لم تعد الجرائم المالية مجرد اختلاس أموال أو تلاعب في الدفاتر المحاسبية، بل أصبحت أكثر تعقيدًا مع تطور الأنشطة الاقتصادية واتساع حركة الأموال بين الشركات والدول. وقد تبدأ المخالفة بمعاملة مالية صغيرة لا تثير الانتباه، ثم تتكرر وتتسع حتى تتحول إلى قضية كبرى تكشف عن خسائر بملايين الريالات، وربما تهدد مستقبل شركات ظلت سنوات تتمتع بثقة المستثمرين والعملاء.
والتاريخ الاقتصادي مليء بقضايا احتيال مالي لم تُكتشف إلا بعد سنوات، رغم وجود إدارات مالية ومراجعين وأنظمة رقابية. والمشكلة في بعض هذه القضايا لم تكن غياب المعلومات، بل تجاهل مؤشرات كان يمكن أن تقود إلى اكتشاف المخالفات مبكرًا. فالأرقام قد تحمل في تفاصيلها أدلة على تجاوزات مالية، لكن اكتشافها يحتاج إلى خبرة مهنية واستقلالية في المراجعة وشجاعة في طرح الأسئلة.
ومن أبرز الأمثلة قضية شركة «إيرباص» الأوروبية لصناعة الطائرات، التي كشفت التحقيقات عن ممارسات رشوة وفساد امتدت سنوات، استخدمت خلالها شبكة من الوسطاء لإخفاء مدفوعات غير مشروعة مرتبطة بصفقات بيع الطائرات. وقد بدأت خيوط القضية تتكشف بعد ظهور معلومات غير دقيقة تتعلق بالوسطاء في معاملات تمويل الصادرات، لتتوسع التحقيقات بمشاركة جهات قضائية ورقابية في عدة دول، وتنتهي عام 2020 بتسويات بلغت نحو 3.6 مليار يورو. وتكشف هذه القضية كيف يمكن أن تختبئ مخالفات مالية كبيرة خلف معاملات تبدو تجارية في ظاهرها، قبل أن تقود مراجعة المستندات وتتبع الأموال إلى كشف حقيقتها.
وهنا تبرز أهمية المحاسبة والمراجعة باعتبارهما من أهم أدوات حماية الأموال وتعزيز الثقة في المؤسسات. فالأرقام لا تكذب بذاتها، لكنها قد تُستخدم لإخفاء الحقيقة عندما تتعرض للتلاعب أو تغيب الرقابة الفاعلة. وقد تكشف مراجعة عملية مالية واحدة عن سلسلة من التعاملات غير المشروعة، أو تقود ملاحظة محاسبية بسيطة إلى اكتشاف تجاوزات استمرت سنوات.
والمشكلة أن بعض المؤسسات لا تزال تنظر إلى المحاسبة والمراجعة باعتبارهما إجراءات روتينية لإعداد القوائم المالية واستيفاء المتطلبات النظامية، بينما تتجاوز أهميتهما ذلك بكثير. فوجود نظام محاسبي متطور لا يعني بالضرورة سلامة العمليات المالية، كما أن صدور تقرير مراجعة لا يمثل ضمانًا مطلقًا لعدم وجود احتيال. فالعبرة ليست بكثرة التقارير، وإنما بفاعلية الرقابة واستقلاليتها وقدرتها على كشف المؤشرات غير الطبيعية والتعامل معها.
ولا تتوقف آثار الجرائم المالية عند الأموال المفقودة، بل تمتد إلى سمعة الشركات وثقة المساهمين وسلامة الأسواق. فقد تستطيع مؤسسة تعويض خسارة مالية، لكنها قد تحتاج سنوات لاستعادة ثقة فقدتها نتيجة قضية احتيال أو فساد.
وفي المملكة، ومع اتساع الاقتصاد وتزايد الاستثمارات ونمو القطاع المالي وتسارع التحول الرقمي، أصبحت الحاجة أكبر إلى تعزيز دور المحاسبين والمراجعين وتطوير قدراتهم في اكتشاف مؤشرات الاحتيال وتتبع العمليات المالية المشبوهة.
وفي هذا السياق، تأتي استضافة الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين، بالتعاون مع شركة Forensic Risk Alliance (FRA)، لفعالية «الجرائم المالية والتحقيقات والإنفاذ الرقابي» يوم الأربعاء 28 أكتوبر الجاري في الرياض، تأكيدًا لأهمية دور الهيئة في نشر الوعي المهني، ورفع كفاءة المحاسبين والمراجعين، وتعزيز جودة الممارسات الرقابية داخل الشركات. وتكتسب هذه المبادرة أهميتها من الاستفادة من الخبرات الدولية في التحقيقات المالية وكشف قضايا الاحتيال والفساد، بما يسهم في تطوير الكفاءات الوطنية.
كما أن التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، أتاحت فرصًا واسعة لاكتشاف المعاملات المالية غير المعتادة، لكنها في الوقت نفسه وفرت وسائل أكثر تعقيدًا لارتكاب المخالفات وإخفاء آثارها.
إن القضية ليست في اكتشاف الجريمة المالية بعد وقوعها فحسب، بل في بناء بيئة مهنية تقلل فرص حدوثها، وتكشف مؤشرات الخطر قبل تحولها إلى خسائر كبيرة. وهذه مسؤولية مشتركة تبدأ من مجالس الإدارة، وتمر بالإدارات المالية والمراجعة الداخلية والخارجية، وصولًا إلى الجهات الرقابية المختصة.
فالمحاسبة ليست مجرد أرقام تُسجل، والمراجعة ليست مجرد تقارير تُرفع، وقد تبدأ أكبر قضية مالية من رقم صغير مرّ أمام الجميع، لكن أحدًا لم يتوقف ليسأل: لماذا؟
** **
- عبدالله صالح الشماسي