عبدالوهاب الفايز
ماذا عسانا نجد الذي تغير بعد هذه السنوات الطويلة؟
هذا الذي تبادر إلى الذهن أثناء جمع مقالاتي القديمة، حيث وجدت مقالات كتبتها عن إشكالية الفهم لمسألة (الوعي الاجتماعي) قبل 25 عاماً. حينئذٍ كانت الناس ترى أن الحلول للظواهر والسلوكيات الاجتماعية المزعجة -وأبرزها السلوكيات المرورية المضروبة- تتحقق إذا: (صار عند الناس وعي!).
الآن وبعد مرور جيل، يبدو لم تتطور منهجيات التفكير العلمية كليا، فبعضنا ما زال على قناعاته الببغاوية القديمة يردد: (المشكلة ياخي مااااا فيه وعي!)، وكأن الوعي يأتي بنفسه يمشي الهوينا! ولكن، أن نفرح ببصيص شمعة خير من لوم الظلام.. فهناك بعض التحسن في ضبط سلوكيات القيادة العنيفة، وأمامنا رحلة طويلة حتى تكتمل جميع العوامل الضرورية للتطور النوعي الذي نتطلع إليه.
ما يسعد أن برامج الرؤية أحدثت تحولات اجتماعية نوعية في مجال آخر بعد تفعيل قاعدة أن (الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). فهناك قصة نجاح في تطبيق الأنظمة واستعادة الوعي في أمور البيئة. الآن (المخالف) للأنظمة هو المعزول والمعاقب، بعد أن كان (المواطن الصالح) المُحب للبيئة والملتزم بحمايتها وتنميتها مُعاقب ومُفارق للجماعة!
في عام 1972 أُعلن أن المها العربي منقرض في البرية على مستوى الجزيرة العربية، وبدا أن هذا الكائن الذي ظل قرونًا جزءًا من ذاكرة سكان الصحراء العربية قد انتقل إلى مستودع الحكايات الاجتماعية المؤلمة. لكن القصة لم تنتهِ هناك. فقد أعادت برامج الإكثار والحماية والتوطين المها إلى موائله، وفي عام 2011 استطاع الاتحاد الدولي لصون الطبيعة رفع تصنيفه من (مهدد بالانقراض) إلى (معرّض للخطر).
وفي المملكة لم تعد هذه الجهود حالات متفرقة للاحتفاء بكائن عاد إلى الصحراء، بل تحولت إلى منظومة مؤسسية واسعة. فـ(المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية) أعلن أن عدد الكائنات التي أُعيد توطينها تجاوز 10,000 كائن، تمثل أكثر من ثمانين نوعًا، وفي أكثر من ستين موقعًا بيئيًا، كما ارتفعت تغطية المناطق المحمية إلى 18.3 في المئة من المساحات البرية و16.2 في المئة من المساحات البحرية.
هذه الأرقام مهمة، لكن الأهم في تقديري هو: (القصة الاجتماعية والسياسية) التي تقف خلفها. فما حدث في الحياة الفطرية (يقدم لنا نموذجًا) يستحق أن نتأمله لفهم كيف تتغير المجتمعات، وكيف تستطيع السياسة العامة الجيدة أن تستعيد وعيًا مغيبا، وتحوّله من شعور فردي صامت إلى قوة جماعية قادرة على حماية المصالح العامة.
ويفسّر هذا ما وصفته عالمة السياسة الألمانية إليزابيث نويل نويمان بنظرية (دوامة الصمت). فالأكثرية التي تستنكر الصيد الجائر أو الاحتطاب المدمر صمتت لأنها تظن أنها وحدها، لأن المخالف كان صاحب الصوت الأعلى والقدح المعلى والحضور الأبرز. فلما جاء النظام ورفض هذا السلوك انكسرت دوامة الصمت واكتشف الصامتون أنهم الأغلبية.
