«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
لم تعد الثقافة في السعودية نشاطًا يُقاس بعدد المعارض والمهرجانات والعروض الفنية فحسب، بل باتت تُقرأ باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا له قوة عمل، ومنتجات، وإيرادات، واستثمارات، وسلاسل قيمة، وأسواق استهلاك. ويكشف «تقرير الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2025م: عقد من الرؤية» عن اتساع هذا التحول، مع بروز الاقتصاد الإبداعي بوصفه أحد المسارات الجديدة في تنويع النشاط الاقتصادي.
282 ألف عامل.. سوق عمل تتسع
يظهر التحول بوضوح في سوق العمل؛ إذ بلغ عدد العاملين في المهن الثقافية 282,709 عاملين في الربع الرابع من عام 2025، مقارنة بـ261,671 عاملًا في 2024، بنمو بلغ 8.04 %، مقابل 7.66 % في العام السابق.
لكن قراءة الرقم تحتاج إلى قدر من الدقة؛ فالتقرير يوضح أن جانبًا من هذا النمو يرتبط بتطوير التصنيفات ودمج المهن الثقافية بصورة أوسع في الأنظمة الاقتصادية والإحصائية الرسمية، ما أدى إلى ظهور أعمال كانت غير مصنفة أو غير مرئية إحصائيًا. وبالتالي، لا يعكس ارتفاع العدد وظائف جديدة بالكامل، بل يجمع بين نمو النشاط الثقافي واتساع نطاق القياس والتصنيف.
ويضم الاقتصاد الثقافي 11 قطاعًا فرعيًا، مع تركّز نحو ثلاثة أرباع العاملين في قطاعي فنون الطهي والأزياء، فيما سجلت قطاعات أخرى معدلات نمو لافتة خلال 2025؛ إذ ارتفع العاملون في المتاحف بنسبة 58 %، والمسرح والفنون الأدائية 33 %، والأفلام 32 %، والمكتبات 29 %، مقابل 2 % في فنون الطهي.
وتكشف هذه الأرقام أن سوق العمل الثقافية لا تتحرك بوتيرة واحدة؛ فبعض القطاعات ينتقل سريعًا من النشاط الثقافي إلى بنية اقتصادية أكثر تنظيمًا، بينما تظل قطاعات أخرى في مرحلة مختلفة من النمو.
من الدعم إلى الاستثمار
ولا يتوقف التحول عند الوظائف، بل يمتد إلى طريقة تمويل القطاع. فقد بلغ حجم الدعم الذي قدمه الصندوق الثقافي خلال 2025 نحو 376 مليون ريال، بزيادة 93 % عن 2024 .
وفي الاتجاه نفسه، شهد العام إطلاق ثلاثة صناديق استثمارية بمشاركة الصندوق الثقافي، من بينها صناديق موجهة إلى قطاعي الأزياء والأفلام، إلى جانب إطلاق منتج للتمويل التشاركي بالتعاون مع خمس مؤسسات مالية خاصة.
وتشير هذه الخطوات إلى انتقال التمويل الثقافي تدريجيًا من مفهوم الدعم المباشر إلى أدوات استثمارية تستهدف بناء قطاعات قادرة على إنتاج القيمة واستقطاب رأس المال وتوسيع قاعدة المستثمرين.
السينما.. سوق تنمو ومساحة كبيرة للتوسع
تقدم السينما نموذجًا واضحًا لهذه المعادلة. فقد بلغ عدد تذاكر السينما المباعة في 2025 نحو 18,772,933 تذكرة، مقارنة بـ17,520,036 تذكرة في 2024، بنمو بلغ 7.2 %، فيما ارتفعت الإيرادات بنسبة 8.9 %.
وفي الوقت نفسه، انخفض متوسط سعر التذكرة إلى نحو 49 ريالًا بالتزامن مع تدخلات تنظيمية في السوق.
ورغم النمو، فإن السوق لم تصل بعد إلى مرحلة التشبع؛ إذ يبلغ متوسط حضور الفرد للسينما نحو 0.53 زيارة سنويًا، مقابل نحو 2 إلى 3 زيارات للفرد سنويًا في الأسواق الناضجة. وهذا الفارق لا يمثل تحديًا فحسب، بل يكشف عن مساحة واسعة محتملة للنمو في سوق لا تزال حديثة نسبيًا.
