حين تجتمع اثنتا عشرة فنانة تشكيلية سعودية في معرض واحد، فإننا لا نقف أمام اثنتي عشرة تجربة فحسب، بل أمام رؤى مختلفة للحياة والإنسان والذاكرة، لكل منها لغتها وأدواتها وخصوصيتها. وهذا ما يقدمه معرض «نون النسوة»، الذي احتضنه غاليري مرسمي للفنون ضمن سلسلة معارض «جسور»، حيث تتجاور التجارب دون أن تتشابه، وتلتقي الرؤى دون أن تفقد هويتها.
والمتأمل في أعمال المعرض يلحظ أن بعض الفنانات اتخذن من المرأة محوراً للتعبير، وأخريات وجدن في الحرف والزخرفة والرمز امتداداً لذاكرة المكان والثقافة، بينما انطلقت تجارب أخرى نحو التجريد والتعبيرية، حيث يصبح اللون والخط والملمس لغة قائمة بذاتها.
فالمرأة، بوصفها موضوعا إنسانيا وجماليا، تحضر في أعمال تغريد البقشي بملامحها المختزلة وعيونها الواسعة، وسط مفردات من الزهور والطيور، في عالم يجمع البراءة بالتأمل، ويمنح التفاصيل البسيطة عمقا وجدانيا، بينما تتناول مهدية آل طالب المرأة من زاوية أكثر ارتباطا بحالاتها الإنسانية، حيث تتداخل الأجساد والملامح مع طبقات اللون والملمس، وكأن اللوحة تستحضر ما تختزنه الذاكرة من مشاعر وتجارب، أما موضي مصلح فتذهب إلى الوجه الإنساني بوصفه مساحة للتأمل، وتمنح ملامحه حضورا غامضا من خلال تراكم الألوان والخامات، حتى يبدو الوجه وكأنه يحمل آثار زمن طويل لا مجرد ملامح عابرة.
وفي اتجاه آخر، تتحول الكلمة إلى عنصر تشكيلي يتجاوز وظيفتها اللغوية، ففي أعمال عواطف المالكي، التي استلهمت قصائد البدر- رحمه الله-، يتداخل الشعر مع اللون والملمس، وتصبح الكتابة جزءا من ذاكرة اللوحة وبنائها الجمالي، وعلى نحو مختلف، تقدم عواطف آل صفوان تكوينات غنية بتشابك الخطوط والمفردات والعناصر المتداخلة، حيث يتشكل إيقاع بصري كثيف يدعو العين إلى التنقل بين التفاصيل واكتشاف علاقاتها.
أما أم كلثوم العلوي فتستحضر المفردات الزخرفية والمعمارية في بناء هندسي على سطح الخشب تتكرر فيه الأشكال وتتجاور الألوان، مستفيدة من روح الزخرفة الإسلامية في صياغة تشكيلية معاصرة، تؤكد أن الموروث يمكن أن يكون منطلقا للتجديد لا مجرد استعادة للماضي.
وعندما ننتقل إلى التجارب التجريدية والتعبيرية، نجد أن اللون والخط يتقدمان على الموضوع المباشر،. ففي عمل د. دعاء الأشعري، ذات الخلفية الأكاديمية في الفنون الإسلامية، يهيمن الأحمر بتدرجاته وطبقاته المتراكمة، ليصنع مساحة بصرية مفتوحة على الإحساس والتأويل بينما تنطلق كواكب عامر نحو تكوينات لونية حرة، تتداخل فيها المساحات والأشكال بعفوية تمنح اللوحة حيوية وإيقاعا خاصا.
وفي أعمال شروق بنت فهد نواجه لغة تعبيرية أكثر حدة واندفاعا، تتقاطع فيها الخطوط والكتل اللونية مع أشكال توحي بكائنات متخيلة، وكأن الفنانة تمنح الانفعال حرية تشكيل الصورة. وتقترب منها صابرين الماجد في قوة الحركة، وإن اختلفت معالجتها، حيث تتشابك ضربات الفرشاة السوداء مع الألوان الترابية، لتصنع تكوينات مشحونة بالطاقة والتوتر البصري يعبر عنها حافر الخيل.
أما وداد الأحمدي فتختار الاختزال، مستثمرة العلاقة بين الأسود والأبيض وآثار الخطوط والملامس، لتمنح الفراغ والصمت حضورا لا يقل أهمية عن الكتلة اللونية، في تجربة تؤكد أن التعبير لا يحتاج دائما إلى كثرة العناصر.
وتنفرد رجاء الشافعي بحضور النحت، حيث تتحول صلابة الرخام إلى أشكال انسيابية تتداخل فيها الكتلة والفراغ، في معالجة تكشف عن حس نحاتة تدرك كيف تمنح المادة الجامدة حركة ومرونة، وكيف تجعل الفراغ جزءا من التكوين لا مجرد مساحة تحيط به.
وما يلفت النظر في هذا المعرض أن اختلاف الأجيال والخبرات والاتجاهات الفنية لم يكن عائقا أمام اجتماع هذه التجارب، بل مصدر ثرائها. فبعض المشاركات يمتلكن تاريخا طويلا من الممارسة والحضور التشكيلي، وأخريات يواصلن البحث عن لغتهن الخاصة، وهو تنوع يمنح المعرض قيمة تتجاوز اجتماع الأعمال في مكان واحد.
ومن الإنصاف الإشارة إلى دور الأستاذ عدنان الأحمد، الذي يقف خلف تنظيم هذا المعرض، وما بذله من جهد في جمع هذه التجارب النسائية وإتاحة الفرصة لعرضها والتعريف بها، فتنظيم المعارض الجماعية لا يقتصر على توفير مساحة للأعمال، بل يتطلب وعيا بأهمية الحوار بين التجارب، وفتح نوافذ جديدة للتواصل بين الفنان والجمهور.
ويبقى «نون النسوة» عنوانا يتجاوز دلالته اللغوية، ليؤكد حضور المرأة السعودية بوصفها فنانة تمتلك رؤيتها وأدواتها وقدرتها على التعبير عن ذاتها ومحيطها. وما بين وجه يستحضر الذاكرة، وحرف يحمل الشعر، وزخرفة تستعيد الموروث، ولون يبوح بما تعجز عنه الكلمات، تتشكل صورة متعددة الأصوات لتجربة تشكيلية نسائية تستحق القراءة والاهتمام.
فالفن لا تزداد قيمته بتشابه التجارب، بل باختلافها، وحين تمتلك كل فنانة صوتها الخاص، يصبح هذا الاختلاف هو أجمل ما يجمعهن.
** **
- رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية