عبدالوهاب الفايز
حديث رئيس أرامكو السعودية المهندس أمين الناصر الأسبوع الماضي عن مسارات تصدير النفط لم يكن مجرد حديث فني عن الأنابيب والموانئ. فوراء التفاصيل التشغيلية فكرة سياسية واقتصادية أعمق تتعلق بكيفية إدارة الدول لجغرافيتها. أوضح أن أرامكو تملك ثلاثة مسارات رئيسة لتصدير النفط، وتدرس مسارين جديدين، إلى جانب تعزيز قدراتها التخزينية خارج المملكة، فيما تمنح شبكة خطوط الشرق والغرب مرونة إضافية في نقل الإمدادات. والهدف في النهاية هو تقليل المخاطر وضمان استمرار وصول النفط إلى العملاء مهما اضطربت الممرات البحرية.
هذه، في تقديري، هي المسألة الأهم في النقاش الدائر حول مضيقي هرمز وباب المندب وأمن الممرات البحرية. فالجغرافيا تمنح الدول مزايا متفاوتة؛ دولة تطل على مضيق، وأخرى تملك ساحلين، وثالثة تقع عند ملتقى طرق التجارة. لكن السؤال الأهم ليس ماذا أعطت الجغرافيا للدولة، وإنما ماذا تفعل الدولة بما أعطتها الجغرافيا؟
وهنا تبدو (المفارقة) بين السعودية وإيران أهم من (المقارنة) بينهما.
السعودية دولة كبيرة تطل على الخليج العربي والبحر الأحمر، وتقع في نقطة اتصال بين آسيا وأفريقيا وقريبة من أوروبا، وهي من أهم دول العالم في إنتاج الطاقة وتصديرها. وكان يمكن، نظريًا، استغلال هذه الجغرافيا كـ (أوراق تأثير وقوة) تستخدم عند الأزمات، لكن الحكمة السعودية اتجهت بصورة عامة نحو مفهوم مختلف: أن قيمة الموقع ترتفع كلما أصبح العالم أكثر اطمئنانًا إلى استخدامه، وأكثر اعتمادًا على خدماته وشبكاته.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة حديث رئيس أرامكو. تعدد مسارات التصدير، وخط الشرق والغرب، والبحث عن طرق إضافية، وزيادة التخزين قرب الأسواق المستهلكة، ليست مجرد ترتيبات احتياطية لمواجهة أزمة عابرة. إنها تعبير عن فلسفة في (أمن الطاقة) تقوم على تقليل نقاط الاختناق وزيادة البدائل، بحيث لا تتحول الممرات الجغرافية إلى قيد على الدولة أو على عملائها. وقد أكدت أرامكو هذا العام أن خط الشرق والغرب ومنشآت التخزين والتصدير المتعددة ساعدتها على المحافظة على استمرارية الأعمال والإمدادات خلال اضطرابات مضيق هرمز.
في المقابل، يقدم مضيق هرمز نموذجًا مختلفًا لاستخدام الموقع الجغرافي. فإيران تدرك أهمية المضيق بالنسبة إلى تجارة الطاقة العالمية، ولذلك ظل التحكم في حركة الملاحة فيه جزءًا من أدواتها المستمرة للابتزاز والتهديد. وفي الأحداث الجارية الآن تجاوز الأمر التهديد النظري؛ أعلنت طهران إغلاق المضيق خلال جولات التصعيد العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتراجعت حركة السفن فيه بصورة حادة، قبل أن تعود قضية فتحه مرة أخرى جزءًا من الاتصالات السياسية الجارية.
ولإيران بطبيعة الحال حساباتها الأمنية الخاصة في ظل الحرب والعقوبات والوجود العسكري الأمريكي والصراع الممتد في المنطقة. لكن السؤال الذي تطرحه اعتبارات الجغرافيا السياسية يبقى قائمًا: هل استخدام الممر الدولي أداةً للضغط يرفع قيمة الموقع على المدى البعيد، أم يدفع الآخرين إلى تخفيض الاعتماد عليه؟
التجارب الاقتصادية تقول إن الخوف من نقاط الاختناق يدفع الدول والشركات إلى صناعة البدائل. خطوط أنابيب جديدة، موانئ بديلة، مخزونات استراتيجية، تغيير مسارات السفن، ومراكز توزيع أقرب إلى الأسواق. وهنا تظهر مفارقة مهمة: الإفراط في الاعتماد على القوة لتعطيل الطريق قد يشجع الآخرين، بمرور الوقت، على الاستثمار في البدائل للاستغناء عنه، وهذا الذي لم تتوقعه الغطرسة الإيرانية. أما عندما تجعل الدولة المرور عبر أراضيها وموانئها وشبكاتها أكثر أمنًا وكفاءة، فإنها تحقق نتيجة مختلفة. كل طريق جديد يمر بها، وكل خط أنابيب أو ميناء أو مركز لوجستي أو مستودع تخزين، يربط جزءًا من مصالح الآخرين باستقرارها، وهذا هو المبدأ السعودي تحويل القوة الصلبة إلى قوة ناعمة.
أحد التحولات المهمة في مفهوم القوة الاقتصادية المعاصرة هو القدرة على استثمار الفرصة. فليس النفوذ والقوة في تعطيل حركة التجارة العالمية؛ النفوذ أن تقدم للعالم خدمة أو شبكة أو بنية تحتية يصعب الاستغناء عنها. ومن هذه الزاوية أيضًا يمكن النظر إلى اتفاق بكين بين السعودية وإيران في مارس 2023. الاتفاق أكد احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، ودعا إلى تعزيز التعاون والأمن الإقليمي. هذه الاتفاقية أوجدت الفرصة لأن تصبح الجغرافيا المشتركة أساسًا للتعاون بدل المشاكل والمخاطر؛ فالخليج ومضيق هرمز وباب المندب ليست مصالح محلية ضيقة، وإنما شرايين للاقتصاد العالمي والإقليمي.
