الرياض- خاص بـ«الجزيرة»:
الشيخوخة مرحلة طبيعية من حياة الإنسان، وتحمل معها تغيرات عميقة تتطلب منظومة رعاية متكاملة تشمل الجوانب الاجتماعية، والنفسية، والصحية لضمان العيش بكرامة وجودة حياة عالية.
ولاشك أن الاحتياجات الضرورية لكبار السن، وممن وصلوا إلى الشيخوخة، وبالذات ممن أصيبوا بداء الزهايمر يتطلب الاهتمام بهم نهجًا متكاملًا يجمع بين الرعاية الصحية المستمرة والدعم النفسي والتفاعل الاجتماعي.
«الجزيرة» التقت اثنين من المختصين والمهتمين بهذا الأمر.. فماذا قالوا؟
صيانة الكرامة
يقول الدكتور ماهر بن عبدالغني الحربي أستاذ الفقه والقضاء، رئيس قسم الفقه بكلية الحقوق بجامعة طيبة: يقوم منهج الإسلام في رعاية كبار السن على أصل عظيم، هو: تكريم الإنسان وصيانة كرامته في جميع مراحل حياته، ويتأكد هذا المعنى عند تقدمه في السن وضعف قدراته الجسدية أو الذهنية؛ إذ جعل الإسلام بر الوالدين، والإحسان إلى الكبير، والرحمة بالضعيف، والقيام بحاجته، من أجلِّ القيم والواجبات الأخلاقية والاجتماعية، مشيراً إلى أن هذه المسؤولية تزداد في حق من أصيب بأمراض الشيخوخة، وبخاصة الزهايمر؛ لما يترتب عليه من ضعف الإدراك والذاكرة والحاجة المتزايدة إلى الرعاية والصبر والمرافقة الآمنة.
وتحقيق هذا المنهج النبيل في ظل المتغيرات الحياتية المتسارعة يقتضي ألا تبقى رعاية المسن مسؤولية فردية تتحملها الأسرة وحدها، بل تتحول إلى منظومة تكاملية تتعاون فيها الأسرة والمؤسسات الصحية والاجتماعية والمجتمع؛ فتجمع بين الرعاية الطبية المستمرة، والدعم النفسي، والتواصل الاجتماعي، وتهيئة البيئة المناسبة، مع تدريب أفراد الأسرة ومقدمي الرعاية ومساندتهم.
كما ينبغي الإفادة من التقنيات الحديثة في متابعة كبار السن وحمايتهم وتيسير حياتهم، مع المحافظة على كرامتهم وخصوصيتهم وحقوقهم واستقلالهم بالقدر الذي تسمح به حالتهم.
ومن المهم كذلك تعزيز ثقافة المجتمع تجاه الشيخوخة، بحيث يُنظر إلى الكبير بوصفه صاحب حق ومكانة وخبرة، لا مجرد متلقٍ للرعاية.
وبهذا يتحقق التوازن بين أصالة القيم الإسلامية ومتطلبات الحياة المعاصرة؛ فتغدو رعاية كبار السن، ولا سيما مرضى الزهايمر، ترجمة عملية لمعاني البر والرحمة والوفاء والتكافل، وحفظًا لكرامة الإنسان التي قررتها الشريعة في جميع أطوار حياته.
رعاية الشيخوخة
وشدد الدكتور ماهر الحربي الأستاذ بجامعة طيبة على أهمية إبراز مظاهر رعاية الشيخوخة في الإسلام في جوانب متكاملة -تتجاوز الرعاية المادية إلى حفظ الإنسان في نفسه وماله وكرامته وعلاقاته- منها:
* البر والإحسان وحسن الصحبة: ويتأكد ذلك في الوالدين عند بلوغهما الكبر، قال تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ) [الإسراء: 23]، وفي الآية دلالة ظاهرة على زيادة حقهما عند الضعف والكبر.
* النفقة والرعاية المالية: فقد قرر الفقهاء وجوب نفقة الوالدين المحتاجين على أولادهما القادرين، بما يشمل الطعام والكسوة والسكن وسائر الحاجات الأساسية بحسب المعروف والاستطاعة؛ فلا يُترك المسن للعوز مع وجود من تلزمه نفقته.
* الرعاية الصحية والتداوي: فيدخل علاج المسن وتمريضه والقيام بحاجاته الصحية في حفظ النفس والإحسان الواجب أو المندوب بحسب الحال، ويتأكد عند عجزه عن تدبير شؤونه بنفسه.
* حفظ الكرامة والمكانة الاجتماعية: فقد جاءت الشريعة بتوقير الكبير؛ وفي الحديث: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا» ومن مقتضى ذلك عدم إهانته أو إشعاره بأنه عبء، ومراعاة ضعفه واحترام رأيه واستقلاله ما دام قادرًا على التصرف.
* حماية أمواله وحقوقه: فإذا أدى التقدم في السن أو مرض كالزهايمر إلى اختلال الإدراك، فإن الإسلام يقرر حماية مال الشخص من الضياع والاستغلال، ويجعل التصرف في شؤونه قائمًا على المصلحة والأمانة وحفظ الحقوق، دون أن يكون مجرد كبر السن سببًا لسلب أهليته.
