عبدالوهاب الفايز
والآن بدأنا نعي أن العواصف العاتية لرياح التواصل الاجتماعي، التي تهب علينا في دول الخليج، ربما تكون تهديدا وجوديا جديدا لمكتسبات الوحدة الخليجية. وخوفنا على هذه الوحدة بالتأكيد يوازي تطلعات الأجيال التي سبقتنا وحلمت بها.
بعض هذا الحلم الخليجي تجده في القصيدة الرائعة للشاعر الكويتي الراحل الكبير محمد الفايز (مذكرات بحار). حرارة الأحداث أعادتني لهذه القصيدة، وعدت أيضا إلى عالم الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني، وبخاصة قصيدته (لص في منزل شاعر).
ولا أدري لماذا اجتمعت هاتان التجربتان الشعريتان في ذاكرتي، ربما لأننا نعيش زمناً تكاد تختلط فيه أصوات العواصف بأصوات البشر، وفيه الكلمات أحياناً أشد إيذاءً من قساوة الرياح على القبطان!
كان محمد الفايز شاعراً منحازاً إلى الإنسان، كارهاً للحرب والعنف، وله ديوان عنوانه (تسقط الحرب!). وفي (مذكرات بحار) نستعيد عالماً خليجياً قديماً، كان الإنسان فيه يصارع البحر من أجل الحياة، ويعود محملاً بالتعب والأمل، باحثاً عن الأمان بين أهله. يقول في مذكرات بحار:
«البحرُ أجمل ما يكون
لولا شُعوري بالضياع
لولا هروبي من جفاف مدينتي الظمأى وخوفي
أن أموت
عريان في الأعماق أو في بطن حوت
إني أحاذر أن أموت
لما أفكر أن لي بيتاً ولي فيه عيال
لما أحسّ بأن في الدنيا جمال».
أما البردوني، فقد حمل في شعره أوجاع اليمن وتناقضاته، وصوّر ببصيرته الشعرية مأساة الإنسان حين تضيق به الحياة في وطنه، كانّه يخاطب الحوثي لص هذه الأيام:
«لم تسلب الطين السكون
ولم ترع نوم الحجارة
كالطيف جئت بلا خطى
وبلا صدى وبلا إشارة
أرأيت هذا البيت قزماً
لا يكلفك المهارة؟
فأتيته ترجو الغنائم
وهو أغرى من مغارة».
***
اليوم، تواجه دول الخليج العربية زوابع غريبة، لا تأتي كلها من البحر أو الصحراء، وإنما تهب من (فضاءات التواصل الاجتماعي)، محملة بالسباب والتحريض والمعلومات المضللة، حتى يبدو أحياناً أن هناك من يريد تحويل كل اختلاف بسيط عارض إلى خصومة، وكل حادثة إلى أزمة، وكل أزمة إلى شرخ بين شعوب عاشت قروناً يجمعها الدم والتعايش والمصاهرة والمصالح المشتركة.
وفي اليمن، حيث كتب البردوني أجمل ما كتب عن الإنسان والوطن، تستمر مأساة الحرب والانقسام، وتستحضر صورة اللص في منزل الشاعر سؤالا مؤلماً: ماذا يبقى للإنسان حين يشعر بأن وطنه وتاريخه وأحلام أبنائه أصبحت جميعها مهددة؟ لقد أدت الحرب التي يخوضها الحوثي، وما رافقها من صراعات وتدخلات، إلى تعميق مأساة اليمنيين، حتى أصبح البحث عن الأمان والحياة الطبيعية حلماً يتوارثه جيل بعد جيل.
أمام هذه المشاهد، لا أجد ملاذاً فكرياً أكثر طمأنينة من العودة إلى تاريخ شعوبنا، وليس المقصود الاحتماء بالماضي من الحاضر، أو الاستسلام للحنين إلى أيام مضت، وإنما لاستعادة ذاكرة الأمن والاستقرار اللذين نعيشهما، فحين أُعلن قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، وجد أبناء الخليج هذا الكيان كـ (الخيمة الكبيرة) التي تجمعهم، وصورة الخيمة في وجداننا الجمعي لها وقع خاص؛ فالخيمة لدى أبناء الصحراء ليست مجرد سقف من قماش، وإنما مأوى يحمي من العواصف، ومكان يجتمع فيه الأهل، ورمز للتكافل حين تشتد الظروف.
