يرى ويليك ووارن أن الأدب يقرأ بوصفه وثيقة من وثائق الفلسفة أو الفكر، لأن الكاتب يعلن في نصه، صراحة أو ضمناً، انتماءه إلى مذهب بعينه أو تأثره بآراء عصره. وإذا قبلنا هذه الفكرة صار السؤال مشروعاً: كيف دخلت الفلسفة إلى الأدب العربي؟ أجاءته من الخارج مع الترجمة عن اليونانية، أم نبتت فيه من تأمل اللغة والشعر والحياة؟ تقترح هذه المقالة أن الطريق كان مزدوجاً: بدأت الفلسفة من اللغة والنحو، ثم تغذّت بالمنطق اليوناني في نظرية الشعر، ثم نضجت في (حيّ بن يقظان) لابن طفيل وفي شعر المعرّي، ثم امتدت إلى الحداثة عند جبران والأدباء الوجوديين.
وقد أدرك سقراط، كما يقرؤه جاكسون في (الجمهورية)، أن ما يُقال عن (الخير) لا يحاط به بتعريف جاف، فلجأ إلى سلسلة من التشبيهات والتمثيلات. وهذا هو السبب الأول في أن الفلسفة تسكن الأدب: فحين يضيق المصطلح عن المعنى الأعلى تتسع الحكاية والصورة والقصيدة.
اللغة والنحو: أول أبواب الفلسفة
تذهب صالحة يعقوب إلى أن النحو العربي ليس مجرد قواعد للإعراب، بل أداة لفهم المعرفة وبنيتها، وأن في طبقاته الصرفية ودقائقه ما يصل فهم النص القرآني بفهم المعرفة الإنسانية. وهي تستدعي في ذلك أبا الأسود الدؤلي وسيبويه والجرجاني، وتجعل الدلالة بابا إلى التفكير النقدي.
ويرى صاحب مقال (الفلسفة والنظرية في الشعريات العربية) أن النقد العربي القديم ينطوي على جمالية فلسفية تظهر في تحليل النصوص نفسها؛ فقد قام فهم اللغة والنحو والشعر على القياس والإسناد والإجماع، أي على المماثلة وتتبع الأصل واتفاق الذوق. فالمجاز يقبل لأنه يماثل أصلاً مقبولاً، وكان الآمدي يرى أن الاستعارة التي لا تُفهم تخرج الكلام من الشعر إلى اللغو. فالنقد لم يكن عداً للمحسنات، بل جواباً عن سؤال: ما الذي يجعل الكلام شعراً؟
ويقدم عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم أعمق صياغة لهذا الاتجاه: فالمعاني متاحة لكل ذهن، لكن ثمة مستوى أعلى من المعنى لا يظهر إلا في التأليف، وكل تغيير في التركيب يغير المعنى، وكان الجاحظ قد مهّد لذلك حين جعل الشأن للصياغة لا للمعنى المطروح في الطريق. ولا عجب، فالنقد وُلد في حضن اللغة والتفسير؛ إذ كان الشعر الجاهلي المرجع اللغوي والدلالي الأول لتفسير القرآن، فدُرست اللغة والشعر معاً.
ويرى مؤرِّخو النقد أن أثر المعتزلة والفلسفة اليونانية، وخاصة أرسطو، صار محسوساً في ميادين الفكر كلها بحلول القرن التاسع الميلادي، غير أن القوة الدافعة الحقيقية كانت تغيّر الذائقة والإنتاج الأدبي نفسه، كما عند أبي نواس وبشار، ثم في الخصومة بين أنصار أبي تمام وأنصار البحتري. فقد كان أبو تمام صاحب لغة مجازية جديدة وعناية بالصنعة، والبحتري أقرب إلى القديم المطبوع، وهذه الخصومة هي التي ولّدت فن الموازنة وحوّلت النقد إلى تحليل دقيق للصور والاستعارات وللعلاقة بين اللفظ والمعنى.
الشعر والمنطق: الفلسفة في النقد القديم
بدأ أرسطو الحديث عن الشعر بوصفه محاكاة، أما الفلاسفة العرب فتلقّوا كتاب (الشعر) ضمن (الأورغانون) المنطقي، فصار الشعر عندهم ملكةً منطقية لها أداتها الخاصة، وهي (القياس الشعري). وهكذا دخلت الفلسفة النقد من باب المنطق، غير أنهم لم يستطيعوا معاملة الشعر على أنه منطق محض.