* التخفيف في التكاليف الشرعية: فقد راعت الشريعة حال الكبير وعجزه؛ فالمريض أو العاجز يصلي بحسب استطاعته، وللعاجز عجزًا مستمرًا عن الصيام أحكامه المقررة في الفقه. وهذا يعكس قاعدة عامة هي أن التكليف مناط بالقدرة والاستطاعة.
* الرعاية الأسرية والاجتماعية: فالأصل ألا يُعزل المسن عن أسرته ومجتمعه، بل يحاط بالصحبة والمواساة وصلة الرحم. ويمكن للمؤسسات المتخصصة المعاصرة أن تشارك الأسرة في الرعاية عند الحاجة، بما يحقق مصلحة المسن ويحفظ كرامته.
* رعاية فاقد الإدراك، ومنه مريض الزهايمر: وهذه من أبرز التطبيقات المعاصرة؛ فكلما تأثر الإدراك تأثرت الأحكام المتعلقة بالأهلية والتصرفات المالية والتكاليف الشرعية بحسب درجة المرض، مع بقاء كرامة الإنسان وحقه في الرعاية والحماية مصونين.
وخلاصة منهج الإسلام: أن رعاية الشيخوخة ليست مجرد إحسان اجتماعي، بل تتداخل فيها حقوق وواجبات شرعية، هي: البر، والنفقة، وحفظ النفس، وصيانة المال، وحماية الكرامة، ومراعاة الأهلية والاستطاعة.
وهذا يوفر أساسًا قويًا لبناء منظومة معاصرة متكاملة لرعاية كبار السن، وبخاصة المصابين بالزهايمر.
رعاية خاصة
وتؤكد الدكتورة شيماء بنت علي جنيدي استشارية أمراض المخ والأعصاب بالرياض أن العناية والرعاية بالشيخوخة تكمن أهميتها في الحفاظ على استقلالية كبار السن، وتحسين جودة حياتهم، والوقاية من الأمراض المزمنة، وتتنوع حالة المسن في مرحلة الشيخوخة، فمنهم من يتمتع بصحة جيدة، ومنهم من يعاني المرض، ويحتاج إلى رعاية خاصة.
التشخيص المبكر
وشددت الدكتورة شيماء جنيدي استشارية المخ والأعصاب بالرياض على أهمية التشخيص المبكر لمرض الزهايمر الذي يصيب كبار السن، وهو السبب الأكثر شيوعاً لخرف الشيخوخة في الكبار ويزداد معدل الإصابة ويتضاعف بزيادة العمر، مشيرة إلى أن النسيان هو أهم وأشهر أعراض الزهايمر حيث قد يلاحظ الأهل تكرار الأسئلة من المريض عن نفس الشيء تكرار الحديث أو نسيان الأدوية وحتى تناول الوجبات فقد يتناول الفطور ويعود ليطلبه بعد قليل ظنا منه أنه لم يتناول طعامه، وكذا نسيان المواعيد، وفي بعض الحالات يحدث صعوبة في الكلام واضطرابات لغوية، ومشكلات وصعوبة في إدارة الأمور الحياتية اليومية مثل: العمليات الحسابية البسيطة وحتى الطبخ وتنسيق الملابس، مفيدة على أنه قد ظهر في الآونة الأخيرة أدوية جديدة لعلاج الزهايمر والتي صممت لتمنع تراكم البروتين المسبب للمرض داخل الخلايا العصبية.
نجاح العقاقير
وقالت الدكتورة شيماء جنيدي استشارية المخ والأعصاب بالرياض: قد يهمل البعض الأعراض ظنا منهم انها تطور طبيعي مع العمر، والبعض الآخر ظنا انه لا يوجد علاج للمرض حيث تركز العلاج في الماضي على علاج الأعراض والمضاعفات مع وجود أدوية قليلة لتحسين الذاكرة نسبيًا، لكن أثبتت الدراسات الحديثة نجاح العقاقير الجديدة في تقليل تسارع المرض بنسبة كبيرة مما يساهم بصورة كبيرة في تحسين جودة الحياه لدى المرضى وتأخير الاعتماد على الآخرين ومن ضمن شروط تناول العلاج الجديد أن يكون المريض في مراحل مبكرة للمرض أو حتى في مرحلة ما قبل خرف الشيخوخة أي نسيان مرضي ولكن لم تتأثر أنشطة المريض اليومية.
مرض الزهايمر
وكشفت الدكتورة شيماء جنيدي استشارية المخ والأعصاب بالرياض عن الفحوصات المطلوبة قبل البدء بالعلاج، للتأكد من أن خرف الشيخوخة أو النسيان ناتج عن مرض الزهايمر حيث قد تتشابه الأعراض مع بعض الأمراض الأخرى، ومن ذلك، عمل الرنين المغناطيسي على المخ وتحليل بروتين الاميلويد في سائل الدماغ والتصوير المقطعي بالصدار البوزيتروني للاميلويد، ويتم المتابعة بالرنين المغناطيسي بصفة دورية أثناء تناول العلاج، ومن هنا كانت أهمية الانتباه إلى الأعراض البسيطة والتوجه إلى طبيب المخ والأعصاب للتشخيص المبكر ومعرفة سبل العلاج.