علي بن سعد القحطاني - «الجزيرة»:
فقدت الساحة الصحفية والثقافية السعودية، يوم السبت 10 أكتوبر 2026م، الأديب والصحفي عمران بن محمد بن حمد العمران، أول رئيس تحرير لصحيفة «الرياض»، الذي توفي عن عمر ناهز 93 عامًا، بعد مسيرة امتدت في مجالات الصحافة والأدب والعمل الحكومي، وحضور ارتبط بمرحلة تأسيس المؤسسات الصحفية والثقافية في المملكة.
ونعى معالي الأستاذ سلمان الدوسري وزير الإعلام الراحل، مستذكرًا ريادته في الصحافة والأدب، ومشاركته في خدمة وطنه من خلال العمل الحكومي، وما خلّفه من أثر إعلامي وإنتاج أدبي يوثّقان مسيرة عطائه وتعدد مجالات اهتمامه.
وقال الكاتب الأستاذ علي الشدي إن الأوساط الصحفية والأدبية والإدارية فقدت برحيل العمران أحد رجالها المخلصين، مشيرًا إلى أنه عرفه عن قرب، وكان يتمتع بشخصية مهيبة وثقافة عالية وخلق فاضل. وأعرب عن خالص تعازيه لعائلة العمران وأسرته وزملائه في الوسط الإعلامي الذين عرفوا فيه الصفات الحميدة،
من جانبه، وصف الإعلامي الأستاذ داود الشريان الفقيد بأنه أحد الآباء المؤسسين للصحافة في منطقة الرياض، وأول رئيس تحرير لصحيفة «الرياض»، مشيرًا إلى إسهامه في بناء المنبر الذي تخرّج فيه جيل من كبار الصحفيين السعوديين، منهم عبدالعزيز العمران، ومحمد العجيان، وتركي السديري، وصالح الصويان، ومحمد أباحسين، وعبدالله الماجد، وسعد الحميدين، ومحمد الوعيل، ومحمد الجحلان. واختصر الشريان أثره بقوله: «لم ينشغل بصناعة اسمه، صنع أسماء كثيرة».
واستحضر الأستاذ حمد القاضي مكانة العمران، مشبّهًا غياب الأديب الكبير بسقوط نجم من السماء وانطفاء ضوئه. وأشار إلى تعدد وجوه ريادته؛ إذ عمل كاتبًا ونائبًا لرئيس التحرير في صحيفة «اليمامة» إلى جانب مؤسسها الشيخ حمد الجاسر، ثم تولّى رئاسة تحرير صحيفة «الرياض» عند انطلاقتها.
وأضاف القاضي أن ريادة العمران امتدت إلى الشعر، من خلال ديوانه «الأمل الظامئ» الذي وصفه بأنه من أوائل الدواوين الشعرية السعودية، وإلى الدراسات الأدبية المبكرة عن أعلام الشعر اليمامي والشاعر ابن المقرّب الأحسائي، فضلًا عن كتاباته الاجتماعية والوطنية في بواكير التنمية بالمملكة. كما استعرض إسهامه في العمل العام من خلال مسؤولياته في مجلس الوزراء، وإدارته مصلحة المياه بالرياض، وعضويته في الدورة الأولى والثانية لمجلس الشورى.وأكد القاضي أن الفقيد تميّز بسجاياه الرفيعة، وتواضعه وحسن تعامله وسمته وبعده عن الأضواء، مستعيدًا مقالًا كتبه عنه في حياته، ونُشر في دورية «جسور» التي يصدرها مركز حمد الجاسر الثقافي.
في بدايات الصحافة اليومية
ارتبط اسم العمران بانطلاقة صحيفة «الرياض» عام 1385هـ، الموافق 1965م، حين تولّى رئاسة تحريرها ليكون أول من يشغل هذا المنصب. وصدر العدد الأول من الصحيفة في الأول من محرم 1385هـ، الموافق الأول من مايو 1965م، بوصفها أول صحيفة يومية تصدر في مدينة الرياض، ضمن إصدارات مؤسسة اليمامة الصحفية، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الصحافة بالعاصمة.
وسبقت هذه المسؤولية تجربة مبكرة في الكتابة الصحفية؛ إذ ذكر العمران في لقاء نشرته «الرياض» عام 2022م أنه بدأ الكتابة عام 1371هـ في «البلاد» و»اليمامة»، وعمل متعاونًا مع الشيخ حمد الجاسر، الذي أسهمت مزاملته في تنمية شغفه بالصحافة. واستطاع الجمع بين عمله الحكومي ونشاطه الصحفي، قبل إعارة خدماته إلى مؤسسة اليمامة وتولّيه رئاسة تحرير الصحيفة، ثم عودته إلى مصلحة الأشغال العامة عقب استقالته.
وظلت «الرياض» حاضرة في ذاكرته بعد سنوات طويلة من مغادرته موقعه التحريري؛ ففي اللقاء نفسه عبّر عن اعتزازه بمكانتها، قائلًا: «الرياض لها مكانة في نفسي كبيرة»، مستعيدًا بدايات العمل وإمكاناته المحدودة، وما رافق مرحلة التأسيس من جهد لبناء صحيفة يومية وتثبيت حضورها.