وأعاد الفارابي قراءة أرسطو ليصل الشعر بالنحو وبوظيفته في المجتمع، فقرّر أن الوزن وحده لا يصنع شعراً، وأن المحاكاة بلا وزن تنتج (قولاً شعرياً)، وجعل التخييل أساس التلقي، أي استدعاء صورة الشيء في ذهن السامع ليحرّكه إلى الفعل؛ ومع ذلك عاد إلى القول التقليدي بأن أجود الشعر أطبعه. ثم أضاف ابن سينا البعد النفسي، فعرّف الشعر بأنه كلام مخيِّل موزون، وأضاف (التعجيب) واللذّة، ولاحظ أن اليونان حاكوا الأفعال والأحوال بينما حاكى العرب الذوات أيضاً، وفي هذا وعي مبكر بالفرق الثقافي. أما ابن رشد فنقل التركيز إلى آليات المحاكاة والتشبيه، ولم ينجح في وضع تصنيف للغة المجازية لأن همّه كان الدفاع عن عقلانية العملية الشعرية.
ويرى حازم القرطاجني (1211-1285م) أن الشعر يُنظر إليه من ثلاثة أوجه: التخيّل (الإبداع) والتخييل (التلقي) والمحاكاة (النص)، فجمع بين التراث العربي والتراث الأرسطي. وظلت علاقة الشعر بالصدق شاغلاً مركزياً: فقدامة يجعل أحسن الشعر أكذبه، وابن طباطبا يربط جودته بصدق الصورة والشعور، ولم يحسم المسألة بإقناع إلا الفلاسفة ثم حازم. هذه المناظرة هي الفلسفة نفسها وقد صارت نقداً.
(حيّ بن يقظان): الفلسفة في صورة حكاية
وتحذّر يعقوب من أن الترجمة بلا فهم جيد للنص الأول قد تغيّر مسار الفكر، وهذا بالضبط ما واجهه العرب حين فتحوا الشام والعراق، فوجدوا مدارس أنطاكية وحرّان والرها ونصيبين التي ترجمت أعمالاً يونانية إلى السريانية، فتولّوا ترجمة ما ترجم من قبل، وكانوا بين أرسطو أفلاطوني الطابع في الإسكندرية وأرسطو مسيحي في سوريا. ومن هذا الباب دخلت الفلسفة اليونانية إلى الثقافة العربية قبل أن تظهر في الأدب.
تخيّل ابن سينا إنساناً خُلق دفعة واحدة معلّقاً في الهواء، محروماً من كل إحساس، ومع ذلك يظل واعياً بذاته، فدلّ ذلك عنده على نفس مستقلة عن الحس؛ وكتب قبل ابن طفيل حكاية رمزية قصيرة بعنوان (حيّ بن يقظان). وعلى هذا الأساس بنى ابن طفيل (1105-1185م)، الأندلسي المولود في وادي آش، الطبيب والوزير عند السلطان الموحدي أبي يعقوب يوسف، روايته. وهو الذي رشّح ابن رشد للسلطان، فكُلّف ابن رشد بشرح أرسطو.
يرى جاكسون أن الرواية تدور حول سؤالين قديمين: ماذا نستطيع أن نعرف؟ وكيف نعرف؟ وحبكتها أن طفلاً اسمه (حيّ بن يقظان) (الحيّ ابن اليقظان) تلقيه أمه في اليمّ خوفاً من أخيها الملك، فتُرضعه ظبية في جزيرة استوائية قبالة الهند. وحين تموت الظبية وهو في السابعة يشرّحها بحثاً عن موضع العلّة، ثم يتدرّج بعقله وحده حتى تتحقق له المشاهدة في الثانية والأربعين. وتصف قراءة معاصرة الرواية بأنها رؤية متفائلة للطبيعة يغلب فيها العطاء العدوان، ويبلغ فيها حيّ الله عبر سلسلة العلل إلى محرِّك أول لا يتحرك، لا إلى (أبٍ في السماء).
وكان أفلاطون قد صوّر الفيلسوف سجيناً يخرج من الكهف ولا يطيق أول الأمر النظر إلى الشمس؛ وقد رأى جاكسون في مراحل حيّ السبع، كل مرحلة سبع سنوات، سلّماً مشابهاً: اعتماد على الظبية، ثم اكتشاف النار والنفس بمعنى أرسطو، ثم تأمل الصور، ثم برهان العقل على وجود صانع للعالم، ثم الشعور بحدود العقل وولادة الحب، ثم الرياضة والمشاهدة. ويذكّر استدلاله بأن الحواس لا تدرك إلا الجسماني بحجة ديكارت المسماة (برهان العلامة التجارية).