لكن سلوك الجمهور يضيف طبقة أخرى إلى الصورة؛ فالمنصات الافتراضية جاءت في مقدمة تفضيلات مشاهدة الأفلام بنسبة 44.9 %، مقابل 17.8 % للسينما، مقارنة بـ21 % في 2023. وهو ما يعني أن توسع سوق السينما يجري بالتوازي مع منافسة قوية من الاستهلاك الرقمي.
المستهلك يعيد تشكيل السوق
ولا يقتصر الاقتصاد الإبداعي على إنتاج المحتوى، بل يتشكل أيضًا وفق الطريقة التي يستهلك بها الجمهور المنتجات الثقافية.
في الموسيقى، تصدرت منصات الفيديو تفضيلات الاستهلاك بنسبة 31.3 %، فيما حافظ الكتاب الورقي على موقعه كخيار مفضل للقراءة الحرة بنسبة 38 %، مقابل 23 % للكتاب الإلكتروني.
وتكشف هذه المؤشرات عن سوق ثقافية متعددة القنوات، لا يكفي فيها زيادة الإنتاج؛ إذ أصبح الوصول إلى المستهلك، وفهم عاداته، وتحديد المنصة المناسبة، جزءًا من القيمة الاقتصادية للمنتج الثقافي نفسه.
سلسلة قيمة تتجاوز المنتج الثقافي
وهنا تتسع دائرة الاقتصاد الإبداعي لتشمل ما وراء الفنان أو الكاتب أو المخرج. فالمهن الثقافية تعمل داخل المؤسسات الثقافية وخارجها، وتمتد آثارها إلى قطاعات مرتبطة بسلسلة القيمة، بما يجعل الثقافة مولدًا للطلب على خدمات ومهن وأنشطة مساندة.
ومن ثم، فإن قياس الاقتصاد الثقافي لا يتوقف عند عدد العاملين في المؤسسات الثقافية، بل يشمل المهن الثقافية المباشرة وغير المباشرة، وما يرتبط بها من إنتاج وتوزيع وتسويق وتشغيل واستهلاك.
وهذا التحول في طريقة القياس مهم بقدر أهمية الأرقام نفسها؛ لأنه يعيد تعريف موقع الثقافة داخل الاقتصاد، ويجعل أثرها قابلًا للرصد من خلال سوق العمل والإيرادات والطلب والاستثمار.
الثقافة والسياحة.. مؤشر يحتاج إلى قراءة مختلفة
ولا تتحرك جميع المؤشرات الاقتصادية الثقافية في اتجاه صاعد. فبحسب التقرير، انخفض عدد السياح المحليين والقادمين المشاركين في الأنشطة الثقافية من نحو 34 مليونًا في 2024 إلى 29.9 مليونًا في 2025، بتراجع يقارب 12 %، كما انخفضت نسبة السياح المشاركين في الأنشطة الثقافية من 41 % إلى 32 %.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن السياحة الثقافية تمثِّل إحدى القنوات التي تتحول من خلالها الثقافة إلى إنفاق اقتصادي مباشر. وبالتالي، فإن نمو الوظائف والاستثمار والإنتاج الثقافي يتطلب في المقابل تنمية الطلب، وتوسيع المشاركة، وتعزيز قدرة المنتجات الثقافية على جذب الجمهور والزائر والسائح.
من النشاط الثقافي إلى الاقتصاد الإبداعي
بعد عقد من التحولات التي قادتها «رؤية 2030»، يقدم تقرير الحالة الثقافية 2025 صورة أكثر نضجًا للقطاع: قوة عمل تتوسع، وتمويل يتحول إلى أدوات استثمار، وأسواق ثقافية تتشكل، ومنتجات تدخل في سلاسل قيمة أوسع، ومستهلك يتغير بفعل المنصات الرقمية.
لكن الأرقام تكشف في الوقت ذاته أن بناء اقتصاد إبداعي مستدام لا يرتبط بحجم الإنفاق أو عدد الفعاليات وحدهما، وإنما بقدرة القطاعات الثقافية على تحويل المواهب والإبداع إلى منتجات قابلة للنمو، واستثمارات طويلة الأجل، وفرص عمل قابلة للقياس، وأسواق قادرة على توليد الطلب.
وهنا تكمن دلالة «عقد من الرؤية»: الثقافة لم تعد تقع على هامش الاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه لم تبلغ بعد كامل إمكاناتها الاقتصادية؛ وما تحقق خلال العقد الماضي يبدو أقرب إلى بناء البنية الأساسية لسوق إبداعية سعودية، فيما يبقى التحدي التالي هو تحويل هذا الاتساع إلى قيمة اقتصادية أكثر استدامة وعمقًا.