أ.د.صالح معيض الغامدي
تحاول هذه المقالة، التي جاءت بعنوان «السيرة الذاتية القصيرة والسيرة الذاتية القصيرة جدًّا»، أن تطرح إشكالية كبيرة جدًّا تواجه السيرة الذاتية حاليًّا، وهي أن الأشكال التقليدية لكتابة الذات، مثل السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات، لم تعد كافية لاستيعاب الكتابات السيرذاتية المختزلة، أو كتابات الذات الوجيزة الحديثة، وتمثيلها. وقد آن الأوان لإعادة النظر في تسمية هذه النصوص السيرذاتية، وفي دراستها بما يناسب أشكالها الجديدة ومضامينها المختلفة، وعدم التمسك بالمصطلحات والرؤى النقدية القديمة التي من شأنها أن تؤدي إما إلى إهمال الأشكال الحديثة، بحجة أنها لا تلتزم بخصائص السيرة الذاتية التقليدية القارّة، أو، وهو الأسوأ، إلى دراستها قسرًا وفقًا للمعايير والمصطلحات القديمة، فنفقدها، بالتالي، هويتها وأهميتها.
وقد كتبت عن هذا الموضوع عدة مرات، ولفتُّ الانتباه إلى الضيم والتهميش اللذين يعانيهما عدد ليس بالقليل من الكتابات الذاتية الوجيزة السعودية، وبخاصة الكتابات النسائية؛ وذلك لأن النساء السعوديات أكثر ممارسة للتجريب في مجال الكتابات السيرذاتية من الرجال، لأسباب عديدة لا مجال للتوسع فيها هنا.
وسبق لي أن نشرت مقالة بعنوان «السيرة الذاتية النسائية السعودية وسؤال التجريب»، أشرت فيها إلى حقيقة احتكار الرجل الكتابة في هذا الجنس الأدبي مدة طويلة من الزمن، وغياب المرأة غيابًا يوشك أن يكون تامًّا، وكيف استطاعت المرأة السعودية أن تواجه هذه التحديات والضغوط المجتمعية، عندما شرعت بعض الكاتبات السعوديات في بذل جهود جريئة لكتابة السيرة الذاتية، وإعادة تعريف هذا النوع الأدبي من خلال إنتاج بعض النماذج السيرذاتية الجديدة والمختلفة.
ولعلي أشير هنا إلى بعض النماذج السيرذاتية الحديثة التي لا تستجيب للنموذج السيرذاتي التقليدي بسهولة، أو قد لا تستجيب له تمامًا. وقد اعتمدت في إعداد هذا المقال على هذه النماذج بوصفها نصوصًا سيرذاتية أساسية، لا لأنها كل ما هنالك، ولكن طلبًا للاختصار، واعتمادًا على معرفتي الجيدة نسبيًّا بها، وهي:
1- «متطايرة حواسي: شذرات سيرية»، لهدى الدغفق، 2017م.
2- «أنشر قلبي على حبل الغسيل»، للدغفق أيضًا، 2019م.
3- «روزنامة: أيام نتداولها»، لصباح أبو عزة وأخريات، 2014م.
4- «ومضات سيرية: سرد سيرذاتي لكاتبات سعوديات»، جمع وإعداد الدكتورة نوال السويلم، 2023م.
فالكتاب الأول، «متطايرة حواسي»، يحتوي على عدة نصوص سيرذاتية معنونة واسترجاعية، تُسرد بضمير المتكلم. وتركز الكاتبة في كل نص على سرد ملمح من ملامح حياتها، أو تجربة حياتية محددة، أو علاقتها بأشيائها… إلى آخره. ويتراوح طول هذه النصوص بين صفحتين وخمس صفحات، ويؤكد طبيعتها السيرذاتية العنوان الفرعي للكتاب: «شذرات سيرية».
أما الكتاب الثاني، «أنشر قلبي على حبل الغسيل»، فيضم نصوصًا سيرذاتية قصيرة جدًّا، غير معنونة، تُسرد بضمير المتكلم. وهي أشبه بالتوقيعات القصيرة التي تميل إلى الغموض النسبي، ويكون استرجاعها للماضي أحيانًا ضمنيًّا لا صريحًا. وقد خُصصت صفحة لكل نص، مهما كان قصره، من سطرين إلى عدة أسطر. وقد استهلته الكاتبة بهذا النص:
«أفتش عن جزيرة نائبة في اللوحات التي اقتنيتها منذ عقدين ورافقتني، وأستعين بشياطين نثري اللوحات الحائطية لاصطاد فكرة مراوغة أو صورة شعرية من مشهد طارئ، ولكنها مسألة مستحيلة لي، فالبطولة التي تتحقق دون معركة لا تحدث أثرًا في هذا العالم المنقلب على نواياي».
