صدر حديثًا عن دار كاغد للنشر والتوزيع كتاب «ذاكرة الوعي في مسيرة إبراهيم التركي الفكرية»، من تأليف أ. حلا الفهيد، في طبعة 2026، ويقع في 504 صفحات، مقدّمًا مشروعًا توثيقيًا يلتقي فيه الأدب بالفكر، وتلتقي السيرة الثقافية بأرشفة النص الرقمي.
ينطلق الكتاب من فكرة تتجاوز جمع المادة المنشورة إلى محاولة حفظ جانب من الذاكرة الأدبية والثقافية السعودية في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية أحد أهم أوعية إنتاج النص وتلقيه. فالنص الرقمي، على اتساع حضوره وسرعة انتشاره، يظل عرضة للتشتت والاختفاء، وهو ما يمنح مشروعات جمعه وتصنيفه وإتاحته قيمة تتصل بحفظ الذاكرة الثقافية للأجيال المقبلة.
ويأتي الدكتور إبراهيم عبدالرحمن التركي في هذا المشروع نموذجًا تطبيقيًا لهذه الفكرة؛ بما تمتد إليه تجربته من أكثر من أربعة عقود في الكتابة والعمل الصحفي والثقافي، وبما شهده من حضور في المشهد الثقافي والإعلامي السعودي. وقد اختارت المؤلفة نصوصه الرقمية القصيرة مادة رئيسة للكتاب، انطلاقًا من كونها تمثل تجربة لافتة في الكتابة المكثفة، وتكشف في مجموعها عن مسار فكري وثقافي يتصل بتحولات المشهد السعودي والثقافي.
ويضم الكتاب ثلاثة أقسام رئيسة، تتوزع بينها مادة واسعة ومتنوعة. يفتتح القسم الأول بتقديم لمفهوم أرشفة الأدب السعودي الرقمي وأهميته، ثم يتناول عددًا من المحاور المتصلة بتجربة التركي، من الكتابة القصيرة وسيرة العقل، إلى أثر تجربته الصحفية والثقافية، ورؤيته للتحولات الثقافية السعودية، وملامح أسلوبه الأدبي واللغوي.
أما القسم الثاني، فيشكّل الجانب الأكبر من الكتاب، ويضم أكثر من خمسمائة نص رقمي للدكتور إبراهيم التركي، جُمعت من كتاباته المنشورة في الفضاء الرقمي ورتبت لتُقرأ في سياق واحد. وتكتسب هذه النصوص أهميتها من كونها تتيح للقارئ الاقتراب من التجربة الفكرية للكاتب من داخل نصوصه القصيرة، ورؤية الأفكار وهي تتشكل في لحظاتها الأولى؛ فهذه الكتابات، وفق الرؤية التي يقوم عليها الكتاب، ليست شذرات منفصلة، وإنما مادة يمكن أن تكشف عن ملامح وعي متصل ومسيرة فكرية ممتدة.
ويضم هذا القسم كذلك قراءات ومراجعات شاركت فيها أسماء نخبوية تناولت كتب الدكتور التركي، ولا سيما مؤلفاته الـ21، بما يتيح قراءة تجربته من زوايا متعددة، ويضع نصوصه الرقمية في سياق أوسع من مشروعه الأدبي والثقافي والصحفي.
ويأتي القسم الثالث حاملًا دراسات محكّمة نُشرت عن تجربة إبراهيم التركي، إلى جانب عدد من كلماته المحفلية، لتتسع بذلك صورة الكتاب من جمع النصوص إلى بناء مشهد متكامل تتجاور فيه كتاباته، وقراءات الآخرين لها، والدراسات العلمية التي تناولتها.
ويستند الكتاب في اختياره لتجربة التركي إلى مكانته الممتدة في الثقافة السعودية؛ فقد ارتبط اسمه بالعمل الصحفي والثقافي في صحيفة الجزيرة، حيث أمضى قرابة أربعة عقود في الشأن الثقافي، وأشرف على «المجلة الثقافية» منذ صدورها، إلى جانب تجربته في الإذاعة والعمل الإداري والتربوي. وتكشف هذه المسيرة عن مثقف لم يقف عند حدود التأليف، وإنما أسهم في صناعة السياق الثقافي، واستكتاب الأقلام، ورعاية التجارب الجديدة، وحفظ جانب من ذاكرة الحركة الأدبية السعودية.
وتتضح في الكتاب عناية خاصة بالكتابة القصيرة، التي يرى المشروع أنها ليست شكلًا عابرًا فرضته المنصات الحديثة، وإنما امتداد لفن قديم في الثقافة العربية، كانت فيه الملاحظات والتقييدات وسيلة لحفظ الفوائد والأفكار. ومن هنا تأتي فكرة تحويل النص الرقمي المتناثر إلى مادة قابلة للقراءة والدراسة، في مسعى يقترب مما تقترحه المؤلفة من مفهوم «تدوين التدوين» أو «أرشفة الأدب السعودي الرقمي؛ من النص الرقمي إلى المرجع الثقافي» لتوثيق الكتابة القصيرة بوصفها اتجاهًا علميًا في توثيق الأدب السعودي الرقمي، يقوم على جمع النصوص الأدبية والفكرية أو حتى المقاطع الصوتية والمرئية المنشورة في الفضاء الرقمي، وتحقيقها، وتصنيفها، وإعادة تقديمها في صورة مرجعية تحفظها من الفقد، وتتيحها للبحث والدراسة، بما يسهم في صون الذاكرة الأدبية الوطنية كما ذكرت المؤلفة في تصدير الكتاب.
ولا يقدّم «ذاكرة الوعي في مسيرة إبراهيم التركي الفكرية» سيرة تقليدية لكاتب، قدر ما يحاول قراءة تجربة ثقافية من خلال نصوصها وشهادات الآخرين عليها. فالكتاب يجمع بين التوثيق والقراءة النقدية، وبين النص الرقمي والمادة الصحفية والدراسة المحكمة، ليضع أمام القارئ صورة أكثر اتساعًا لمسيرة كاتب كان حاضرًا في تحولات الثقافة السعودية، وشاهدًا على مراحل مهمة منها.
ومن هذه الزاوية، يكتسب الكتاب قيمته بوصفه محاولة لحفظ ما قد يبدو عابرًا في زمنه، ثم يتضح مع مرور الوقت أنه جزء من ذاكرة مرحلة كاملة؛ إذ إن التوثيق الثقافي لا يحفظ النصوص فحسب، وإنما يحفظ معها أسئلة عصرها، وطرائق تفكير أصحابها، وتحولات الذائقة واللغة والمشهد الثقافي.
ويأتي صدور الكتاب ليضيف إلى المكتبة السعودية عملًا يفتح بابًا للنظر في الأدب السعودي الرقمي بوصفه مادة تستحق الجمع والدراسة والأرشفة، ويقترح، من خلال تجربة إبراهيم التركي، أن الذاكرة الثقافية لا تتشكل من الكتب وحدها، وإنما من كل ما تتركه الكتابة من أثر، سواء استقر في صفحات مطبوعة أم في فضاء رقمي سريع التحول.