أ.د.صالح معيض الغامدي
نالت سيرة أسامة بن منقذ «الاعتبار» اهتمامًا واسعًا من قبل الدارسين العرب والغربيين لأسباب عديدة، لعل من أهمها أنه يحكي ضروبًا من أوجه التلاقي بين العرب والمسلمين من جانب والصليبيين من جانب آخر. وقد اختلف الدارسون في تحديد موقف أسامة بن منقذ الدقيق من هذا التلاقي بين الطرفين. وأغلب هذا الخلاف نتج، فيما أعتقد، من تفسير الأحداث والمواقف التي يسردها أسامة في سيرته وتأويلها أكثر منه من مواقف ثابتة وواضحة وصريحة تبناها أسامة في سيرته!
وما زالت سيرة أسامة بن منقذ الذاتية هذه تثير الكثير من النقاش والجدل بين الدارسين في العالم العربي والغربي، حول كثير من القضايا، لعل من أهمها الدور السياسي والفروسي الذي لعبه في حياته، والصورة التي رسمها للإفرنج، وغيرها من قضايا وأحداث عصره ودوره فيها وتأملاته حولها.
ويظل عنوان سيرة أسامة بن منقذ الذاتية «الاعتبار» من أجمل عناوين السير الذاتية التي اطلعت عليها وأثراها. ومن الواضح أن هذا المصطلح هو مصطلح قرآني في أصله لفظًا ودلالة، وقد تصعب ترجمته إلى الإنجليزية بكلمة واحدة. وقد تكررت هذه الدلالة في كتاب الله تعالى في مواضع متعددة:
(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ. مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى. وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) يوسف 111.
(قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا. فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى. كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ. وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ) آل عمران 13.
(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً. نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ) النحل 66.
(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً. نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) المؤمنون 21.
(يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ) النور44.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) النازعات 26.
وقد كتب المستشرق الفرنسي أندريه ميكيل كتابًا سيريًا عن أسامة بن منقذ، ترجمة عنوانه «أسامة: أمير سوري يواجه الصليبيين»، وظف في سرده ضمير المتكلم، ومع ذلك يقول المؤلف في مقدمته أن أسامة «هو من يتحدث في الكتاب ولست أنا».
ووصف روبرت إيرون (كتاب الاعتبار) بأنه «من أحزن الكتب التي كتبت على الإطلاق [إنه] نسخة قروسطية من رواية ذهب مع الريح»!!
وتحظى الشخصيات النسائية في سيرة أسامة بن منقذ «كتاب الاعتبار» بحضور كبير ولافت نسبيا، وهو الذي يقول عنهن «شاهدت من نخوات النساء عجبًا». وربما تكون سيرة أسامة بن منقذ الذاتية «كتاب الاعتبار» هي السيرة الذاتية الوحيدة في تراثنا التي حضرت فيها المرأة حضورًا لافتًا.
ومن أجمل حكم تجاربه الحياتية قوله: «ومن عجائب القلوب أن الإنسان يخوض الغمرات ويركب الأخطار ولا يرتاع قلبه من ذلك، ويخاف مما لا يخاف منه الصبيان والنسوان».
وقد قُدمت ثلاثة تفسيرات لظهور بعض مظاهر اللهجة العامية في سيرة أسامة بن منقذ الذاتية «الاعتبار»، وهي: أنها من عمل النساخ، أو نتيجة للازدواجية اللغوية التي كان يعاني أسامة، أو نتيجة لرغبة أسامة في إصباغ الروح الواقعية على عمله. ولعل التفسير الأخير هو الراجح والمعقول، فيما نظن.
وفي الكتاب نصوص كثيرة يحسن الوقوف عليها لجمالها أو لأهميتها أو لطرافتها، وربما يكون النص التالي من الحالات القليلة في تراثنا التي يأتي فيها معنى «الحرية» بعيدًا عن مقابلته بمعنى الرق، وقد أورده أسامة بن منقذ نقلاً عن أفلاطون كما يقول: «ليس القناعة أن تترك كثير الرزق لقليل ما يتحصل لك منه، وهذا بالعجز أشبه منه بالقناعة. وإنما القناعة إيثار القليل مع حرية النفس وترك ركوبها الأخطار واحتمال الذلة»!
وقد يكون من أسباب جمال كتاب الاعتبار وجاذبيته في كثير من الأحيان كون كثير من أحداثه وحكاياته تسرد باعتماد أسلوب التداعي الحر إلى حد كبير، فكل قصة أو حادثة يسردها أسامة تستدعي ما يشبهها أو يخالفها من تجاربه الحياتية الثرية، كما سبق أن أشار إلى ذلك فليب حتي.