ويعقبه النص التالي:
«أغوص في دواخلي لأستل الأزمات التي تقطنني، فهي كالمرض المزمن تشعرني بالعجز».
أما الكتاب الثالث، «روزنامة: أيام نتداولها»، فهو كتاب جماعي سردت فيه سبع كاتبات سعوديات يومًا من أيام الأسبوع في حياتهن؛ فاختارت نجلاء مطري يوم السبت، وحليمة مظفر يوم الأحد، وسهام القحطاني يوم الاثنين، وفاطمة إلياس يوم الثلاثاء، وزينب غاصب يوم الأربعاء، ولمياء باعشن يوم الخميس، وصباح أبو عزة يوم الجمعة.
وقد ورد في مقدمة الكتاب، المعنونة بـ«بدء»، التي كتبتها الناشرة صباح أبو عزة، وهي إحدى المشاركات فيه، بيان سبب تأليفه على النحو التالي: «سبع كاتبات صديقات أردن أن يبحن بجزء من تاريخهن في سجل واحد، ولأن اليوم أقصر وحدات الزمن المتكاملة من حيث دورتها، فقد اختارت كل واحدة منهن يومًا في حياتها لتشارك صديقاتها والقراء تجربة ذلك اليوم».
أما فيما يتعلق بعلاقة الكاتبات بيومهن، فهي «علاقة ذات ثلاثية إشكالية مقلقة، تنوعت واختلفت، فلكل واحدة منهن منظورها ورؤيتها تجاه زمنها الخاص، فمنهن من كانت علاقتها به علاقة فاجعة، ومنهن علاقة مصالحة، والبعض الآخر كانت علاقتها بزمنها علاقة تفاعلية».
وقد جاءت هذه الكتابة الذاتية البوحية، ذات الأبعاد الاسترجاعية، المسرودة بضمير المتكلم، عدا حالة واحدة رُويت بضمير الغائب، متفاوتة في الطول والأسلوب؛ فأقصرها جاء في ثلاث صفحات، وأطولها في خمس صفحات. وجاءت كتابة حرة منفتحة، تتحرك بين الماضي والحاضر، وبين سرد الأحداث وتأملها، وبين الطفولة والشباب، وبين الشعر والنثر، إبداعًا أو تناصًّا، وتتناول كذلك تاريخ علاقة هؤلاء الكاتبات بعضهن ببعض.
أما الأسلوب، فقد عكس خلفية تكوين كل كاتبة وطبيعة تجربتها. وقد لخّصت نجلاء مطري هذه التجارب بقولها: «أيامنا تشبه موسيقى الكمان التي تتعايش مع انفعالاتنا وتقلبات مشاعرنا… ونحن من بإمكانه إجادة العزف على أوتارها، كارهين مضطرين، أو راضين متقبلين».
أما الكتاب الرابع، «ومضات سيرية: سرد سيرذاتي لكاتبات سعوديات»، فهو كتاب من جمع وإعداد الدكتورة نوال السويلم، التي استكتبت فيه 27 كاتبة سعودية للكتابة عن ذواتهن وتجاربهن الحياتية، أو جوانب منها، دون أن تحدد لهن معايير واضحة يسرن عليها، باستثناء، ربما، أن تكون الكتابة سيرذاتية، وأن يكنّ فيها، بوضوح، بطلات سرودهن؛ لكي يتأكد العقد السيرذاتي بينهن وبين القراء.
وقد جاءت هذه النصوص السيرذاتية متفاوتة في الطول والمضمون؛ فأقصر نص جاء في صفحتين، وأطول نص جاء في عشرين صفحة، بينما تراوحت بقية النصوص، في الغالب، بين أربع صفحات وعشر صفحات.
وجاءت ثيمات النصوص مختلفة؛ فبعض الكاتبات كتبن نصوصًا حرصن فيها على أن تكون شاملة لحياتهن منذ الطفولة حتى وقت الكتابة، ربما، من خلال تتبع بُعد واحد من أبعاد الحياة. واكتفت أخريات بالكتابة عن تجارب حياتية محددة، مثل الطفولة، والفقد، والحياة الدراسية، وتجربة الإبداع الأدبي، والعلاقة بالوالدين، وتجارب المشاركات الثقافية، وتجربة الحمل والولادة، وتجربة الدراسات العليا، والتقاعد، والتخصص العلمي، وغيرها.