تكوين أدبي ومسؤوليات حكومية
وُلد الأستاذ عمران العمران في مدينة الرياض عام 1352هـ، وتلقّى تعليمه فيها، وكان من خريجي الدفعة الأولى بكلية اللغة العربية عام 1377هـ، الموافق 1957م. ثم استكمل تكوينه العلمي بالحصول على دبلوم الدراسات الأدبية واللغوية من معهد الدراسات العربية العليا بالقاهرة، التابع لجامعة الدول العربية، عام 1380هـ، الموافق 1960م. وقد أتاح له هذا المسار توسيع معرفته بالأدب ومناهج دراسته، إلى جانب ما اكتسبه من ممارسة الكتابة والعمل الصحفي.
وتعددت المسؤوليات التي تولاها خلال حياته المهنية؛ فعمل مديرًا لأعمال لجنة الأنظمة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وتولّى إدارة مكتب العمل الرئيس بالمنطقة الشرقية، وعمل في قطاع الكهرباء بالرياض. كما شغل منصب المدير العام لمصلحة المياه والصرف الصحي بمنطقة الرياض خلال الفترة من 1397 إلى 1412هـ، الموافق 1977 إلى 1992م، واستمر فيه حتى تقاعده.
وامتدت مشاركته في العمل العام إلى عضوية مجلس الشورى في دورته الأولى ، جامعًا بين الخبرة الإدارية والاهتمام بالقضايا الثقافية والنظامية. وكان كذلك من مؤسسي نادي الرياض الأدبي، في إسهام يعكس صلته بالمؤسسات التي احتضنت النشاط الأدبي ووفّرت للكتّاب فضاءً للحوار وتداول الإنتاج الثقافي.
دعوة مبكرة لحفظ المعرفة
ومن المحطات البارزة في سيرته الثقافية دعوته المبكرة إلى إنشاء مكتبة وطنية؛ إذ نشر في العدد الثامن والثمانين من جريدة «اليمامة»، الصادر في 17 يوليو 1957م، مقالًا بعنوان «متى تنشأ دار الكتب السعودية؟»، دعا فيه إلى إقامة مكتبة بالرياض على غرار دار الكتب المصرية. وجاءت هذه الدعوة في بدايات مسيرته، كاشفة عن اهتمامه بإيجاد مؤسسة تحفظ الكتب وتتيح المعرفة للقراء والباحثين.
ويمنح هذا الجانب سيرته بعدًا يتجاوز ممارسة الصحافة؛ فقد انشغل أيضًا بالكتاب بوصفه وعاءً للذاكرة الثقافية، وبالحاجة إلى مؤسسات تصون الإنتاج الفكري وتيسّر الرجوع إليه، وهو اهتمام يلتقي مع اتجاهه إلى البحث في التراث الأدبي والشعري.
إنتاج أدبي واهتمام بالشعر اليمامي
ترك العمران مؤلفات تنوّعت بين المقالة والدراسة الأدبية والشعر، ونشرت دار الثلوثية جميع مؤلفاته، ومنها «شؤون وآراء»، و»الأمل الظامئ»، و»حديث عابر» الذي يضم مقالاته، وديوان «من وحي السنين»، و»من أعلام الشعر اليمامي». وقد ألّف الكتاب الأخير في الرابعة والعشرين من عمره، عام تخرّجه في كلية اللغة العربية، بما يعكس اهتمامه المبكر بتاريخ الشعر اليمامي وأعلامه. ومن أعماله أيضًا «هوامش أدبية»، ودراسة عن ابن المقرّب وحياته وشعره.
ويكشف تنوّع هذه العناوين عن انشغاله بالكتابة الإبداعية والبحث في الموروث الأدبي، وعن عناية خاصة بالشعراء المتصلين بتاريخ اليمامة وذاكرتها الثقافية، إلى جانب تناوله الشؤون العامة في مقالاته.
وظل نتاجه موضع اهتمام لدى المهتمين بتاريخ الأدب والصحافة؛ فقد خصّصت نشرة «جسور»، الصادرة عن مركز حمد الجاسر الثقافي، ملفًا عنه في عددها الثالث والثلاثين، تضمّن عرضًا لأربعة من كتبه، وشهادات لعدد من الأدباء والباحثين، بينهم حمد القاضي، وعبدالعزيز بن صالح بن سلمة، ومحمد القشعمي، ومحمد المشوح، ومحمد الحمدان، ومحمد باوزير، وحسين الحربي. ووثّق الملف جوانب من تجربته ومشاركته في الحياة الثقافية والإدارية.
وبرحيل عمران العمران، تفقد الصحافة السعودية أحد شهود بداياتها المؤسسية، وتفقد الساحة الأدبية كاتبًا جمع بين المقالة والشعر والبحث في التراث. ويبقى اسمه مرتبطًا بالصفحات الأولى من تاريخ صحيفة «الرياض»، وبمسيرة جيل أسهم في تأسيس منابر الكلمة، وحمل اهتمامه بالثقافة إلى مواقع العمل والمسؤولية.