«الجزيرة» - أحمد الأسمري:
وضع الخطاب الملكي السنوي في مجلس الشورى، الأربعاء الماضي، «حلف مكة الدفاعي» بين المملكة وتركيا وباكستان في سياق الجهود السعودية لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، كما أبرز مبادرة المملكة بإنشاء «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات» لحماية المصالح المشتركة في الممرات البحرية الدولية.
هذا المسار لا يبدأ من الرياض ومكة عام 2026، بل يمتد إلى تاريخ طويل تعددت فيه صيغ الالتزام واتسعت دوائر الشراكة؛ من معاهدات الجوار، إلى الدفاع العربي والخليجي، ثم إلى شراكات وتحالفات عسكرية تتجاوز الإقليم، وصولاً إلى أطر ردع تقودها المملكة أو تشارك في بنائها.
البدايات العربية
في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز، وبعد سنوات قليلة من إعلان توحيد المملكة، ظهرت واحدة من أقدم المعاهدات السعودية ذات البعد الدفاعي. ففي 2 أبريل 1936 وقعت السعودية والعراق في بغداد «معاهدة الأخوة والتحالف العربي»، في مرحلة كانت فيها المملكة ترسخ حدودها وعلاقاتها الإقليمية وتبني شبكة من الروابط السياسية والأمنية مع جوارها العربي. وتشير وثائق تلك المرحلة إلى أن المعاهدة قامت على التعاون والتشاور في مواجهة الأخطار، وشكلت محطة مبكرة في انتقال العلاقات السعودية مع دول الجوار إلى أطر تعاقدية منظمة.
وبعد قيام جامعة الدول العربية، كانت المملكة من الدول الموقعة على «معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي» يوم 17 يونيو 1950 في الإسكندرية، والتي نصت على أن العدوان المسلح على دولة أو أكثر من الدول المتعاقدة يعد اعتداءً عليها جميعاً، وأقامت آليات للتعاون العسكري، من بينها لجنة عسكرية دائمة ومجلس للدفاع المشترك.
ولم تقتصر الرياض على الإطار العربي الجماعي؛ ففي 27 أكتوبر 1955 وقعت السعودية ومصر اتفاقية للدفاع المشترك، ثم شهدت جدة في رمضان 1375هـ - أبريل 1956 لقاء الملك سعود بن عبدالعزيز والرئيس جمال عبدالناصر والإمام أحمد بن يحيى، الذي انتهى باتفاق عسكري جمع السعودية ومصر واليمن. وجاءت تلك التحركات وسط ازدحام المنطقة بالأحلاف والصراع العربي - الإسرائيلي ومناهضة الاستعمار.
الشراكات الأوسع
على صعيد آخر، أخذت المملكة تبني قدراتها الدفاعية من خلال التعاون مع شركاء دوليين. ففي 18 يونيو 1951 أبرمت مع الولايات المتحدة اتفاقاً للمساعدة الدفاعية، بالتزامن مع ترتيبات تتعلق بقاعدة الظهران الجوية، وأسهم ذلك في توسيع التدريب والمشورة والتعاون العسكري بين البلدين.
وهنا ينبغي التفريق بين أشكال التعاون: اتفاق المساعدة الدفاعية ليس بالضرورة معاهدة دفاع مشترك، وصفقات التسليح وبرامج التدريب لا تعني تلقائياً التزام أحد الطرفين بخوض الحرب دفاعاً عن الآخر. وهذه الفروق ستظل حاضرة في تطور شبكة العلاقات العسكرية السعودية طوال العقود التالية.
كما تعمقت العلاقات الدفاعية مع باكستان منذ ستينيات القرن الماضي، وشملت التدريب والتأهيل والمشورة العسكرية، لتصبح العلاقة الأمنية بين الرياض وإسلام آباد واحدة من أكثر الشراكات الدفاعية السعودية استمرارية.
المنظومة الخليجية
تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 نقل الأمن السعودي إلى دائرة أكثر تماسكاً من الناحية الجغرافية والسياسية، وفي السنوات الأولى للمجلس تشكلت «قوة درع الجزيرة»، ثم توج العمل العسكري الخليجي بإقرار «اتفاقية الدفاع المشترك» عام 2000، القائمة على مفهوم الأمن الجماعي للدول الست.
وتطورت البنية العسكرية الخليجية لاحقاً إلى إنشاء القيادة العسكرية الموحدة، لتتولى التخطيط وإدارة العمليات العسكرية المشتركة ومساندة القدرات الدفاعية للدول الأعضاء، واستمرت خطوات تعزيز آليات التكامل والتنسيق بين القوات المسلحة الخليجية.
اختبار الكويت
بين بدايات «درع الجزيرة» واتفاقية الدفاع الخليجي، واجهت المنطقة اختباراً غيّر كثيراً من تصورات الأمن والتحالف.
ففي 27 مارس 1989، وخلال زيارة الملك فهد بن عبدالعزيز إلى بغداد، وقعت السعودية والعراق اتفاقاً لعدم استخدام القوة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وبعد نحو 16 شهراً فقط اجتاح العراق الكويت في 2 أغسطس 1990، وتحولت القوات العراقية إلى تهديد مباشر للأمن الخليجي والحدود السعودية.
