«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في ليلة من ليالي الوطن، استعادت جدة شيئًا من ذاكرتها الغنائية على مسرح عبادي الجوهر أرينا، حيث التقت الأغنية الشعبية السعودية بالاحتفال باليوم الوطني عبر صوتَي الفنانتين خديجة معاذ وموضي الشمراني، وسط حضور جماهيري شارك في الغناء، وحوّل عددًا من الأعمال إلى لحظات جماعية تستدعي الذاكرة بقدر ما تحتفي بالحاضر.
وافتتحت خديجة معاذ الأمسية بباقة من أعمالها، بينها «حلوه يرحل»، و«خاطري طايب»، و«وينك حبيبي»، و«القمر»، و«محمل الشام»، قبل أن تختتم مشاركتها بـ«يا بلادي واصلي»، التي رددها الجمهور معها؛ لتغادر الأغنية إطار الأداء الفردي، وتتحول إلى صوت جماعي يحمل فرح المناسبة ومعناها الوطني.
أما موضي الشمراني، فاختارت أن تبدأ حضورها بتحية مباشرة للوطن، إذ أطلت على المسرح بأداء السلام الملكي السعودي بمشاركة الجمهور، قبل أن تقدم عددًا من الأغنيات، بينها «كل إنسان يخطي»، و«ساقي العطش»، و«شكواي»، و«يا قلبي تصبر»، وصولًا إلى «فوق هام السحب»، التي حظيت بتفاعل لافت من الحضور.
وتكتسب مشاركة الفنانتين خصوصيتها من صلتهما باللون الشعبي الذي ظل قريبًا من تفاصيل الحياة السعودية ووجدان الناس، وحمل عبر عقود ملامح البيئات واللهجات والإيقاعات والقصص اليومية. ومن هنا، فإن استحضار هذا اللون في مناسبة وطنية لا يضيف إلى الحفل بعدًا فنيًا فحسب، بل يفتح نافذة على جانب من الذاكرة الثقافية التي تتوارثها الأجيال.
وبين خديجة معاذ وموضي الشمراني، بدا الصوت الشعبي حاضرًا في صيغة معاصرة من دون أن يفقد صلته بجذوره؛ فالفنانتان تقدمان لونًا غنائيًا يصل إلى جمهور متنوع في العمر والذائقة، وتمنحانه مساحة على المسارح الحديثة، ليظل متصلًا بالناس وقادرًا على تجديد حضوره في مناسبات مختلفة.
وكان الجمهور أحد أبطال المشهد؛ ففي «يا بلادي واصلي» و«السلام الملكي» و«فوق هام السحب»، تلاشت الحدود بين الخشبة والقاعة، إذ امتزج صوت الفنانتين بأصوات الحاضرين، فتحول الغناء إلى مشاركة جماعية، واستعادت الأغنيات حضورها بوصفها ذاكرة مشتركة، لا مجرد أعمال تؤدى على المسرح.وهكذا جاءت ليلة جدة من بوابة الفن الشعبي، جامعةً بين الاحتفاء بالوطن واستعادة جانب من الذاكرة الموسيقية السعودية، ومقدمةً خديجة معاذ وموضي الشمراني بوصفهما صوتين نسائيين يحضران باللون الشعبي في المشهد الغنائي المعاصر؛ صوتين يلتقي عندهما الموروث بالحاضر، وتجد من خلالهما الأغنية الشعبية مساحة جديدة للوصول إلى أجيال تتغير ذائقتها، فيما تظل صلتها بالأغنية التي تعرفها وتحفظها وترددها حيّة.