لم يبدأ التقارب بين شعوب الخليج يوم تأسس المجلس، فقد سبقته قرون من الحراك الإنساني والتجاري بين السواحل والمدن والواحات، وكانت العائلات تمتد بين البلدان، والأسواق تجمع التجار، والبحر يحمل الناس والبضائع والأسرار وحكايات الذين (طبعوا) المؤلمة. وجاء مجلس التعاون ليمنح هذه الروابط التاريخية إطاراً مؤسسياً، وليفتح أمام الشعوب آفاقاً أوسع من التعاون والتكامل، وهنا كما يقول شاعر الكويت: (ارى لافحات الرمل أمست حدائقًا).
وخلال العقود الماضية، أصبحت العلاقات الخليجية أكثر تشابكاً في الاقتصاد والتعليم والعمل والتنقل والاستثمار، ومع اختلاف السياسات والمصالح الوطنية أحياناً، بقيت حقيقة أساسية: أن ما يجمع شعوب الخليج أكبر وأعمق من الخلافات العابرة، وهذه ليست عبارة عاطفية نعلل النفس بها تجملا، وإنما حقيقة اجتماعية يمكن قراءتها في العلاقات الأسرية والمصالح الاقتصادية والامتداد الثقافي المشترك.
لكننا اليوم أمام ظاهرة، بل عاصفة، تستحق التوقف والتأمل وسرعة التحرك، فبينما تتطور أدوات التعاون الرسمي وتتسع المصالح المشتركة، نجد بعض ساحات التواصل الاجتماعي تفتعل معارك جانبية، وتتحرك في الاتجاه المعاكس، حسابات مجهولة، وأخرى معروفة تتبادل الاتهامات والإساءات، وتعيد نشر وقائع خارج سياقاتها، وتستدعي أحداث الماضي لإثارة الخصومات وخلط الأوراق، مما يصعب التمييز بين الأمور الصحيحة وبين ضجيج المرجفين.
وهنا ينبغي عدم الخلط بين حرية التعبير والمناقشة المشروعة للسياسات وبين التحريض على الشعوب، فمن الطبيعي أن تختلف الآراء حول القرارات والمواقف السياسية والاقتصادية، بل إن الاختلاف الواعي جزء من حيوية المجتمعات، وقد يكون في الاختلاف رحمة، أما تحويل الخلاف إلى إساءة جماعية، أو استخدام التاريخ لإنتاج الكراهية، فهو أمر آخر تتجاوز آثاره حدود النقاش إلى الإضرار بمصالح الشعوب.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أن المنصات الرقمية لا تعمل دائماً وفق المنطق الذي يتصوره الناس، فقد يعتقد المتابع أنه يشاهد حالة عفوية لاتجاهات الرأي العام، بينما ما يصله هو نتاج عمليات مرتبة وانتقاء وتوصية تحددها الخوارزميات، وغالبا يُدفع بالمحتوى الذي يثير الغضب والاستفزاز للحصول على تفاعل وانتشار واسع، وقد يأتي من يعتقد أن هذا التضخيم للأحداث والمواقف يعكس رأي الأغلبية!
وتزداد المشكلة تعقيداً حين تدخل المصالح المالية في صناعة المحتوى. فبعض نماذج تحقيق الدخل تكافئ كثافة المشاهدة والتفاعل، وبعض صناع المحتوى يتعمد (إثارة الخصومات) لأنها الأسرع في جذب الجمهور من النقاش العقلاني، وهكذا يصبح (تأزيم الأحداث) نشاطاً يحقق المكاسب المالية، وتتحول الإساءة إلى وسيلة فعالة في جذب الانتباه، وليس معنى ذلك أن كل خلاف رقمي مصطنع أو مدفوع الثمن، ولكن بنية المنصات مصممة لتمنح الأصوات الأكثر استفزازاً حضوراً يفوق حجمها الحقيقي في المجتمع. هذه المسألة تطرح سؤالا يتجاوز مسؤولية الأفراد إلى مسؤولية الحكومات، فإذا كانت دول مجلس التعاون قد نجحت في بناء أطر للتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، فهل نمتلك اليوم تصوراً مشتركاً لحماية العلاقات الاجتماعية بين شعوبنا في البيئة الرقمية؟ وهل نعرف من خلال الدراسات والقياسات العلمية، حجم التأثير الفعلي لهذه الحملات في اتجاهات الأجيال الجديدة نحو بعضها؟
لا أعتقد أن الحل يكون في إسكات الأصوات المختلفة، أو في ملاحقة كل رأي حاد مخالف للقوانين والأعراف، فهذا لا يعالج أصل المشكلة. دول المجلس تحتاج الانتقال من (ردود الفعل المتفرقة) وذهنية إدارة الأزمة إلى: أولا، عمل مؤسسي طويل المدى مدعوم بالبحث العلمي، وبالتربية الإعلامية.
