عندما نتحدث عن الدراسة، يتبادر إلى الأذهان فوراً الحفظ، والاختبارات، والمعدلات التراكمية. لكن التجربة الطلابية الحقيقية أوسع من ذلك بكثير؛ فالتعليم ليس مجرد حشو للعقول بالمعلومات، بل هو بناء للإنسان. من هذا المنطلق، نرى كطلاب أن العمل التطوعي هو الضلع المكمل للتعليم العام والأكاديمي، والنافذة التي نطل منها على العالم الحقيقي لنصنع فرقاً ونكتشف من نكون.
في البداية، يُمثل التطوع بالنسبة للطالب مساحة حرية لتجربة الواقع؛ ففي أروقة التطوع، نتحرر من قيود الإجابات النموذجية ونواجه تحديات حقيقية. هنا نتعلم كيف نقود فريقاً، وكيف نتواصل بذكاء مع أنماط شخصية مختلفة، وكيف نحل المشكلات الطارئة بمرونة. هذه «المهارات الناعمة» هي العملة الحقيقية التي تبحث عنها كبرى الشركات اليوم، والتطوع يمنحنا إياها مجاناً وفي قالب عملي وممتع يزيد من قيمة سيرتنا الذاتية قبل التخرج.
علاوة على ذلك، يكسر التطوع رتابة الحياة الدراسية وضغوطها المستمرة. إنه يمنحنا شعوراً عميقاً بالإنجاز والقيمة الذاتية؛ فعندما نرى ابتسامة طفل ساعدناه في فهم درس، أو نساهم في تنظيف مرفق عام، أو ننظم حدثاً ثقافياً ناجحاً، ندرك أن طاقاتنا الشبابية قادرة على تحريك مجتمعاتنا نحو الأفضل. هذا الشعور يرفع من تقديرنا لذواتنا ويحمينا من الاحتراق النفسي الناتج عن ضغط المذاكرة، ويوسع شبكة علاقاتنا مع أشخاص يشاركوننا نفس الشغف والمبادئ.
في النهاية، يمكن القول إن التطوع من وجهة نظر الطالب هو أفضل استثمار في الذات؛ فهو يحولنا من مقاعد المستمعين والمستهلكين للمعلومة إلى منصة الفاعلين والمؤثرين في المجتمع. إنها تجربة تصقل العقل، وتُهذب الروح، وتجعل من سنوات الدراسة رحلة حافلة بالذكريات والمواقف التي تصنع منا قادة المستقبل.
** **
- محمد بن بندر المدرع