يقول الحوثي إنه يناصر غزة، ويتحدث عن القدس وفلسطين وكأنه حارس الأمة الإسلامية والمدافع الوحيد عن كرامتها، ويرفع الشعارات الرنانة في كل خطاب، حتى أصبح بعض الناس يسمعون صوته أكثر مما يرون حقيقة أفعاله، فإذا كان حقاً ينصر المظلومين في غزة، فلماذا يُحاصر أبناء تعز؟ وإذا كان يدافع عن القدس، فلماذا يقصف بالصواريخ والمسيرات مكة المكرمة والمدينة المنورة، وإذا كان يدافع عن الفلسطينيين فلماذا يدفع اليمنيون إلى المحارق والقتل وثمن صراعاتهم من دمائهم وأمنهم واستقرارهم؟
أيُّ منطقٍ هذا الذي يجعل غزة حاضرة في الخطب، وتعز حاضرة في المعاناة؟ وأيُّ عدالةٍ هذه التي ترفع شعار نصرة المظلوم في مكان، بينما يعيش أبناء الوطن الواحد تحت وطأة الحصار والخوف والحرمان في مكان آخر؟
تعز التي عانت الحصار والقصف وسقوط الضحايا المدنيين، أليست جزءاً من هذا الوطن؟ أليس أطفالها ونساؤها وشيوخها من البشر الذين تستحق دماؤهم الحماية وكرامتهم الاحترام؟ أم أن المظلوم لا يستحق النصرة إلا إذا كان بعيداً عن حدود الصراع الذي يخدم الشعارات السياسية؟
ثم نأتي إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، أطهر بقاع الأرض وأعظمها مكانةً في قلوب المسلمين، ونتساءل، كيف يمكن لمن يرفع راية الدفاع عن المقدسات أن يقبل بتعريض أمن الحرمين الشريفين والمناطق المحيطة بهما للخطر، أو أن يبرر استهداف المطارات المدنية والمنشآت التي يستخدمها المسافرون والآمنون لزيارة قبلة المسلمين ومقدساتهم؟ إن مكة ليست ساحة لتصفية الحسابات، والمدينة ليست ورقة ضغط سياسي، والمطارات المدنية ليست أهدافاً مشروعة لمجرد أن الصواريخ والطائرات المسيّرة تحمل شعارات أصحابها فالمقدسات لا تُصان بالشعارات، ودماء المسلمين لا تصبح رخيصة حين يكون القاتل من أبناء جلدتهم.
ولنطرح الأسئلة التي يخشى البعض مواجهتها كم إسرائيلياً قُتل نتيجة هذه المواجهات؟ وكم يمنياً دفع حياته ثمناً لحرب لم يخترها؟ وكم مسلماً سقط في صراعات المنطقة، وكم طفلاً أصبح يتيماً، وكم أمّاً وقفت على قبر ابنها، وكم أسرةً فقدت منزلها وأمانها؟ إن دماء الإسرائيليين ليست مباحة لمجرد أنهم إسرائيليون، كما أن دماء اليمنيين والفلسطينيين والسعوديين وسائر المسلمين ليست أقل قيمةً أو حرمة، والعدالة الحقيقية لا تُقاس بجنسية الضحية، ولا بموقفها السياسي، بل بحق الإنسان في الحياة والأمان.
إذا كان الحوثي يريد إقناع العالم بأنه نصير المستضعفين، فليبدأ بإثبات ذلك في اليمن وتعز، فالنصرة الحقيقية لا تكون باحتكار القضية الفلسطينية، ولا بتحويل معاناة غزة إلى خطاب سياسي دائم، ولا بجر اليمنيين إلى مواجهات يدفعون أثمانها من أرواحهم وأرزاقهم ومستقبل أطفالهم النصرة الحقيقية تبدأ برفع الظلم عن أبناء الوطن، ووقف استهداف المدنيين، واحترام حق الناس في الحياة، والكف عن تحويل البلاد إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.
غزة لا تحتاج إلى مزايدة على مأساتها، والقدس لا تحتاج إلى شعارات تُقال على المنابر بقدر ما تحتاج إلى مواقف صادقة، وتعز لا تستحق أن تُترك وحيدة أمام معاناتها، واليمن ليس وقودًا لحروب الآخرين، ومن أراد أن يقنع الأمة بأنه يدافع عن كرامتها، فعليه أن يقدم الدليل في أفعاله قبل أقواله، وأن يثبت أن حياة الإنسان عنده أغلى من الحسابات السياسية والعسكرية.
لسنا ضد نصرة غزة، بل نحن مع نصرتها بكل موقف إنساني صادق، ولسنا ضد الدفاع عن القدس، بل نؤمن بأنها قضية عادلة في وجدان الأمة، ولسنا مع استهداف المدنيين أو انتهاك المقدسات أيًّا كان مرتكب ذلك، لكننا نرفض أن تتحول هذه القضايا العادلة إلى غطاءٍ لتبرير معاناة اليمنيين، أو إلى وسيلة لإسكات الأصوات التي تسأل عن الحصار والدمار والضحايا، فلسطين ليست ملكًا لأحد، والقدس ليست حكراً على جماعة، والإسلام ليس شعاراً سياسياً، واليمنيون ليسوا أرقاماً في سجلات الحروب.
في النهاية، سيبقى السؤال الذي ينبغي أن يسمعه كل من يرفع شعار نصرة المظلومين إذا كانت نصرة غزة واجباً، أليست نصرة تعز واجباً ؟ وإذا كان قتل المدنيين في فلسطين جريمةً تستحق الإدانة، أليس قتل المدنيين في اليمن جريمةً تستحق الإدانة ذاتها؟ وإذا كانت دماء المسلمين مقدسة، فلماذا تختلف قيمة هذه الدماء باختلاف المكان والهوية والجهة التي تقف وراء السلاح؟
إن من يريد أن يكون نصيراً للمظلومين، فعليه أن يكون نصيراً لهم جميعاً، لا أن يختار من يستحق الحياة وفقاً لمصالحه، ومن يستحق المعاناة وفقاً لحساباته، فالمواقف العظيمة لا تصنعها الخطب العالية، وإنما تصنعها الأفعال التي تنقذ الأرواح، وتحفظ الأوطان، وتوقف نزيف الدماء.
** **
- نصيب محمد الحارثي