إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
عتبات الإلهام الأولى..
ثمّة فنانون يقفون على سطح الأشياء، يكتفون برسم الظلال العابرة والملامح السطحية للمدن والطبيعة، وهناك صنف آخر نادر من المبدعين ممن يغوصون في أعمق طبقات الوجود ليقتبسوا النبض الحقيقي، وليعيدوا صياغة تفاصيل العالم بفرشاة لا تقلد الظاهر بل تخترقه.
حين وقعت عينا معتز الإمام صدفةً على عبارة على شباكه تقول: «أريد أن أُرسِم كما تغني العصافير»، لم تكن تلك الكلمات بالنسبة له إلهاءً طارئاً أو ومضة عابرة في زحمة الحياة، لكنها كانت اكتشافاً مدهشاً ومطابقة لاسم حقيقي وهُوية فنية ظل يمارسها بالفطرة والحدس منذ الطفولة البكرة.
من تلك اللحظة المشبعة بالدهشة، انطلقت الحكاية وتناثرت تفاصيلها على ضفاف وادي القاش؛ ذلك النهر الموسمي العنيف والجميل، الذي لا يستأذن في مجيئه حين يتدفق، ولا يعتذر لأحد عند رحيله وانحساره.
ومن مدينة كسلا السودانية ، امتدت خطاه وترحاله نحو الخرطوم، ثم حطت رحاله في القاهرة لتسعة عشر عاماً كاملة من التأمل والإنتاج، ومنها إلى غرونوبل الفرنسية ببرودتها وجمالياتها الشمالية، وصولاً إلى محطته الحالية والنابضة بالحياة في العاصمة السعودية الرياض.
وفي رحاب «آي في جاليري» (AV Gallery)، وتحت إشراف تنسيقي للقيم الفني عمر بن محمد العريفي، افتُتح المعرض الشخصي لمعتز الإمام تحت عنوان «كما تغني العصافير» (الممتد خلال الفترة من 10 إلى 31 أكتوبر 2026)؛ ليقدم للجمهور والنقاد تجربة بصرية ووجدانية استثنائية تأسر اللب، وتأخذ المتلقي في رحلة سحرية ممتدة بين جغرافيات الروح، وذاكرة الأنهار، وتحولات المكان.
قراءة تحليلية في الأسلوب الفني
صمت اللوحة وضجيج الطبيعة الحية حين يتأمل الزائر أعمال هذا المعرض يدرك سريعاً أن المدن والمشاهد الطبيعية لا تظهر في لوحات معتز الإمام كمجرد محطات توثيقية جامدة أو نقل فوتوغرافي مكرر إنما تسكن مساحات القماش بصمت بليغ وعميق، تماماً كما يختفي الماء في مسام الأرض العطشى بعد انحسار النهر وجفافه.
في معالجاته البصرية والتقنية، لا يتحول اللون قط إلى أداة باردة لوصف المكان أو تأثيث الفراغ لكنه ينبعث ليصبح صدىً حياً ونابضاً. أمام هذه اللوحات لا ترى النهر بعينك المجردة فحسب إنما تكاد تستشعر هديره الخفي المتردد في صدى الألوان، ولا تلمس النور بصرياً بل تشعر بحرارته تتغلغل ببطء في أعماق الوجدان. وعبر ضربات الفرشاة المتروية، والطبقات اللونية المتداخلة والغنية، والانعكاسات البصرية المختلفة، تتحرر اللوحة تدريجياً من قيد القراءة الأحادية والتفسير المغلق، لتدعو المتلقي إلى التورط الجمالي وتترك له مساحة حرة وشاسعة للاستنتاج والتأويل الشخصي.
تتجلى هذه الفلسفة الجمالية بوضوح تام في الأعمال المعروضة؛ ففي إحدى اللوحات الكبرى ذات الأطياف الخضراء والصفراء المتداخلة، يمتزج نبض الطبيعة الحية بضربات تجريدية قوية تحيل الناظر إلى كثافة الأشجار، وتشابك الغطاء النباتي، واختلاط الضوء الصباحي بالظلال الداكنة، كأنها مقطوعة موسيقية بصرية تتناغم فيها الألوان الحارة والباردة مع أسرار النباتات والأرض الطينية. وفي المقابل، تأخذنا أعمال أخرى نحو عوالم داكنة وعميقة تتمازج فيها درجات الأزرق الليلي والأسود المخملي والرمادي المطفأ بكتل لونية تحمل قدراً عالياً من الدفء الإنساني والتأمل الوجودي، مما يعكس قدرة الفرشاة الواعية على استنطاق السكون وتحويله إلى حركة بصرية نابضة بالحياة.
