«الجزيرة» - المحليات:
بقدر ما يبدو تركيب أحجية الصور الكبيرة متعددة الأجزاء معقدًا، إلا أن الوصول إلى الصورة الكبيرة الواضحة يتم بغاية السلاسة فكل تركيب يعني نموًا في بناء تلك الصورة، وذلك ما تعمل عليه أرامكو السعودية في تخطيط وتصميم نهج المرونة وربطه بالنمو.
وبالنسبة لأرامكو السعودية، لا تأتي المرونة على حساب النمو، بل هي محركٌ له، وكلاهما يستند إلى مركز مالي يُعد الأقوى في قطاع الطاقة. كما أنهما ليسا أولويتين متنافستين، فالاستثمار المنضبط عبر مختلف الدورات الاقتصادية يعززهما معًا، وفي حين يواجه المنافسون أزمات في السيولة، وتأجيلًا في أعمال الصيانة، وخفضًا في توزيعات الأرباح خلال فترات التراجع الاقتصادي، تعمل إستراتيجية الشركة المنضبطة في تخصيص رأس المال، عبر مختلف دورات السوق، كصمام أمانٍ قوي في مواجهة الصدمات.
المرونة رؤية قيادة حكيمة
تتمتع أرامكو السعودية بمستوى استثنائي من المرونة بفضل الدعم غير المشروط ورؤية قيادة المملكة، التي تمتلك بعدًا إستراتيجيًا عميقًا وتثق في الشركة لتمكين الاستثمار في البنى التحتية المرنة. ويتجلى ذلك في مشاريع تاريخية مثل خط أنابيب شرق غرب، الذي كان فكرة للملك فهد بن عبد العزيز (رحمه الله)، وتم بناؤه قبل نحو 50 عامًا وتوسيعه على مر السنين. وخلال الأزمة الأخيرة، تحوّل هذا الخط إلى شريانٍ حيوي لتغذية أسواق الطاقة العالمية، واستثمار إستراتيجي، مما يبرز كيف أن الرؤية الوطنية طويلة الأمد تترجم مباشرة إلى مرونة تشغيلية واقتصادية فائقة للشركة.
المرونة المالية كصمام أمان واستمرارية للنمو
لا يعد المركز المالي القوي حماية للشركة من الصدمات فحسب، بل يمكّنها من مواصلة خطط النمو وتأمين عوائد المساهمين، مما يثبت أن المرونة المالية هي المحرك الأساس لاستمرارية النمو والقدرة على الصمود في وجه التحديات الجيوسياسية والاقتصادية. لهذا، واصلت الشركة الاستثمار على المدى المتوسط والبعيد لتعزيز مرونتها وجاهزيتها، التي تستند فيها على توقعات الطلب على المدى الطويل. ويتوقع أن تعمل الشركة على إمكانية رفع الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب شرق غرب الى 10 ملايين برميل يوميًا خلال العامين إلى الثلاثة أعوام المقبلة، إلى جانب الاستفادة مؤقتًا من أحد خطوط الغاز لنقل النفط الخام. كما تدرس بالتنسيق مع وزارة الطاقة، مسارات إضافية لتصدير النفط الخام.
خطط نمو طويلة الأجل
يمثل تعزيز المرونة في أرامكو السعودية نهجًا يدعم عوائد المساهمين، مع تأمين التمويل اللازم للاستثمارات الإستراتيجية الجوهرية رغم التحديات الجيوسياسية. وتواصل الشركة المضي في خطط النمو طويلة الأجل رغم هذه التحديات، ما يعزز مكانتها كشركة طاقة متكاملة رائدة ومتعددة المنتجات، ويظهر التزامها بأولوياتها على المدى البعيد. والتكامل في أعمال التكرير والكيميائيات والتسويق، والتقنيات منخفضة الكربون.
رفع مستوى الجاهزية التشغيلية
وقد رفعت الأزمة الجيوسياسية الحالية سقف التحديات، ما جعل أرامكو السعودية ترفع الجاهزية التشغيلية والمرونة إلى مستوى أعمق من خلال بنيتها التحتية القوية والمتكاملة. ويُعد خط أنابيب شرق-غرب الذي أنشئ قبل نحو خمسة عقود، بسعة قصوى تبلغ 7 ملايين برميل يوميًا، برهانًا على مرونة الشركة. وقد تم رفع التشغيل إلى كامل السعة، وتعديل أنظمة الإمداد والتصدير خلال 8 أيام فقط، ما مكّن الشركة مواصلة أعمالها وتحقيق النمو.
ولمواصلة الأعمال وتحقيق النمو تتوفر مسارات بديلة عبر الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، كما تُسهم مرافق التخزين والخدمات اللوجستية المتكاملة في ضمان استمرارية العمليات، مع قدرة إنتاجية مستدامة قصوى تصل إلى 12 مليون برميل يوميًا. فيما تمت المحافظة على موثوقية الإمدادات بنسبة 98.4 % خلال الربع الثاني من عام 2026، رغم الاضطرابات الإقليمية.
قيمة مضافة للنمو
في أوقات الأزمات، يكون التوطين مُضَاعِفًا للقيمة الاقتصادية، ومصدرًا لقوة أرامكو السعودية الذاتية، وقد شكَل برنامج تعزيز القيمة المضافة الإجمالية لقطاع التوريد في المملكة (اكتفاء) الذي انطلق قبل أكثر من عقد من الزمان، محورًا مهمًّا في هذا الاتجاه. فأكثر من 90 % من المواد المستخدمة في استعادة الأعمال، تم توريدها من داخل المملكة. وهو ما مكّن الشركة من إعادة المرافق المتضررة إلى العمل في غضون ساعات وأيام، بدلًا من أسابيع وأشهر.
وتدعم هذه القدرات قوة المركز المالي لأرامكو السعودية، كما تعكسه نتائج الربع الثاني المعلنة، بما يعزز ثقة المساهمين ويدعم استثماراتهم على المدى الطويل. وهو دليل آخر على أن مرونة الشركة لم تُبنَ بين عشية وضحاها، بل كانت حاضرة حين احتاجت إليها، لأن الأجيال السابقة امتلكت الرؤية الكافية لبنائها وصيانتها وتقويتها بما يجعلها أكثر صمودًا في مواجهة التغيّرات والاضطرابات.