تخيّل أن تدخل ناديًا رياضيًا في ساعة الذروة. المواقف ممتلئة والأجهزة مشغولة والاشتراكات تتزايد. المدير يحتفل بأرقام المبيعات والمستثمر يدرس افتتاح فرع جديد. كل شيء يوحي بأن المشروع ناجح.
لكن ماذا لو كانت القوائم المالية تروي قصة مختلفة تمامًا؟
هل يمكن أن يكون النادي مزدحمًا بالعملاء وخاسرًا اقتصاديًا في الوقت نفسه؟
نعم. فالازدحام ليس ربحًا وارتفاع المبيعات لا يعني بالضرورة سلامة التدفقات النقدية. وقد يكون أخطر ما يواجه المستثمر ليس النادي الذي تتراجع إيراداته بل النادي الذي تنمو مبيعاته بينما تتآكل ربحيته بصمت.
فبعض المنشآت لا تفشل بسبب قلة العملاء بل بسبب الطريقة التي تُدار بها كثرتهم.
عندما تتحول الأرقام الكبيرة إلى وهم
لنفترض أن ناديًا رياضيًا يحقق إيرادات شهرية تبلغ 500 ألف ريال. رقم يبدو مطمئنًا للوهلة الأولى. لكن إذا بلغت تكاليف التشغيل والإيجارات والرواتب والتسويق والصيانة والمصروفات الأخرى 530 ألف ريال فإن النادي يخسر 30 ألف ريال شهريًا رغم ارتفاع مبيعاته.
هذا مثال افتراضي مبسط لكنه يكشف مفارقة حقيقية في منطق الاستثمار الرياضي.
فالمشكلة لا تكمن دائمًا في قدرة المنشأة على البيع بل في قدرتها على تحويل الإيرادات إلى عائد اقتصادي مستدام.
وقد تتضاعف الخطورة عندما تُستخدم أرقام الاشتراكات الجديدة لتبرير التوسع دون تحليل تكلفة اكتساب العميل ومعدل تجديد العضوية وربحية الخدمات وكفاءة استخدام الأصول.
إن النادي الذي يبيع ألف اشتراك ويخسر معظم أصحابه عند التجديد قد لا يكون ناجحًا بقدر ما يكون بارعًا في تعويض خسائره التسويقية بمبيعات جديدة.
ماذا تكشف المؤشرات الدولية؟
وفقًا لتقرير الجمعية الدولية للصحة واللياقة (HFA) لعام 2026 ارتفعت الإيرادات الوسيطة للمنشآت المشاركة في الدراسة بنسبة 10.7 % خلال عام 2025 بينما بلغ هامش الأرباح التشغيلية قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك 22.1 %.
والأكثر دلالة أن مجموعة المنشآت الأعلى ربحية سجلت نموًا في العضويات أقل من المستوى الوسيط العام للمشاركين رغم تحقيقها هوامش ربحية أعلى.
وقد ارتبط ذلك بانخفاض نسبة تكاليف الرواتب إلى الإيرادات وكفاءة التشغيل.
هذه النتائج لا تمثل جميع المنشآت الرياضية عالميًا، ولا يمكن إسقاطها تلقائيًا على السوق السعودية. لكنها تكشف درسًا إداريًا يستحق التأمل:
ليس النادي الأكثر بيعًا هو بالضرورة الأفضل استثمارًا.
خمسة أسئلة قد تغيّر قرارًا استثماريًا
قبل افتتاح فرع جديد أو ضخ رأس مال إضافي في منشأة قائمة أرى أن المستثمر يحتاج إلى إجابات دقيقة عن خمسة أسئلة:
هل نعرف الربحية الحقيقية لكل خدمة؟ فقد تكون الحصص الأعلى حضورًا أقل الخدمات مساهمة في الأرباح بعد احتساب تكاليفها.
هل نعرف لماذا يغادر الأعضاء؟ لأن ارتفاع الاشتراكات الجديدة لا يعالج بالضرورة مشكلة ضعف الاحتفاظ بالعملاء.
هل تُستخدم المساحات والأجهزة بكفاءة؟ فامتلاك الأصول لا يعني تحقيق عائد مناسب منها.