وفي مواجهة الخطر، أضحت المملكة مركز الثقل لتحالف دولي واسع لتحرير الكويت، واستضافت على أراضيها حشود القوات المشتركة والمتحالفة، وأصبح من دروس تلك المرحلة أن أمن البلاد يتطلب أكثر من عنصر: قوة وطنية، ومحيطاً خليجياً متماسكاً، وشراكات عسكرية موثوقة، وقدرة على بناء تحالف أوسع متى فرضت التهديدات ذلك.
المبادرة العملية
في 2015 ظهرت مرحلة مختلفة في السياسة العسكرية السعودية. فبعد سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء وتقدمها في اليمن، وبناءً على طلب الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، انطلقت فجر 26 مارس عملية «عاصفة الحزم» بقيادة المملكة ومشاركة دول عربية، ثم انتقلت العمليات لاحقاً إلى مرحلة «إعادة الأمل». ومثل ذلك انتقالاً من المشاركة في التحالفات إلى القدرة على إنشائها وقيادتها وإدارة عمليات عسكرية متعددة الأطراف في محيط المملكة المباشر.
وفي ديسمبر من العام نفسه، أعلنت الرياض تشكيل «التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب»، واتخذ من العاصمة السعودية مقراً له، ليقدم نموذجاً مختلفاً عن معاهدات الدفاع المشترك؛ إذ أنشئ لمواجهة تهديد محدد هو الإرهاب وتنسيق جهود الدول المشاركة في محاربته عسكرياً وفكرياً وإعلامياً، ومكافحة تمويله.
اتفاقات متقدمة
شهد عام 2025 نقلة مهمة أخرى. ففي 17 سبتمبر وقعت المملكة وباكستان «اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك»، ونصت على أن أي اعتداء على أحد البلدين يعد اعتداءً على كليهما، وعلى تطوير التعاون الدفاعي وتعزيز الردع المشترك.
وبعد شهرين، وقعت المملكة والولايات المتحدة في واشنطن «اتفاقية الدفاع الإستراتيجية» خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في خطوة وسعت الإطار المؤسسي لشراكة عسكرية تعود جذورها إلى ترتيبات دفاعية بدأت قبل أكثر من 7 عقود. وفي الزيارة نفسها أعلنت واشنطن تصنيف المملكة «حليفاً رئيسياً من خارج حلف الناتو».
الرياض - مكة
ومع صيف 2026 اتسعت الدائرة مجدداً، على خطين متقاربين زمنياً ومختلفين في نطاقهما.
في 30 يوليو استضافت وزارة الدفاع في الرياض اجتماعاً دولياً لرؤساء هيئات الأركان وممثلي الدول الشقيقة والصديقة ومندوبية الاتحاد الأوروبي، لمناقشة المبادرة السعودية لإنشاء «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات»، بمشاركة ممثلين من 43 دولة إلى جانب المندوبية الأوروبية. وفي اليوم نفسه صدر البيان المشترك للدول المؤسسة بشأن إنشاء التحالف.
ويركز التحالف على تعزيز الأمن البحري وحماية حرية الملاحة والممرات الدولية وسلاسل الإمداد في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن. وبعد أيام أعلنت وزارة الدفاع تعيين اللواء البحري الركن عبدالله بن سالم الشهري قائداً للتحالف، ضمن استكمال ترتيباته التأسيسية وبناء هيكله القيادي ورفع جاهزيته العملياتية.
وفي 7 أغسطس جاءت خطوة دفاعية أخرى بتوقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك». وتنص الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يعد هجوماً على الجميع، وتهدف إلى تعزيز الردع المشترك وتطوير أوجه التعاون الدفاعي.
ولم تبق الاتفاقية عند مستوى النص السياسي. ففي 31 أغسطس اجتمع وزراء الخارجية والدفاع وكبار القادة العسكريين للدول الثلاث في إسطنبول ضمن اللجنة السياسية والدفاعية الإستراتيجية، واتفقوا على إنشاء أمانة عامة في المملكة لـ»حلف مكة الدفاعي». وبعد أقل من شهر التقى قادة الجيوش الثلاثة في الرياض، في خطوة نقلت الاتفاقية سريعاً إلى بناء آليات عملية.
90 عاماً
من معاهدة الأخوة عام 1936 إلى حلف مكة عام 2026 يمتد نحو 90 عاماً من الاتفاقيات والشراكات والترتيبات العسكرية السعودية. تغيرت طبيعة التهديدات وتبدلت موازين القوى، وتطورت معها أدوات السياسة الدفاعية.
وفي هذا التاريخ، تتجلى قصة تطور مفهوم الأمن السعودي نفسه؛ من حماية حدود الدولة الفتية، إلى بناء شبكة من الشراكات والقدرات لم تستبدل دائرة بأخرى، في سياسة تجعل القوة وسيلة لحماية الاستقرار ومنع التهديد قبل أن يتحول إلى عمل عسكري.