وثانيا، عبر تعزيز التواصل المباشر بين شباب الخليج. وثالثا عبر تطوير (المحتوى الاعلامي الإيجابي) الذي يُعرّف الشباب بتاريخها المشترك ومصالحها المستقبلية.
ويمكن لمجلس التعاون أن يفتح مساراً جديداً للعمل المشترك في هذا المجال تتشارك فيه الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الإعلامية والثقافية، والهدف: دراسة البيئة الرقمية الخليجية، وفهم اتجاهاتها، ومعرفة مصادر التضليل فيها، فليس من الحكمة أن تُبنى السياسات والمواقف على الانطباعات وحدها، كما ليس من الحكمة تجاهل ظاهرة لمجرد الاعتقاد بصعوبة قياسها.
والأهم من مواجهة الحسابات المسيئة هو (تقوية المناعة الاجتماعية)، فالشعوب التي تعرف تاريخها المشترك، وتفهم مصالحها المتبادلة، وتمتلك القدرة على التمييز بين الخبر والدعاية، لا تنجر بسهولة وراء محاولات الاستفزاز. إن بناء الوعي المشترك أكثر استدامة من الاكتفاء بمواجهة كل إساءة بعد انتشارها.
وهنا أعود إلى صورة الخيمة الخليجية التي حضرت في وجدان أبناء المنطقة عند تأسيس المجلس، لقد قامت هذه الخيمة على روابط أقدم من المؤسسات، وتعززت خلال عقود من العمل المضني المشترك، وهي اليوم تواجه رياحاً جديدة تختلف عن عواصف البر والبحر التي عرفها الآباء والأجداد؛ رياحاً لا نراها، لكنها تصل إلى كل بيت، وتحضر في هواتف أبنائنا وبناتنا، وتؤثر في الطريقة التي ينظرون بها إلى جيرانهم وإخوانهم.
ولذلك فإن السؤال الذي نطرحه بين يدي قادة دول مجلس التعاون ليس سؤالا عن قدرتهم على مواجهة حسابات التواصل الاجتماعي، وإنما عن مستقبل الوعي الخليجي المشترك: هل نترك مستقبل العلاقات بين شعوبنا يتشكل تحت تأثير الخوارزميات والمزايدات الرقمية، أم نجعل حمايتها وتنميتها (جزءاً أصيلاً) من مشروع التعاون الخليجي؟
لقد كان الأمن والأمان والاستقرار حلماً لأجيال طويلة من أبناء هذه المنطقة، ومن حق الأجيال الجديدة أن ترث هذا الإنجاز، وأن تضيف إليه، لا أن تجد نفسها مطالبة بالدفاع عنه كل يوم في معارك افتراضية لا تعرف من بدأها، ولا من يستفيد من استمرارها.
فالخيمة التي تجمعنا لا يكفي أن تكون قوية الأوتاد، بل تحتاج أن يبقى أهلها مؤمنين بقيمة الاجتماع تحتها، لقد نجح المجلس في بناء التعاون بين الدول، لكنه يحتاج اليوم إلى مشروع موازٍ لتعميق الوعي بالتكامل بين الشعوب، خصوصاً لدى الأجيال الجديدة التي تترقب مستقبل بلادها، كما حلم أجدادهم بعودة البحار، وكما عبر عنها شاعر الكويت:
«يا جارتي سيعود بحاري المغامر
سيعود من دنيا المخاطر
ولسوف تُغرقني هداياه الكثيرة
العطر، والأحجارُ، والماءُ المعطرُ، والبخور
ولقاؤه لما يعود كأنه بدر البدور
وتظل تحلم والحياة
حلم يجول بلا نهاية
وبلا بداية».