«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
حين يختار مسؤول أو قيادي أن يكتب تجربته، فإنه لا يوثق بالضرورة سيرة شخصية بقدر ما يفتح نافذة على زمن مهني عاش تفاصيله، ويمنح القارئ فرصة الاقتراب من القرارات والتحديات والدروس التي صنعت تلك التجربة. وفي المشهد السعودي، ظهرت نماذج عدة حوّلت الخبرة الإدارية إلى معرفة مكتوبة، تتجاوز صاحبها إلى أجيال يمكن أن تجد فيها ما يعينها على فهم العمل والحياة.
ويأتي كتاب «حياة في الإدارة» للدكتور غازي القصيبي نموذجًا بارزًا لهذا المسار؛ إذ نقل من خلاله جانبًا من تجربته الإدارية ومشاهداته في مواقع العمل المختلفة، وقدم خلاصات ودروسًا للإداريين والجيل الصاعد، حتى أدرجته وزارة التعليم عام 2018 ضمن مقررات مادة «المهارات الإدارية» في المرحلة الثانوية.
وفي السياق ذاته، يأتي كتاب «نظرية البشت في هندسة الحياة» للمهندس منصور بن هلال المشيطي، نائب وزير البيئة والمياه والزراعة، بوصفه محاولة أخرى لتحويل التجربة المهنية إلى معرفة؛ غير أن الكتاب لا يتوقف عند حدود السيرة الإدارية أو سرد محطات النجاح، بل ينطلق منها إلى أسئلة أوسع عن الإنسان، ومساره، وقدرته على تحويل ما يكتسبه من خبرة إلى أثر يتجاوز ذاته.
هل النجاح أن تصل وحدك؟
من هذا السؤال يمكن قراءة الفكرة الأساسية للكتاب؛ إذ يعيد النظر في معنى النجاح، فلا يجعله مجرد وصول إلى هدف، وإنما يربطه بما يحدث بعد الوصول: ماذا يفعل الإنسان بما تعلمه؟ وكيف تتحول خبرته إلى منفعة للآخرين؟ وكيف ينتقل النجاح من كونه إنجازًا شخصيًا إلى قيمة يمكن أن تمتد إلى المجتمع والوطن؟
ويصف المشيطي كتابه بأنه «جسر بين النجاح الشخصي والأثر العام» و«دليل عملي لهندسة الحياة»، لكنه منذ مقدمته يعيد ترتيب العلاقة التقليدية بين الكاتب والقارئ؛ فلا يقدم نفسه بوصفه بطل الحكاية، ولا يضع تجربته نموذجًا مطلوبًا نسخه، بل يقول للقارئ: «أنت القصة».
وهنا تكمن إحدى الأفكار اللافتة في الكتاب؛ فالتجربة التي يعرضها المؤلف ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة يدعو القارئ إلى استخدامها في مراجعة تجربته الخاصة، وقياس المسافة التي قطعها نحو رسالته، وإعادة النظر في اتجاهه حين تتعدد المسارات.
لماذا «البشت»؟
من عنوان الكتاب يبدأ سؤال مختلف: لماذا اختار المؤلف «البشت» مدخلًا إلى «هندسة الحياة»؟
لا يتعامل الكتاب مع البشت بوصفه موضوعًا تراثيًا أو حديثًا عن الزي السعودي فحسب، وإنما يحوله إلى استعارة لفكرة أوسع؛ فكما يتكون البشت من تفاصيل متناسقة تمنحه شكله ومكانته، فإن حياة الإنسان – وفق الطرح الذي يقدمه الكتاب – تحتاج إلى وعي بعناصرها، وإلى قدرة على ترتيبها وإيجاد الانسجام بينها.
ومن هنا يتحول «البشت» من رمز حاضر في الذاكرة الاجتماعية إلى مدخل للتأمل في رحلة الإنسان: قدراته، وقيمه، وأهدافه، وتحدياته، والرسالة التي يريد أن يتركها وراءه. ولا يدعو المؤلف القارئ، وفق هذا التصور، إلى البحث عن نفسه في تجربة المشيطي، بل إلى العودة إلى تجربته الخاصة. ففي تقديمه يؤكد أن القارئ هو «بطل القصة» و«صانع أحداثها»، وأن الكتاب يمكن أن يكون رفيقًا في الطريق، ومرجعًا عند التحديات، وبوصلة حين تتعدد الخيارات.
