الرياض - واس:
في اليوم العالمي للقهوة، احتفى العالم بأحد أكثر المحاصيل حضورًا في حياة الشعوب وثقافاتها، وفي المملكة يحمل هذا اليوم معنى مختلفًا؛ فالقهوة هنا ليست مجرد مشروب، بل إرثٌ متجذر في الثقافة السعودية، وحكاية تمتد من الأرض والمزارع إلى المجالس والضيافة والهوية الوطنية.
وتمتد المدرجات الزراعية على سفوح جازان وعسير والباحة، لم تكن شجرة البُن يومًا مجرد محصول زراعي، بل جزءًا من علاقة ممتدة بين الإنسان والأرض، ومن إرث تناقلته الأجيال حتى أصبح البُن السعودي اليوم أحد المكونات الأصيلة للهوية الثقافية والزراعية للمملكة.
ومع ما يشهده القطاع من تطور، أصبحت قصة البُن السعودي قصة وطن يستثمر في أرضه وإنسانه وإرثه، ويعمل على تحويل ما تمتلكه مناطق زراعة البُن من مقومات طبيعية وثقافية إلى فرص تنموية واقتصادية مستدامة.
وتوارث المزارعون معرفة زراعة البُن والعناية به وحصاده جيلًا بعد جيل. معرفة تشكلت عبر سنوات طويلة من التجربة، وأصبحت جزءًا من ذاكرة المكان وثقافته.
ولهذا، فإن تنمية قطاع البُن لا تعني زيادة أعداد الأشجار أو حجم الإنتاج فقط، بل تعني الاستثمار في الإنسان الذي يقف خلف هذه الشجرة؛ من خلال تطوير قدرات المزارعين، ونقل المعرفة، وتحسين الممارسات الزراعية، وخلق فرص اقتصادية تسهم في استدامة المجتمعات المحلية.
ومن هنا تتجاوز قيمة البُن حدود المحصول نفسه، لتصبح زراعته وسيلة للمحافظة على الأرض، ودعم المزارعين، وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بمناطقهم وإرثهم الزراعي.
ومن هذا الإرث انطلقت الشركة السعودية للقهوة، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، للعمل على تطوير قطاع القهوة في المملكة وبناء منظومة متكاملة تمتد من المزرعة وحتى وصول المنتج إلى المستهلك.
وتعمل الشركة على تطوير المزارع النموذجية، ودعم المزارعين ورفع قدراتهم، وتطوير عمليات المعالجة والإنتاج، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية والمعرفة والابتكار؛ بهدف تعزيز جودة البُن السعودي ورفع قدرته التنافسية.
وفي مناطق زراعة البُن، يتجسد هذا الدور في مبادرات ومشروعات تستهدف إحداث أثر يتجاوز الإنتاج، ليشمل نقل المعرفة، وتطوير المهارات، ورفع كفاءة الممارسات الزراعية، وخلق فرص جديدة ضمن سلسلة القيمة.
كما يمثل الاستثمار في المزارع النموذجية ومراكز المعالجة والتدريب خطوة نحو بناء قطاع أكثر تكاملًا، يستطيع المحافظة على أصالة المنتج وفي الوقت ذاته مواكبة المعايير الحديثة في الزراعة والمعالجة والجودة.
وما يميز البُن السعودي أن قصته لا تبدأ عند تقديم الفنجان، بل قبل ذلك بسنوات، تبدأ من شتلة صغيرة في مدرج جبلي، ومن مزارع يعرف أرضه، ومن موسم إزهار وحصاد يحمل معه عادات وممارسات توارثها أبناء المنطقة.
ثم تبدأ رحلة أخرى؛ المعالجة والتحميص والتقديم، وصولًا إلى المستهلك الذي لا يتذوق محصولًا فحسب، وإنما يتعرف من خلاله على مكان وثقافة وقصة.
وهنا تكمن إحدى أهم الفرص أمام البُن السعودي: أن يصل إلى الأسواق المحلية والعالمية بهويته وقصته، وأن تصبح مناطق إنتاجه معروفة ليس فقط بجمال جبالها، بل بجودة محصولها وبالمجتمعات التي حافظت عليه على مدى أجيال. تطوير قطاع البُن السعودي لا يعني إعادة صياغة هويته، بل المحافظة على جذوره ومنحه الأدوات التي تساعده على النمو.
فبين المعرفة المتوارثة لدى المزارعين والتقنيات الحديثة، وبين المدرجات الزراعية القديمة والاستثمارات الجديدة، تتشكل اليوم مرحلة مختلفة في مسيرة البُن السعودي؛ مرحلة تجمع بين الإرث والتنمية، وبين الثقافة والاقتصاد.