الرياض.. محطة الإلهام الكبرى وحراك المكان
تكتسب المعارض الفردية في المملكة العربية السعودية، ولا سيما في العاصمة الرياض، أهمية استراتيجية متزايدة باعتبارها محطات إبداعية كبرى تلتقي فيها التجارب الفنية الجادة بالحراك الثقافي المتسارع الذي تشهده البلاد.وما يميز تجربة معتز الإمام في هذا المعرض بشكل استثنائي هو قراره الفني الجريء بأنه اختار أن ينجز جميع أعماله المشاركة في هذا المعرض هنا في الرياض، متخذاً من طاقة المدينة وحراكها الثقافي المتدفّق مناخاً ملائماً ومحفزاً إبداعياً لتبلور هذه المجموعة البصرية المتكاملة. وكما يوضح القيم الفني عمر العريفي: «لا توجد هنا إرشادات معقدة، الدعوة الوحيدة التي نوجهها لك هي: قف أمام اللوحة وقتاً أطول قليلاً مما اعتدت»، وهي دعوة صادقة وحكيمة لإبطاء إيقاع الحياة السريع، والدخول في حوار صامت، عميق، وشبكي مع العمل الفني.
خيار «آي في جاليري»جاء تنظيم واحتضان هذا المعرض النوعي ثمرة رؤية واعية يشرف عليها الأستاذ عبدالله الأحمري، رئيس «آي في جاليري»، الذي حرص بكل دقة على استقطاب هذه التجربة الفنية المميزة ونقلها لتكون متاحة أمام النخبة والجمهور المهتم بالفن في الرياض.
إن احتضان الجاليريهات الوطنية الرائدة لمثل هذه التجارب الفنية الجادة والعميقة، سيما حين يُنتج العمل الفني خصيصاً داخل السياق المحلي وتتفاعل أدواته مع نبض المدينة، يسهم بشكل مباشر وفعال في إثراء المشهد التشكيلي السعودي وتوسيع أفقه. فهو يتيح فرصة حقيقية ومستدامة للتفاعل الخلاق بين الممارسات الفنية المحلية والتجارب العالمية ، ويفتح أبواباً أوسع للحوار الجمالي والثقافي بين الفنانين المحليين وأصحاب التجارب المخضرمة.
محطات من مسيرة معتز الإمام
بين النيل والذاكرة البصرية تستند هذه التجربة الناضجة إلى رصيد فني عريق ومتراكم؛ فمعتز الإمام قادم من بيئة سودانية غنية بالرموز والأساطير المحلية والذاكرة البصرية المفعمة بالحكايات. لقد رافق إيقاع الطبيعة البكر منذ نعومة أظفاره، وتنقل خلال مسيرته بين محطات عربية وعالمية بارزة شملت القاهرة بصخبهها وتاريخها، وصولاً إلى غرونوبل الفرنسية بأجوائها الأوروبية الخاصة، مما ساهم بشكل عميق في صقل أدواته التعبيرية ورفد تجربته بمزيج فني فريد يجمع بين أصالة الجذور ومرونة الحداثة التشكيلية المعاصرة.تُوجت هذه المسيرة الطويلة بالعديد من المعارض والمشاركات المحلية والدولية المهمة التي رسخت حضوره كأحد أبرز الأسماء الفنية التي تعالج قضايا الهوية، والمكان، والتحولات الوجدانية والإنسانية بأسلوب تعبيري خاص يمتلك بصمته المستقلة والمتميزة.
إن معرض «كما تغني العصافير» يمثل تظاهرة بصريّة وفكرية متكاملة تتلاقى فيها ذاكرة المكان والأنهار مع طموح الرياض الثقافي المزدهر، ليقدم للمتلقي مساحة واسعة للتدبر والتأمل في عوالم الألوان والوجدان، مؤكداً أن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يعبر الحدود ليلامس أرواحنا بصمت يشبه غناء العصافير.
** **
X: AL_KHAFAJII