«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
تشارك المسرحية السعودية «حين رآني الغياب» في الدورة العاشرة من ملتقى «أولادنا» الدولي لفنون ذوي القدرات الخاصة، المقام في دار الأوبرا المصرية بالقاهرة، في تجربة مسرحية يقود بطولتها (الفنان الكفيف محمد لادان)، وتطرح أسئلة الذات والغياب والفقد وقيمة الإنسان بعيدًا عن نظرة الآخرين.
وتوظف المسرحية تقنيات الذكاء الاصطناعي في محتوى الشاشة والتصميمات الجرافيكية، لتشكيل فضاء بصري يتفاعل مع أداء الممثل، ويعزز الأبعاد النفسية والرمزية للعرض.
والعمل من تأليف هدى حدّادي وإخراج أمينة السوداني، وبطولة محمد لادان، فيما جاءت الموسيقى والألحان إهداءً من الملحن والمنتج السعودي عبدالله عبود، وتصميم الإضاءة إهداءً من المهندس محمد الحبشي، والتصميم الجرافيكي للمصممة شيري وجدي.
وأُقيمت فعاليات الملتقى تحت شعار «10 سنين سعادة وحب»، بمشاركة مواهب وفرق من دول مختلفة، عبر عروض مسرحية وموسيقية وسينمائية، وورش فنية وأنشطة تفاعلية وتمكينية. وشهدت مشاركة المسرحية السعودية تتويج الفنان محمد لادان بجائزة الأداء عن دوره في العرض.
وفي هذا الحوار، تتحدث مؤلفة المسرحية هدى حدّادي عن التجربة منذ ولادة الفكرة وحتى التتويج، والمنطلقات الفكرية والنفسية التي شكّلت النص، ورؤيتها للإنسان والمسرح، كما تتوقف عند تجربة الفنان محمد لادان، ودور المسرح في إتاحة مساحة حقيقية لذوي القدرات الخاصة للتعبير عن ذواتهم ومواهبهم.
من سؤال الإنسان إلى «حين رآني الغياب»
* كيف بدأت فكرة «حين رآني الغياب»، وماذا مثّلت لكِ الرحلة من لحظة الكتابة حتى وصول العمل إلى التتويج؟
- تقول حدّادي: «دائمًا ما أقول إنني حين انتزعت السر من صدر الحياة، أصبحت مأخوذة بالأحلام فكُبلت بأصفادها. والفكرة في الأصل هي سر الحياة الذي طالما عرفته وآمنت به. وحين يتحقق لي حلمي، ويسمع هذا السر البشر الذين أحبهم، والذين يعرفونني أو لا يعرفونني، أشعر بالسعادة الحقيقية التي يطمئن بها عقلي، وأن يدرك الناس كيف يعيشون هذه الحياة».
وما الذي جذبك إلى هذا العمل تحديدًا، وجعل الإنسان محوره الأساسي؟
تجيب: «قضيتي الأولى هي التي تجذبني إلى أي عمل، وهي الإنسان بكل تناقضاته وأحلامه وتصوراته، وهي القضية التي بنيت عليها دراساتي وأبحاثي».
«سيكولوجية الفقد» ووظيفة الألم
* ما القضية الأساسية التي تسعى المسرحية إلى إيصالها إلى الجمهور؟
- توضح حدّادي أن القضية الأساسية هي «سيكولوجية الفقد، ووظيفة الألم في تمكين الإنسان من اختيار الطريق إلى النفس وإلى الحياة الحقيقية».
* وهل غيّرت هذه التجربة شيئًا في نظرتك إلى المسرح ودوره في تناول القضايا الإنسانية؟
تقول: «بالتأكيد، غيّرت هذه التجربة نظرتي إلى المسرح وإلى الإنسان معًا؛ فالمسرح هو الذي يصنع الحياة بصورتها الممكنة، وإنما يجب أن تُصنع الحياة مجددًا على المسرح».
محمد لادان.. حضور يتجاوز حدود الأداء
* ماذا أضاف حضور الفنان الكفيف محمد لادان إلى العرض، فنيًا وإنسانيًا؟
* تجيب حدّادي: «أضاف حضور محمد، الممثل الكفيف، من الناحية الفنية، تجسيدًا حقيقيًا للشعور وللحالة الإنسانية التي يمر بها كل متألم».
وتضيف: «أما من الناحية الإنسانية، فقد أتاح له أن يجد مساحة على هذه الأرض يعبّر فيها عن عواطفه وآلامه، ويشعر بوجوده كاملًا، ويملأ فراغات نفسه الداخلية».وماذا مثّل لكم التتويج، خصوصًا أنه جاء عن أداء ممثل كفيف؟
تقول: «الجائزة ذهبت لمن يستحقها، وهو الممثل، وهي بالنسبة إليه بمثابة الأمان والبهجة؛ لأنها حوّلت عجزه إلى مزية باهرة».
المسرح.. مساحة للحرية والتمكين
* هل يمنح المسرح الأشخاص ذوي الإعاقة مساحة حقيقية لإظهار مواهبهم، أم أن التجربة لا تزال بحاجة إلى مزيد من التمكين؟
- تجيب: «نعم، المسرح يمنح الأشخاص ذوي الإعاقة مساحة لإظهار مواهبهم، ونعم، التجربة لا تزال بحاجة إلى المزيد من التمكين. فلا فرق بين الأسوياء وذوي القدرات الخاصة؛ المسرح يعطي الحرية للجميع، ومن دون تفرقة أو تمييز».
بعد هذا التتويج، هل لديكم نية لتطوير التجربة أو تقديم أعمال مسرحية جديدة بمشاركة فنانين من ذوي القدرات الخاصة؟
تقول: «بالتأكيد، الأعمال المقدمة بمشاركة فنانين من ذوي القدرات الخاصة تحمل معها الخير والبركة والتيسير والسعادة».
هدى حدّادي.. تجربة تمتد من الرواية إلى المسرح
لا تقف تجربة هدى حدّادي عند الكتابة المسرحية، بل تمتد إلى الرواية والدراسات النقدية والبحثية والكتابة الفكرية والتربوية. ومن أبرز إصداراتها رواية «أعيش»، الصادرة عن مركز الأدب العربي، وكتاب «طلّ.. حكم وفلسفة»، وكتاب «احتضن عالمك الداخلي حتى تطمئن»، وهما من إصدارات مركز الأدب العربي.
وفي المجال المسرحي والنقدي، صدر لها كتاب «المسرح الرقمي ومهارات ما وراء المعرفة»، وهو دراسة بحثية من إصدارات تكوين، إلى جانب كتاب «روح المسرح.. دراسات نقدية في المسرح العربي والعالمي». كما قدمت مشروعًا تربويًّا ونشاطًا مدرسيًا بعنوان «حياة في صناعة إنسان»، الصادر عن مركز الأدب العربي.
وفي تجربتها المسرحية، كتبت مسرحية رقمية مقتبسة عن مسرحية محمد العثيم «شاي حلو شاي مر»، ونُشرت عبر «يوتيوب»، فيما تنتظر مسرحية «ضلع» عرضها قريبًا، وهي نص فلسفي واجتماعي.
رسالة «حين رآني الغياب»
* لو أردتِ اختصار رسالة المسرحية في جملة واحدة للجمهور، ماذا تقولين؟
- تختصر حدّادي رسالتها بالقول: «بعد أن تكسرنا تجربة الألم، يصبح انتماؤنا للوجود شكلًا من أشكال الحب؛ نعيد به بناء ذواتنا، ونجد المعنى، وندرك حقنا في الحياة والحب والنصر».