وبذلك لا تبدو «هندسة الحياة» وصفة جاهزة للنجاح بقدر ما تبدو دعوة إلى التوقف والمراجعة؛ إلى أن يسأل الإنسان نفسه: أين أنا؟ إلى أين أتجه؟ وما المسافة التي قطعتها نحو رسالتي؟
من النجاح الشخصي إلى النجاح الوطني
ويتسع مفهوم النجاح في الكتاب ليشمل تمكين الآخرين وصناعة أثر يتجاوز الفرد؛ فالخبرة التي يكتسبها الإنسان، والمعرفة التي يراكمها، والتجارب التي يعيشها، لا يفترض أن تنتهي عنده، بل يمكن أن تتحول إلى أدوات تساعد آخرين على التقدم.
ومن هنا ينتقل السؤال من «كيف أنجح؟» إلى سؤال أكثر اتساعًا: «كيف أنجح وأُنجح غيري؟».
وتتبلور هذه الرؤية في العنوان الموسع للكتاب: «من النجاح الشخصي إلى النجاح الوطني»، بما يربط بين بناء الفرد وبناء المجتمع، وبين ما يحققه الإنسان لنفسه وما يستطيع أن يضيفه إلى وطنه.
وقد أوضح المشيطي أن فكرة الكتاب ارتبطت بسؤال ظل حاضرًا في تجربته: «كيف ننجح ونسهم في نجاح وطننا؟»، مشيرًا إلى أن مبادرة «تطوع بخبرتك» كانت من بين المنطلقات التي أسهمت في بلورة الفكرة، فيما يقدم الكتاب بوصفه باكورة سلسلة «هندسة الحياة» المعنية ببناء الإنسان.
المؤلف.. من الإدارة إلى هندسة التجربة
أما مؤلف الكتاب، المهندس منصور بن هلال المشيطي، فهو نائب وزير البيئة والمياه والزراعة، وحاصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكهربائية من جامعة الملك سعود. وامتدت مسيرته المهنية في مجالات الكهرباء والمياه والبيئة والتخطيط والتطوير، إلى جانب مشاركته في عدد من مجالس الإدارات واللجان، وتدرجه في مواقع مهنية وقيادية قبل توليه منصبه الحالي.
وتمنح هذه الخلفية الكتاب بعدًا آخر؛ إذ تأتي «هندسة الحياة» من تجربة مهنية ارتبطت في جانب منها بالتخطيط والتطوير وإدارة القطاعات، قبل أن تنتقل الفكرة من هندسة الأنظمة والمشروعات إلى محاولة قراءة حياة الإنسان ومساره.
حين يصبح الكتاب نفسه أثرًا
ولا يقف مفهوم «الأثر» في «نظرية البشت» عند الأفكار التي يطرحها الكتاب، بل يمتد إلى ما بعد صفحاته؛ إذ أعلن مؤلفه تخصيص ريع الكتاب وقفًا لجمعية كبار السن الأهلية، وأكدت الجمعية من جانبها مساهمة المشيطي بريع كتابه.
وهنا يلتقي مضمون الكتاب بالفعل؛ فالخبرة تتحول إلى معرفة، والمعرفة تتحول إلى مشاركة، والنجاح الشخصي يجد امتداده في منفعة الآخرين. وبذلك لا يصبح تخصيص الريع تفصيلًا منفصلًا عن فكرة الكتاب، وإنما امتدادًا عمليًا لمفهوم «الأثر» الذي يطرحه. وفي المحصلة، لا يقدم «نظرية البشت» للقارئ قصة نجاح أخرى يقرأها ثم يطوي صفحاتها، بقدر ما يحاول أن يعيد القصة إليه. فالسؤال الذي يتركه الكتاب ليس فقط: كيف نجحت؟ بل: ماذا ستفعل بما تعلمت؟ ومن سيستفيد من خبرتك؟ وماذا سيبقى من رحلتك بعد أن تنتهي؟
ولعل هنا تكمن الفكرة الأبعد في الكتاب: أن قيمة التجربة لا تكتمل بمجرد عيشها، وأن النجاح لا يبلغ معناه الكامل عند لحظة الوصول، وإنما حين يتحول ما تعلمه الإنسان إلى معرفة، وما حققه إلى أثر، وما امتلكه من خبرة إلى منفعة تتجاوز ذاته.