هل تقود البيانات قرارات الإدارة؟ أم تكتفي الإدارة بتقارير تعرض النتائج دون تفسير أسبابها وتبعاتها؟
وهل يستطيع النادي الاستمرار دون خصومات متكررة؟ أم أن نموذج العمل يعتمد على عروض ترويجية تستنزف هوامش الربح؟
هذه الأسئلة ليست مجرد مؤشرات أداء. إنها بداية لفحص اقتصادي وتشغيلي قد يكشف مشكلات لا تظهر في تقارير المبيعات.
الجاهزية قبل التوسع
أقترح أن تصبح «الجاهزية قبل التوسع» مبدأً أساسيًا في قرارات الاستثمار الرياضي.
وأقصد بها قدرة المنشأة على إثبات استدامة نموذجها التشغيلي قبل تكراره في موقع آخر.
فالجاهزية لا تعني اكتمال المبنى أو توفر الأجهزة أو توظيف العاملين فقط. إنها تقوم على خمسة أبعاد مترابطة: الجدوى الاقتصادية وكفاءة التشغيل واستدامة العملاء والحوكمة الإدارية والقدرة على إدارة المخاطر.
وإذا لم تستطع المنشأة قياس هذه الأبعاد بوضوح فإن افتتاح فرع جديد قد لا يكون توسعًا ناجحًا بل تكرارًا أكثر تكلفة للمشكلة نفسها.
التوسع لا يعالج نموذجًا تشغيليًا ضعيفًا. أحيانًا يمنحه خمسة عناوين جديدة فقط.
هل يملك المستثمر منشأة أم مشروعًا قابلًا للاستمرار؟
في ظل تطور الاستثمار الرياضي في المملكة تتزايد أهمية التمييز بين إنشاء الأصل الرياضي وتشغيله اقتصاديًا.
فالمطور قد يمتلك القدرة على بناء منشأة متكاملة والمستثمر قد يوفر رأس المال اللازم لإطلاق المشروع، لكن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة تشغيل قادرة على تحقيق العائد المستهدف.
إن إدارة المنشآت الرياضية ليست مجرد جداول للموظفين وحجوزات للملاعب ومتابعة للاشتراكات.
إنها إدارة لأصول وتكاليف ومخاطر وتجربة عملاء وقرارات استثمارية متداخلة.
ولهذا يجب ألا تُعامل الخبرة التشغيلية بوصفها تفصيلًا يأتي بعد الافتتاح بل عنصرًا أساسيًا في دراسة الاستثمار منذ بدايته.
وقد يكون قرار إعادة تصميم خدمة خاسرة أو تعديل نموذج التسعير أو إيقاف توسع غير مدروس أكثر قيمة من الإعلان عن افتتاح فرع جديد.
القرار الذي لا يظهر في الصور
يمكن تصوير حفل افتتاح نادٍ جديد والاحتفاء بأعداد المشتركين ونشر نتائج المبيعات.
لكن من الصعب تصوير قرار إداري أنقذ مشروعًا من خسارة مستقبلية.
لا توجد عادة صورة تذكارية لقرار إيقاف توسع غير مدروس أو إعادة هيكلة نشاط يستنزف الموارد أو تصحيح نموذج تشغيلي قبل أن تتراكم خسائره.
ومع ذلك قد تكون هذه القرارات أهم من افتتاح عشرات الفروع.
ولذلك، فإن السؤال الذي أوجهه إلى المستثمرين وملاك المنشآت الرياضية ليس: كم ناديًا تملكون؟
بل: كم ناديًا من أنديتكم يستطيع أن يثبت بالأرقام أنه يستحق الاستثمار فيه مرة أخرى؟
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأبواب التي نفتحها بل بقدرة ما خلف تلك الأبواب على صناعة قيمة اقتصادية ورياضية مستدامة.
وربما يكون أخطر نادٍ على أموال المستثمر هو ذلك الذي يبدو ناجحًا إلى درجة أن أحدًا لا يجرؤ على مساءلته.
** **
د. نورة عبدالله العمراني - متخصصة في الإدارة الرياضية وإدارة الأندية والمنشآت الرياضية