أ.د.صالح معيض الغامدي
على الرغم من أن عنوان هذه الورقة قد لا يُبدي أي صلة بالسيرة الذاتية التي أنا مهتم بها كثيرًا في بحوثي ودراساتي، إلا أنه في الحقيقة متصل بها، على الأقل من جانب واحد؛ فهو مرتبط بتجربة بحثية ذاتية تخصني، كنت قد قمت بها عام 1428هـ، عندما طُلب مني المشاركة في الكتابة عن الحركة الثقافية والأدبية في منطقة الباحة ضمن «موسوعة المملكة العربية السعودية» التي أعدتها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في 20 مجلدًا. عندها أدركت قيمة الدراسات الأدبية والثقافية التوثيقية وأهميتها، بعد أن كنت، مثل كثير من الدارسين، أقلل من أهمية هذا النوع من الدراسات، بل ربما أنظر إليها نظرة دونية، مقارنة بالدراسات التي تسمى فنية وإبداعية وتنظيرية، وما إلى ذلك من الأوصاف الأخرى التي تعلي من شأنها. والحقيقة أن هذه المقابلة بين الدراسات التوثيقية والدراسات الفنية بهذا المعنى مقابلة مغلوطة في كثير من جوانبها؛ لأنها تحاول إنكار وجود الإبداع في الدراسات التوثيقية، وهو أمر غير صحيح.
وتعريف الدراسة أو البحث التوثيقي، كما تتبناه هذه الورقة، هو ببساطة:
«البحث الذي يستعمل الوثائق الشخصية والرسمية بوصفها مواد مصدرية، ويتضمن ذلك الوثائق المكتوبة أو المخطوطة بشتى أنواعها، مثل الكتب والمقالات والببليوغرافيات والموسوعات والصحف والمجلات، وبخاصة القديمة، والسير الذاتية ذات المنحى التوثيقي، كما تشمل هذه المواد كذلك المستندات والمقابلات الشخصية والصور والتسجيلات والفيديوهات وغيرها من المحفوظات الإلكترونية الأخرى».
ولهذا السبب فضلت استعمال مصطلح «توثيقية» في العنوان عوضًا عن المصطلح الذي يُستعمل كثيرًا، وهو «الدراسات الوثائقية»، التي تعتمد على ما هو مكتوب فقط.
ومن المهم التمييز هنا بين نوعين من الدراسات التوثيقية؛ النوع الأول هو الذي يركز على جمع الوثائق المختلفة، والآخر هو الذي يتضمن تحليلًا نظريًا ونقديًا شاملًا. ونحن معنيون هنا بهذا النوع الثاني، الذي يحتوي على تحليل نظري (ولو كان بسيطًا) ونقدي، يقود إلى تفسير الوثائق المجموعة في سياق أدبي أو ثقافي محدد وتقييمها. فالتحليل التوثيقي هو نوع من أساليب البحث التي تتضمن التحقيق والتحليل المنهجي للوثائق بكل أشكالها التي أشرنا إليها قبل قليل.
وتُعد الدراسات التوثيقية مهمة في تقديم رؤى حقيقية وقيّمة في مختلف جوانب الحياة والتاريخ والثقافة والمجتمع، حتى وإن لم تلتزم بالأطر النظرية الرائجة؛ فهي تقدم منظورًا جديدًا غير مشوَّه أو معدَّل، يمكن أن يكون مفيدًا ومحفزًا على التفكير، ومساهمًا في فهمنا للعالم من حولنا. وقد يوظف الدارس التوثيقي في دراسته بعض ما نجده في النقد التكويني والنصي من قضايا تتعلق بأصول النصوص أو الوثائق وأصالتها.
وقد طرح بعض الدارسين أربعة معايير مهمة لتقييم الوثائق ودراستها، وهي: الأصالة (كاملة غير مزورة، إلخ)، والمصداقية (التحقق من صدقها ومدى دقتها)، والتمثيل (أي أنها عينة ممثلة لمجموعة الوثائق الأخرى)، والمعنى (أي القدرة على تفسيرها وتأويلها من خلال السياق الذي وردت فيه). وفي حالتنا هذه، يكون السياق سياقًا أدبيًا ثقافيًا.
وتكمن أهمية الدراسات التوثيقية في عدة أمور، لعل من أهمها ما يلي:
1. تتضمن الدراسات الأدبية الوثائقية فحص أنواع مختلفة من الوثائق وتحليلها، مثل الرسائل والمذكرات والمخطوطات والنصوص الأخرى. وتساعد هذه الدراسات في الحفاظ على السياق التاريخي الذي أُنتجت فيه هذه الوثائق، وتقدم نظرة ثاقبة عنه.
2. يمكننا من خلال دراسة الوثائق والمحفوظات الحصول على فهم أعمق للثقافات والمجتمعات والفترات التاريخية المختلفة، كما تساعدنا الدراسات الأدبية الوثائقية على تقدير قيم الأشخاص المختلفين ومعتقداتهم وتجاربهم عبر التاريخ.
3. تؤدي الدراسات الأدبية الوثائقية أيضًا دورًا حاسمًا في تحليل المؤلفات والأعمال الأدبية من خلال فحص المخطوطات والمسودات والوثائق الأخرى ذات الصلة، وتمكّن العلماء من الحصول على رؤى قيّمة حول العملية الإبداعية للمؤلف وتطور أعماله.
4. توفر الوثائق والمستندات السياق التاريخي والاجتماعي، وكذلك المعلومات الأساسية للأعمال الأدبية. ومن خلال دراسة الوثائق ذات الصلة، يمكن للعلماء أن يفهموا بشكل أفضل التأثيرات والدوافع والنوايا التي تكمن وراء إنشاء نصوص أدبية محددة.