وقد وصفت الدكتورة نوال السويلم هذه النصوص في مقدمة كتابها بعدة مصطلحات، منها: نصوص قصيرة، وبورتريه، وشذرات، وعرّفتها بأنها «سرد استعادي قصير حول مرحلة من مراحل الحياة أو تجربة حياتية معينة…».
ويُلاحظ على الكاتبات اللواتي رُمن الشمولية استعمال عبارات من قبيل «بعد سنوات» و«مضت الأعوام»… إلخ، للقفز على الزمن أو تسريعه. واختلفت هذه النصوص في درجة إنشائيتها ووضوحها وبوحها، وفي تحديد المكان والزمان، وغير ذلك من السمات التي أرجو أن أتمكن من الكتابة عنها بتوسع قريبًا، إن شاء الله.
لكن الشيء الذي يجمعها كلها، مع النصوص التي سبق أن أشرت إليها في كتاب «روزنامة»، أنها لا تنتمي تمامًا إلى أيٍّ من التصنيفات السيرذاتية القارّة، مثل السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات؛ ولذلك فهي تبحث عن موقع لها في خريطة الأجناس الأدبية الذاتية السعودية. وقد اقترحت هنا جنسَي «السيرة الذاتية القصيرة» و«السيرة الذاتية القصيرة جدًّا»؛ لاعتقادي أنهما يجمعان كثيرًا من هذه النصوص السيرذاتية الوجيزة في أدبنا السعودي.
وبالطبع، هناك خيارات أخرى ومسميات أجناسية يمكن اقتراحها، لكنها، من وجهة نظري، ليست بوضوح هذين الجنسين اللذين استعرنا مصطلحيهما وبعض سماتهما من حقلَي القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًّا.
وبناءً على ذلك، نقترح أن تكون أشكال كتابة السيرة الذاتية لدينا على النحو التالي:
1- السيرة الذاتية.
2- المذكرات.
3- اليوميات.
4- السيرة الذاتية القصيرة:
وهي «نص سردي استعادي يركز على سرد بُعد واحد أو ثيمة واحدة في حياة كاتبه، ويكون مقصودًا، وصريح العقد السيرذاتي، ويُكتب بضمير المتكلم، ويكون الكاتب والراوي والبطل فيه شخصية واحدة». ومن أمثلتنا على هذا النوع النصوص الواردة في كتب «روزنامة: أيام نتداولها»، و«متطايرة حواسي: شذرات سيرية»، و«ومضات سيرية: سرد سيرذاتي لكاتبات سعوديات».
5- السيرة الذاتية القصيرة جدًّا:
وهي «نص سردي ذاتي قصير جدًّا، يقع في أقل من صفحة، وغالبًا في أسطر قليلة، ويكون مقصودًا، وصريح العقد السيرذاتي، واسترجاعيًّا، حتى لو كان ذلك بطريقة غير مباشرة، وغامضًا نسبيًّا، ومكثفًا لغويًّا». ويمكن التمثيل لها ببعض النصوص التي اطلعت عليها في كتاب «أنشر قلبي على حبل الغسيل».
وفي نهاية هذا المقال، أود أن أؤكد أنني لم أقم بمسح شامل لكل النصوص السيرذاتية الوجيزة السعودية، بما في ذلك ما يُنشر منها في وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما اكتفيت في هذه المرحلة بما توفر لدي من نصوص اطلعت عليها، مدركًا أهمية القيام بمثل هذا المسح والاستقصاء.
كما أنني، وإن كنت مطمئنًّا نسبيًّا إلى نجاعة «السيرة الذاتية القصيرة» مصطلحًا ونوعًا سيرذاتيًّا قائمًا بذاته، فإنني ما زلت أبحث عن مزيد من النصوص السيرذاتية القصيرة جدًّا، التي تجعلني أطمئن إلى نجاعة هذا المصطلح في تمثيل هذا النوع الوجيز جدًّا من كتابة الذات لدينا.
ملحوظة: أبقيت العبارات الملتبسة داخل الاقتباسات دون تخمين؛ وتحتاج «جزيرة نائبة»، و«بشياطين نثري اللوحات الحائطية»، و«علاقة ذات ثلاثية إشكالية مقلقة» إلى مراجعة أصولها. وحذفت العبارة غير المكتملة «4 أسطر وك كلمة».