ويبيّن جاكسون أن ابن طفيل يعترف في مقدمته بأن ما أدركه حال لا يصفه اللسان، لأنه من عالم آخر، وأن من بلغه لا يملك إلا أن يبوح به بعبارات عامة، ويطلب من القارئ ألا يحمل كلامه على ظاهره لأن أقصى ما يقدَّم (لمحة) أو (تلميح). وهذا ما يجعل الحكاية هي الوسيلة الفلسفية الوحيدة الممكنة، كما أنّ الوجودية في القرن العشرين لجأت إلى الرواية لتقول ما لا يُقال.
ويفرّق السهروردي، شيخ الإشراق، بين العلم الحضوري والعلم الحصولي. ولتقريب الأول يضرب ابن طفيل مثل أعمى وُلد في مدينة وعرف كل شيء إلا الألوان، فلما أبصر وجد ما عرفه صحيحاً وانفتح له باب جديد من الفرح؛ والذين يفكرون ولا يحبّون كالعميان. وهذه هي (المعرفة) في الأدب الصوفي، وهي ما دفع ابن طفيل إلى الحكاية لأن الوصف الدقيق لتجربة كهذه مستحيل.
ويذكر ابن طفيل في مقدمته أن الأندلسيين انصرفوا أولاً إلى الرياضيات ثم عرفوا شيئاً من المنطق، لكنهم لم يجدوا فيه طريق الكمال؛ ولذلك ميّز بين (الفلسفة) التي تأثرت بأفلاطون وأرسطو وبين (الحكمة المشرقية) التي أراد بها أن يُعرّف الغرب بفكر ليس مجرد نتاج يوناني.
وذهب الفارابي إلى أن الأنبياء فلاسفة قبل كل شيء وأن الله هو العقل الفعّال، فكان من أوائل من وفّقوا بين الدين والفلسفة؛ في حين اتهم الغزالي في (تهافت الفلاسفة) أتباع ابن سينا بالتناقض، ثم وصف في (المنقذ من الضلال) أزمته وبلوغه المعرفة بالزهد والتصوف. وفي هذا الجو وضع ابن طفيل فلسفته (المشرقية)، وتأثر بابن باجة في (تدبير المتوحّد) الذي يبحث في عزلة الفيلسوف في مدينة ناقصة، وهي مسألة أصلها في (جمهورية) أفلاطون.
ويلاحظ قارئ معاصر أن حيّاً يمتلك إرادة شخصية ويرتفع فوق بيئته وتاريخه، وأن استجاباته ليست ردود فعل آلية كما تصوّرتها المدرسة السلوكية، لكنه يضيق بالحس لأنه يشغله عن الحق: فكلما ركّز على الوجود الأول اعترضه صوت حيوان أو جوع أو ألم.
ويقرر أفلاطون أن الفيلسوف العائد إلى الكهف يلقى كراهية من بقي فيه، وهذا ما يجري لحيّ حين يعبر مع أبسال إلى جزيرة سلامان: فأبسال صوفي يؤثر العزلة، وسلامان فقيه يؤثر الجماعة، ويرى حيّ أن الحقيقة واحدة وأن العامة محتاجون إلى الشعائر والشرع، فيعود إلى جزيرته. ثم عبرت الرواية إلى أوروبا: فتشير الدراسات إلى أن راسل يرجّح أن لوك عرف الترجمة اللاتينية (1671) لإدوارد بوكوك الابن، وأن الرواية ألهمت (روبنسون كروزو). أما كانط فانتقد المعرفة الصوفية في (أحلام رائي الأرواح)، وهي نظرة يعدّها جاكسون استشراقية ضيّقة الحدود.
أبو العلاء المعرّي: شاعر الفلاسفة
جعل ديكارت من الشك طريقاً إلى اليقين، وقبله بقرون جعل المعرّي الشك مدخلاً إلى طلب الحقيقة. ولد أبو العلاء سنة 973م في سوريا في أسرة قضاة وشعراء، وأصيب بالجدري في الثالثة فكفّ بصره، لكنه ظل يطلب العلم ويصقل شعره. وتصفه المقالة بأنه عقلاني تجريبي يلحّ على المنهج في تحليل مسائل المعرفة، ومن أشهر قوله (لا إمام سوى العقل).