5. تستلزم الدراسات الأدبية الوثائقية غالبًا التعاون مع خبراء من مختلف المجالات، مثل التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع واللغويات. ومن شأن هذا النهج البيني متعدد التخصصات أن يقوي الجهود البحثية ويثريها، ويؤدي إلى فهم أكثر شمولًا لكل من الأدب والتاريخ.
أما أهمية هذه الدراسات التوثيقية بالنسبة للدارسين الجدد أو الدارسين المرتقبين، فيمكننا الإشارة إلى أهمها فيما يلي:
1. تساعد الدراسات التوثيقية الباحثين الجدد على الحفاظ على الجوانب المختلفة للتاريخ والثقافة والمجتمع وفهمها، وذلك من خلال دراستهم للوثائق الأصلية والأعمال الأدبية والمصنوعات اليدوية، التي توفر لهم نظرة ثاقبة للأحداث والمعتقدات والممارسات الماضية، والتي يمكن أن تساعدهم كذلك على فهم حاضرهم بشكل أفضل وتشكيل مستقبلهم.
2. تسمح الدراسات التوثيقية لهم بالتحليل النقدي وتفسير النصوص والمواد الثقافية، وهذا يساعدهم على كشف المعاني الخفية، وتحدي الروايات السائدة، والتفاعل مع وجهات نظر متنوعة، مما يؤدي إلى فهم أعمق للتجارب والهويات البشرية.
3. تشجع الدراسات التوثيقية فضولهم الفكري وأبحاثهم الأكاديمية، وذلك من خلال استكشاف المصادر الأولية والتعامل مع المواد الأصلية، وتمكّنهم من تحقيق اكتشافات جديدة، وتطوير نظريات مبتكرة، والمساهمة في تقدم المعرفة في مختلف المجالات.
4. تعمل الدراسات التوثيقية على تعزيز التقدير والتنوع الثقافي في نفوسهم من خلال اطلاعهم على التقاليد الأدبية المختلفة، والتعبيرات الفنية، والسياقات التاريخية. وتجعلهم قادرين على تفهّم الثقافات والفترات الزمنية، وتمكّنهم من تعزيز التفاهم بين الثقافات والتعاطف والتقدير لتعقيدات الإبداع والتعبير البشري.
5. تمكّنهم من توثيق الأعمال الأدبية والثقافية للحفاظ على تاريخ المجتمعات وتقاليدها المختلفة. وهذا التوثيق يضمن عدم ضياع الأعمال المهمة بمرور الوقت، ويساعد الأجيال القادمة على فهم السياق الثقافي الذي أُنشئت فيه هذه الأعمال.
ولا بد أن أشير هنا إلى أنني لست ضد الدراسات النظرية أو الفنية، فأنا أول المنخرطين فيها، ولكني فقط أحببت أن أشير إلى أنها ليست كل شيء في مجال الدراسات الأدبية والثقافية، بل هناك دراسات توثيقية لا تقل أهمية عن هذه الدراسات الفنية أو النظرية، بل إن بعض هذه الدراسات الفنية لم يكن لها أن توجد وتزدهر لولا وجود دراسات توثيقية سبقتها.
ولنا أن نتخيل وضع الدراسات الأدبية والثقافية المتصلة بالأدب السعودي عمومًا، والسيرة الذاتية على وجه الخصوص، دون وجود دراسات الدكتور عبدالله الحيدري التوثيقية المهمة، أو دون وجود دراسات الدكتور غيثان الشهري فيما يتصل بالتاريخ الثقافي والأدبي في منطقة عسير، بل في الجنوب كله، أو الدراسات التوثيقية والوثائق التاريخية التي أعدها الأستاذ علي السلوك، رحمه الله، فيما يتعلق بالحالة الأدبية والثقافية في منطقة الباحة، أو غيرهم من النقاد والعلماء والمؤرخين في مناطق المملكة المختلفة الأخرى!
ولعل من المهم (والطريف أيضًا) أن نشير في هذا السياق إلى أن الدراسات النظرية ذاتها تواجه اليوم تراجعًا في بعض الأوساط النقدية؛ فقد ظهرت عدة كتب نقدية تحمل عناوين من مثل «ما بعد النظرية» أو «ضد النظرية» أو حتى «موت النظرية». وقد رأى بعض الدارسين أن عناوين هذه الكتب (كما ذكرت في تغريدة سابقة لي)، التي تستعمل مصطلح «ما بعد النظرية» وما شابهه، تعني لمؤلفيها إما العودة إلى القراءة النقدية الشكلانية، أو إلى القراءة التقليدية للنصوص الأدبية، أو تعني في حقيقة الأمر إنعاش التراث البحثي الأدبي المتضجر من النظرية أو غير المكترث بها!
وأود أن أشير في نهاية هذه الورقة أيضًا إلى ما كتبه رينيه ويليك في نهاية موسوعته النقدية المشهورة «تاريخ النقد الأدبي الحديث» في ثمانية مجلدات، إذا لم تخنّي الذاكرة، من أنه على الرغم من كل النظريات والمدارس النقدية الحديثة التي عرّف بها واستعرضها، فإن الحاجة ستظل قائمة إلى تحقيق النصوص، ومقارنة نسخها المخطوطة المختلفة، ودراسة المصادر، والبحث في صحتها، وما إلى ذلك من أبعاد الدراسات التوثيقية المعروفة!