات مجموعة B إلا أن ذلك لا يعني إمكانية الاعتماد على الميكروبيوم وحده لتلبية احتياجات الجسم الغذائية إذ يظل التنوع في مصادر الغذاء وتناول نظام غذائي متوازن هو الأساس في الحصول على الاحتياجات الغذائية اللازمة لصحة الإنسان.
وتسهم الأحياء الدقيقة كذلك في تحسين القيمة الغذائية لبعض الأطعمة من خلال عمليات التخمير الميكروبي التي يمكن أن تحدث تغييرات مفيدة في تركيب بعض الأغذية فقد تساعد على تحسين قابلية الهضم وتقليل بعض المركبات غير المرغوبة وإتاحة بعض العناصر الغذائية بصورة أفضل كما تؤدي الكائنات الدقيقة المستخدمة في الصناعات الغذائية دورا مهما في تكوين النكهات والروائح والقوام المميز للعديد من المنتجات الغذائية التي أصبحت جزءا من حياتنا اليومية.
ومع كل هذه الفوائد من المهم التأكيد على أن الأحياء الدقيقة ليست جميعها نافعة فهناك أنواع ممرضة يمكن أن تسبب التسمم الغذائي والأمراض، ومن بينها بعض أنواع السالمونيلا والليستيريا وغيرها، ولذلك فإن سلامة الغذاء تظل مسؤولية أساسية تبدأ من التعامل السليم مع الطعام ولا تنتهي عند تناوله.
وتسهم النظافة الشخصية ونظافة أماكن إعداد الطعام والطهي الجيد والتبريد والتخزين السليم ومنع التلوث المتبادل بين الأغذية في الحد من مخاطر الكائنات الدقيقة الممرضة والحفاظ على سلامة الغذاء.
إن الأحياء الدقيقة تمثل جزءا مهما من منظومة الغذاء والصحة فهي لا تقتصر على التسبب في فساد الطعام أو الأمراض بل تضم عالما واسعا من الكائنات النافعة التي تؤدي أدوارا مهمة في إنتاج الأغذية المخمرة وتحسين بعض خصائصها والمساهمة في وظائف الجهاز الهضمي والاستفادة من الألياف وبعض العناصر الغذائية.
ومن هنا، فإن فهم العلاقة بين الإنسان والأحياء الدقيقة يمنحنا مفهوما أكثر شمولا للغذاء الصحي فالغذاء المتوازن لا يقوم على اختيار نوع واحد من الطعام أو البحث عن فائدة غذائية منفردة وإنما يقوم على التنوع والاعتدال وسلامة الغذاء والاستفادة من الأغذية المخمرة ضمن نظام غذائي متوازن.
الغذاء الصحي لا يتعلق فقط بما نضعه على موائدنا بل يرتبط أيضا بعالم دقيق لا نراه بالعين المجردة يعيش معنا ويتفاعل مع ما نتناوله ويؤثر في أجسامنا إن فهم هذا العالم يذكرنا بأن الصحة منظومة متكاملة وأن ما يبدو صغيرا ولا يرى بالعين قد يكون له أثر كبير في حياتنا وصحتنا.
** **
د. فؤاد بن عبدالله العطوي - جامعة تبوك