ويقول سقراط في (فيدون) إن الفلاسفة الحقيقيين يجعلون الموت حرفتهم ولا يفزعون منه، ويمكن أن نقرّب من هذا المعنى زهد المعرّي وعزلته؛ فقد وصفته المقالة بأنه شاعر زاهد لا يرى في الإنجاب خيراً، وبأنه جرؤ على نقد معتقدات الناس العزيزة وهو يعيش في مجتمع متشدد. وهذا تقريب من عندنا لا حكم قاطع، فالفرق قائم بين زهد فيلسوف يرجو لقاء الحق وزهد شاعر يضيق بقسوة العالم.
وفي حكاية خيالية تنسبها المقالة إليه يسأل الله أن يردّ إليه بصره، فيخرج مبهوراً بجمال الشوارع، ثم يتبع جيشاً فيرى الذبح والحرق وطفلاً يتيماً يموت من البرد، فيندم ويسأل الله أن يعيده أعمى. وهنا مقارنة من عندنا بمثل ابن طفيل: فعند ابن طفيل يفتح البصر عالماً من الفرح، وعند المعرّي يفتحه على عالم من القسوة، فتتقابل رؤيتان للعلاقة بين الإبصار والمعرفة: تفاؤل العارف وتشاؤم المبصر.
وينقل المقال قول ابن الجوزي إن أبرز الزنادقة ثلاثة: التوحيدي وابن الراوندي والمعرّي، وأن الذهبي عدّه كافراً بينما عدّه ابن الوردي مؤمناً. وهذا الخلاف يفسّره ما يقوله مؤرخو النقد: إن كثيراً من أعظم الشعراء اشتهروا بالزندقة، فدافع النقاد عن الشعر برفض الحكم عليه بسلوك صاحبه أو عقيدته.
جبران والوجودية: الفلسفة في الأدب الحديث
ويرى مُنّاس أن التفكير الفلسفي في الأدب العربي يمتد إلى العصر الجاهلي، وأن الإسلام حوّل لغة (الأمة الواحدة) وفكرها نحو مسار جديد، ثم جاء أدب المهجر ثمرة لهجرة العرب إلى الأمريكتين، فكتبوا فيه عن غربتهم وحنينهم وتجاربهم، وكان جبران في طليعتهم.
يقول أفلاطون في (المأدبة) إن الحب (ابن الحاجة والوفرة) لأنه شعور بنقص يطلب اكتماله. وقد قرأ بهات وبابا شعر جبران (1883-1931م) في ضوء ذلك، فرأيا أن غربته الثلاثية، شوقه إلى الوطن وإلى مجتمع مثالي وإلى عالم ميتافيزيقي، حوّلت لبنان عنده من مكان جغرافي إلى وطن أفلاطوني روحي، وأن (النبي) (1923) وحّدت هذه الخيوط، وأن نبيّه المصطفى يعود كالفيلسوف الذي يرجع إلى الكهف ليعين من بقي فيه.
ويلاحظ بهات وبابا أن النقاد العرب نظروا إلى جبران زمناً بوصفه مصلحاً اجتماعياً متمرداً، لأن أبطاله في (الأجنحة المتكسرة) و(الأرواح المتمردة) يصطدمون برجال الدين والإقطاع، لكنه لم يقدّم بدائل عملية، فأبطاله منبوذون وهائمون أكثر منهم مصلحين. ثم تحوّل غضبه من المجتمع اللبناني إلى غضب من البشرية كلها لأنها شوّهت صورة خلق الله، كما في (المواكب) و(العواصف) و(المجنون).
ويقدّم سولافيكوفا الحوار الفلسفي بوصفه فضاءً لطلب حياة طيبة وتفكير نقدي على الطريقة السقراطية، وهو ما تجسّده (المواكب) لجبران (1919)، وهي حوار شعري بين صوتين يتناول الخير والشر والعدالة والعلم والسعادة، ويسخر فيه الشاعر من خير يُفرض بالإكراه ومن عدالة المجتمع.
ويرى بهات وبابا أن جوهر (النبي) أن الحياة واحدة لا حدود لها، وأن تحقيق الذات خروج من الذات الضيقة بالحب، وأن الألم كقشرة البذرة تنكسر لتنمو، والموت تحوّل لا فناء. وفي المقابل يظهر عند جبران توتر بين الفلسفة والشعر: فهو يقول إن الاستلهام يغنّي ولا يشرح، وإن التفكير حجر عثرة في طريق الشعر، ويشبّه العقل بإسفنجة والقلب بنهر. فكأن الفيلسوف في جبران يطلب من القارئ ألا يقرأه بعقله وحده.