والانشغال السعودي في التنمية وعمارة الارض، الذي جعل التفكير في الجغرافيا اداة للتنموية، يستدعي السؤال التالي: إذا كانت المملكة تريد تعظيم قيمة موقعها، فإلى أي مدى استفدنا اقتصاديًا من السفن العبرة بمحاذاة سواحلنا؟ هذا السؤال طرحه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، يحفظه الله، مبكرًا. ففي حديثه عام 2017 عن الفرص اللوجستية في البحر الأحمر، أشار إلى أن 13 في المئة من التجارة العالمية كانت تمر عبره، وحينئذ لم يقدم هذا التدفق للمملكة ما يتناسب مع موقعها، واستخدم سموه العبارة المباشرة: (صفر خدمات).
المهم في تلك العبارة أنها لم تكن وصفًا للبحر الأحمر بقدر ما كانت تشخيصًا لفجوة اقتصادية: السفينة تمر بالقرب منا، لكن جزءًا معتبرًا من فرص تموينها وصيانتها وإصلاحها وخدماتها الفنية واللوجستية يذهب إلى مراكز أخرى قريبة. ومنذ ذلك الحين قطعت المملكة شوطًا كبيرًا في تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية والصناعات البحرية. ومن أبرز المشروعات مجمع الملك سلمان العالمي للصناعات والخدمات البحرية في رأس الخير، الذي صُمم لبناء السفن والمنصات البحرية وتقديم خدمات الصيانة والإصلاح والتجديد، بما يوسع سلسلة القيمة البحرية داخل المملكة.
لكن التشخيص في العام 2017 يظل صالحًا لطرح السؤال من جديد، وإن تغير حجم الفجوة: كم سفينة تختار اليوم الموانئ السعودية للحصول على خدماتها، وليس لمجرد تحميل البضائع أو تفريغها؟ وكم (الحصة السوقية) من إنفاق السفن العابرة نستطيع الاحتفاظ به داخل الاقتصاد السعودي؟ فالفرصة تتجاوز رسوم الموانئ ومناولة الحاويات إلى أمور حيوية مثل: الوقود، والإمدادات، وقطع الغيار، والأحواض الجافة، والصيانة والهندسة البحرية، والتخزين وإعادة التصدير، والخدمات الرقمية والمالية والتأمينية المرتبطة بالنقل البحري. وهي، في الوقت نفسه، صناعة قادرة على فتح مسارات مهنية نوعية للشباب السعودي: من الفني والمهندس البحري إلى ضابط السفينة ثم ربانها. ماذا أنجزت وزارة النقل في هذا الملف، وهل تجاوزنا (الصفر) في الخدمات؟!
ويمكن قياس النجاح بأرقام بسيطة ومباشرة: عدد السفن التي تتلقى خدماتها في الموانئ والمرافق السعودية، حجم إيرادات الصيانة والتموين والخدمات البحرية، القيمة المضافة المحلية، وعدد السعوديين الذين يعملون في المهن البحرية الفنية والقيادية. وتوفر (الاونكتاد) مؤشرات دولية دورية للاتصال بخطوط الشحن المنتظمة وأداء الموانئ، وهو ما يسمح بمقارنة تطور الحضور البحري السعودي عالميًا. أيضا محليا نحتاج تطوير مؤشرات وطنية أكثر تفصيلًا للصيانة والخدمات والتوظيف البحري.
نتطلع إلى تطور الخدمات حتى يكون للمملكة الحضور المشرف في المنظمات التي تضع قواعد النقل البحري الدولي. أهم موقع لبلادنا هو في المنظمة البحرية الدولية (IMO). ونتطلع أيضا إلى عضوية متقدمة في الفئة المخصصة للدول ذات المصلحة الأكبر في التجارة الدولية المنقولة بحرًا. نحن نطمح إلى تمثيل أعلى يوازي حجم صادراتنا البحرية وإمكانات موانئنا، وايضا يواكب طموحنا الاستراتيجي الذي يتطلع اليه سمو ولي العهد لتطوير الخدمات اللوجستية.
وهذا التقدم في المؤشرات يحتاج أيضا أمرا لا يقل أهمية وهو (تطوير الأنظمة) التي تسهل وتعزز نمو الصناعة لتخفيف الإجراءات، مع الحاجة الماسة إلى (تمكين الموارد البشرية) السعودية، بالذات بالوظائف الحيوية مثل قيادة السفن العملاقة. كم (كابتن سعودي) لدينا الآن؟
وهكذا نعود إلى النقطة التي بدأ منها الحديث: الجغرافيا ليست سياسة في ذاتها، وإنما هي موارد متاحة تحدد الدولة طريقة استخدامها، لخير الشعوب أو لدمارها. فقد تكون نقطة اختناق، أو تصبح شبكة من المصالح والخدمات التي تُعمر الارض وتخدم التنمية الوطنية، وأصلًا اقتصاديًا يخدم السفن والتجارة العالمية.
وبين النموذجين السعودي والإيراني تظهر المفارقة: هناك من يستمد جزءًا من نفوذه من القدرة على تعطيل الممر، وهناك من يستمد نفوذه من تعدد الممرات وضمان استمرارها وتحويلها إلى صناعة ودخل ووظائف.
ولأننا مشغولون بالتنمية والبناء، فإن السؤال السعودي المثمر: كيف نحمي طرق التجارة والطاقة، وكيف نجعل العالم يستفيد من خدمات موانئنا؟ ربما تكون هذه هي المرحلة التالية المهمة التي فرضتها الظروف الصعبة لاستثمار الجغرافيا السعودية.