الوعي أصل اجتماعي مهم لاستقرار الحياة وديمومة التعايش بين الناس. وتبني الدولة لمبدأ (المسؤولية الجماعية) كأداة للضبط الأمني ولهيبة الحكم، هو الذي يؤسس الأرضية للوعي. المجتمعات تفقد الأمان حين تنتشر فيها الممارسات الخاطئة التي لا تجد من يردعها؛ وقد يبقى الوعي كامنًا تحجبه المصالح والعادات وضعف التنظيم والشعور السلبي بأن الفرد لا يستطيع تغيير شيء بمفرده.
الإنسان بطبعه قد يعرف السلوك الخاطئ، وربما يستنكره، ولكنه حينما يرى الآخرين يمارسونه يتكيف معه أو يصمت عنه، أو قد: يتحالف معه، وهذا الأخطر!
وهذا تقريبًا ما حدث لسنوات طويلة مع الصيد الجائر والاحتطاب والإضرار بالموائل الطبيعية. لم يكن المجتمع السعودي يجهل أن الغزلان والحبارى والمها تتراجع. ومن عاش في البادية أو جاورها أطربه أحاديث كبار السن عن قطعان كانت تُرى ثم اختفت، ورياض كانت عامرة بالحياة ثم أقفرت. كان (الوعي بالمشكلة موجودًا)، لكنه لم يكن قادرًا وحده على إنتاج الحل. الناس تعرف مشاكلها، ولكنها لا تعرف كيف تضع الحلول.
وهنا تظهر الوظيفة المهمة للدولة والسياسة العامة. فالفرد الذي يمتنع وحده عن استنزاف مورد مشترك للناس لا يستطيع حماية هذا المورد إذا واصل الآخرون استنزافه. فالنوايا الحسنة وحدها لا تكفي، بل لا بد من قواعد واضحة، ومراقبة موثوقة، وترتيبات تجعل الفرد مطمئنًا إلى أن التزامه لن يتحول إلى خسارة يستفيد منها المخالف.
ومن هنا ربما نستطيع فهم ما صنعته منظومة الحياة الفطرية بصورة أعمق. فقد جاءت بقواعد واضحة، تحدد الجائز والمرفوض مع تطبيق أكثر صرامة، وأجهزة مختصة، ومحميات، وتنظيم للصيد، وتراخيص، ورقابة ميدانية. لم تكن النتيجة فقط ضبط مخالفات؛ بل حدث شيء اجتماعي أهم: بدأ (المواطن الصالح الملتزم) يطمئن إلى أن الآخرين مطالبون بالالتزام مثله.
المعروف أن القانون لا يعمل بالعقوبة وحدها. له وظيفة أخرى شديدة الأهمية؛ تطبيقه الواضح المعلن يجعل الناس تعرف المقبول والمرفوض. حين كانت المخالفات منتشرة، ربما شعر المواطن الذي يرفض الصيد الجائر أو الاحتطاب بأنه يقف وحده أمام سلوك مألوف. لكن عندما وضعت الدولة الأنظمة وطبقتها بوضوح، اكتشف كثيرون أن موقفهم ليس موقفًا فرديًا معزولًا، بل هو جزء من وعي اجتماعي أوسع.
وهنا يحدث التحول الحقيقي ويتم مكافأة المواطن الصالح، لا عقابه: المخالف هو الذي يصبح معزولًا بعد أن كان الملتزم يشعر بالعزلة. وهذه لحظة بالغة الأهمية في تطور السلوك الاجتماعي. فالوعي ينتقل فيها من حالة الكمون إلى حالة العلن، ومن شعور فردي إلى معيار جماعي. وبمرور الوقت لا يعود الإنسان يمتنع عن السلوك الضار لمجرد خوفه من العقوبة، بل لأن المجتمع نفسه يرفض ذلك السلوك.
وهذا يفسر أيضًا لماذا لا ينبغي النظر إلى التشريع والوعي باعتبارهما متعارضين، أي لماذا نضع الأنظمة حين لا يوجد وعي؛ فالسياسات العامة الناجحة (لا تنتظر الوعي حتى ينضج من تلقاء نفسه)، ولا تستطيع في الوقت نفسه صناعة وعيًا مستدامًا عبر العقوبة وحدها. إنها تستدعي (الوعي الكامن)، وتمنحه القاعدة القانونية التي يحتاجها كي يتحول إلى فعل.
ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم القيمة الاقتصادية والسياسية لهذا التحول. فكلما أصبح المجتمع شريكًا في حماية القاعدة القانونية انخفضت تكلفة إنفاذها، حيث تقل الحاجة إلى الرقابة المستمرة، وتقل تكاليف الصيانة والتشغيل، وتزداد استدامة المورد الذي يحميه وجود المواطن الصالح. وهذا يوجد الأمر المهم: يقلل الاحتكاك بين الجهة المنظمة والجمهور؛ لأن النظام لم يعد يُرى باعتباره قيدًا تفرضه الدولة، بل حمايةً لقيمة يؤمن بها الناس. هذا يحمي الدولة من استنزاف رصيدها السياسي.
ولعل هذا يقود إلى تبني معيار وطني مهم لنجاح صنع السياسات العامة: أفضل الأنظمة ليست هي الأكثر قدرة على إنتاج المخالفات والغرامات، وإنما تلك التي تنجح بمرور الزمن في خفض الحاجة إلى العقوبة؛ لأن القاعدة انتقلت من نص النظام إلى ضمير المجتمع ووعيه. أي تعزيز الرصيد السياسي للدولة.
وليس هذا المعنى غريبًا عن ثقافتنا. فقد عرف المجتمع العربي منذ قرون مفهوم (الحمى) الذي يضع حدودًا لاستخدام المراعي والموارد ويحميها من الاستنزاف. ولهذا فإن كثيرًا من التنظيمات البيئية الحديثة في منظومة البيئة السعودية لا تنشئ قيمة غريبة عن المجتمع، بل تعيد صياغة معنى قديم في إطار مؤسسي حديث. حماية البيئة في جوهرها ليست فقط إدارة للحيوان والنبات والأرض، بل إدارة لعلاقة الإنسان بها. وهنا إثراء للرصيد السياسي للدولة.
لكن أهمية تجربة الحياة الفطرية لا ينبغي أن تكون تجربتنا الناجحة الوحيدة. لدينا ميدان السلامة المرورية والذي تحقق فيه المملكة إنجازًا ملحوظا، ولكن هو بحاجة إلى المرحلة الحاسمة لصناعة الوعي: التوسع في التطبيق الصارم للأنظمة.
فالتقرير السنوي للجنة الوزارية للسلامة المرورية لعام 2025 سجل انخفاضًا تاريخيًا تجاوز 60 في المئة في وفيات حوادث الطرق بين عامي 2016 و2025. وقد أسهم في ذلك تطوير الأنظمة، والتوسع في استخدام التقنية، وتحسين البنية التحتية والاستجابة للحوادث، والعمل المتكامل بين الجهات. هذه نتيجة وطنية كبيرة؛ لأنها تعني آلاف الأرواح التي حُفظت وآلاف الأسر التي جُنبت المآسي.
لكن أرقام التقرير نفسها تخبرنا أين تبدأ المرحلة التالية. فقد جاء عدم ترك المسافة الآمنة مسؤولًا عن 29.2 في المئة من الحوادث، والانحراف المفاجئ عن 27.9 في المئة؛ أي إن السلوكين وحدهما يمثلان أكثر من نصف مسببات الحوادث المسجلة. وإذا لم ندخل نظام الكميرات في السيارات، هنا تصل التقنية المطبقة إلى حدودها، ويبدأ دور الوعي.
فليس كل سلوك في الطريق نستطيع أن نلاحقه، ولا يمكن أن يكون خلف كل مركبة رجل مرور. تستطيع الأنظمة أن تفرض السرعة، وأن ترصد الإشارة، وأن تعاقب المخالف، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع (الأدب والذوق والإحسان والخوف من الله في الطريق).
وهذا هو التحدي الذي ينبغي أن ننتقل إليه: من السلامة المرورية بمعناها النظامي إلى ثقافة الطريق بمعناها الديني والاجتماعي. ولهذا حديث مستقل.