ويرى باحثو الوجودية أن عبارة ديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود) انقلبت عند الوجوديين إلى (أنا موجود إذن أنا أفكر)، وأن مبدأ سارتر (الوجود يسبق الماهية) جعل الإنسان صانع قيمه ومسؤولاً عن حريته. وانتقلت هذه المدرسة بعد الحرب العالمية الثانية إلى الأدب العربي بالبعثات والترجمة، فظهرت عند عبد الرحمن بدوي (1917–2002م) الذي كتب في مشكلة الموت، وخليل حاوي (1919–1982م) في (نهر الرماد)، وعبد الوهاب البياتي، وتوفيق الحكيم في (وجه الحقيقة). والفرق الذي يؤكده الباحث أن الوجودية العربية ظلت تؤمن بالله بينما نفاه الغرب، وانتقدها بعضهم لتعارضها مع الإسلام. وكما لجأ ابن طفيل إلى الحكاية، يلاحظ جاكسون أن كامو وسارتر لجآ إلى الأدب ليقولا ما يعسر قوله.
ويقول سارتر إن الأديب ملتزم بقضايا مجتمعه وإن الكتابة وظيفة اجتماعية لا ترف، ولذلك قدّم الأدب الوجودي العربي المضمون على الشكل، وأكثر من موضوعات القلق والغربة والعبث والتمرد. ويرى مؤرخو النقد أن الأدب الحديث هو الذي قاد النقد: فقد دفع الشعر الجديد والرواية والمسرح إلى مراجعة المعايير، فظهرت اتجاهات محافظة، واستشراقية عند طه حسين، ورومانسية عند العقاد، واجتماعية عند سلامة موسى، وحداثية عند أدونيس وكمال أبو ديب.
خاتمة
يخلص جاكسون إلى أن التمييز بين فلسفة (غربية) وأخرى (شرقية) يحجب حقيقة أنهما تفاعلتا دائماً وسألتا الأسئلة نفسها. وهذا ما تؤكده رحلة هذه المقالة: دخلت الفلسفة الأدب العربي من اللغة والنحو ومن المنطق في نظرية الشعر، ثم ظهرت قصةً عند ابن طفيل، وشكّاً عند المعرّي، ورؤية روحية عند جبران، وقلقاً وجودياً عند الحداثيين. ولهذا يصدق قول ويليك ووارن: الأدب وثيقة فكر، والفكر العربي لم ينقطع عن الحوار مع سقراط وأرسطو وكانط وسارتر، حتى حين ردّ عليهم. ويرى مؤرخو النقد أن النقد المعاصر ما يزال في معظمه تابعاً لإنجازات الأدباء، وفي هذا دعوة إلى مزيد من الدراسات الفلسفية في النص الأدبي العربي.
المصادر والمراجع
Bahadur, T. (2017, March 24). Ibn Tufayl’s “?ayy Ibn Yaq??n”: Philosophical fiction from the 12th century. On Art and Aesthetics. https://onartandaesthetics.com
Bhat, K. A., الجزيرة Baba, R. A. (2024). Khalil Gibran’s philosophical poetry: A modernist voice in Arabic literature. ShodhKosh: Journal of Visual and Performing Arts, 5(1), 3429–3436.
Enheduana. (2019, November 2). Al-Ma’arri: A poet of philosophers, and a philosopher of poets. Medium.
Jackson, R. (2017). Hayy ibn Yaqzan: Una novela filos?fica de Ibn Tufayl. Alfinge, 29, 83–101.
Mambrol, N. (2020, December 17). Arabic literary theory and criticism. Literariness.org (after Groden الجزيرة Kreiswirth, The Johns Hopkins Guide to Literary Theory and Criticism, 1994).
Munas, M. H. A. (2022). Philosophical dialogue in Arabic diaspora literature with special reference to Kahlil Gibran’s poems. Indian Journal of Tamil, 3(1), 13–20.
Philosophy and theory in Arabic poetics. (n.d.). Journal of Arabic Literature, 20, 128–129 (preview; author not shown).
Ulwiyah, R. (2023). Existentialism in Arabic literature: Philosophical foundations, models, figures, and criticism. Linguistik: Jurnal Bahasa الجزيرة Sastra, 8(4), 619–627.
Yaacob, S. (2025). The philosophy of Arabic grammar: Its impact on world history and human civilization (Rev. ed.). Batu Caves, Selangor.
** **
مهدي أحسن - جامعة دار الهدى الإسلامية، بنغال الغربية، الهند