كان التاريخ ولا يزال مرآة للحاضر، تتكرر على صفحاته ثنائيات الطغيان والتمرد، وتتشابه فيه الوجوه وإن تباعدت بينها القرون، وفي المشهد اليمني المعاصر، تبرز حركة الحوثيين كنسخة مستحدثة من شخوص التاريخ الذين حاولوا فرض أجندات خارجية وتغيير هوية الأرض والإنسان بقوة السلاح.
وحين يغوص الباحث في أعماق التاريخ اليمني والعربي، يجد قواسم مشتركة مذهلة وتطابقا عجيبا في الدوافع والوسائل والغايات بين حركة الحوثيين الإرهابية وبين شخصية «أبرهة الحبشي» النائب الأخرم الذي حكم اليمن في القرن السادس الميلادي تحت مظلة إمبراطورية أكسوم الحبشية.
هذا التشابه ليس مجرد مصادفة عابرة، بل هو تجسيد لسنن تاريخية تنطبق على كل من يحاول استلاب القرار اليمني وتجييره لحساب قوى إقليمية أو دولية، ضاربا بعرض الحائط خصوصية المجتمع اليمني وتاريخه العريق.
تبدأ أولى خيوط التشابه وأقواها في طبيعة الولاء السياسي والتبعية الخارجية، لم يكن أبرهة الحبشي حاكماً ينبع سلطانه من إرادة الشعب اليمني أو يعبر عن طموحات أهل الأرض، بل كان في أصله قائداً عسكرياً أرسلته مملكة أكسوم المسيحية في الحبشة لإخضاع اليمن وتأمين النفوذ البيزنطي في جنوب الجزيرة العربية بعد انهيار مملكة حمير، ورغم أن أبرهة أعلن استقلاله لاحقا في بعض الفترات وانفرد بالحكم، إلا أن مشروعه ظل محكوما بمرجعيات فكرية ودينية وسياسية غريبة عن بيئة الجزيرة العربية، مستنداً إلى دعم خارجي لتثبيت أركان حكمه ضد القبائل اليمنية الثائرة.
وفي المقابل، نجد أن الحركة الحوثية، رغم خروجها من جغرافياً صعدة في شمال اليمن، إلا أنها ولدت وترعرعت في أحضان مشروع ولاية الفقيه الإيراني، إن التبعية الحوثية لطهران ليست مجرد تحالف سياسي مؤقت فرضته ظروف الحرب، بل هي تبعية عقائدية وهيكلية كاملة، حيث يتم توجيه القرار السياسي والعسكري للحركة من غرف عمليات يديرها الحرس الثوري الإيراني، وكما كان أبرهة يمثل الذراع العسكرية لمشروع أكسوم وحلفائها الروم في البحر الأحمر، يمثل الحوثيون اليوم الذراع العسكرية والسياسية للمشروع التوسعي الإيراني في منطقة مضيق باب المندب وجنوب شبه الجزيرة العربية، مما يجعل الطرفين مجرد أدوات لتنفيذ أجندات عابرة للحدود على حساب دماء اليمنيين وسيادتهم.
وينتقل هذا التشابه من مستوى التبعية السياسية إلى مستوى استهداف الهوية الفكرية والدينية للمجتمع، لقد اشتهر أبرهة الحبشي بمحاولته الشهيرة لتغيير مركز الثقل الديني والاقتصادي في الجزيرة العربية عبر بناء كنيسة «القليس» في صنعاء، لم يكن هدف أبرهة مجرد بناء صرح ديني للمسيحيين في اليمن، بل كان يهدف أساسا إلى صرف العرب عن تعظيم الكعبة المشرفة في مكة وتحويل حجهم وتجارتهم إلى صنعاء، وبالتالي فرض ثقافة جديدة ومسح الهوية العربية الأصيلة لسكان الجزيرة واستبدالها بهوية تخدم الإمبراطورية البيزنطية وحلفاءها!
هذا المسلك نراه يتكرر بحذافيره في الممارسات الحوثية المعاصرة، فمنذ سيطرة الجماعة على صنعاء والمحافظات الشمالية، انطلقت في حملة شرسة وممنهجة لتغيير الهوية الدينية والملية لليمنيين، وقامت الحركة بفرض الصرخة الخمينية في المدارس والمساجد، وحولت المناسبات الدينية التقليدية إلى مواسم للتعبئة الطائفية المستوردة من الحوزات الإيرانية، وعمدت إلى تغيير المناهج الدراسية لغسل عقول الأطفال وشحنهم بأفكار غريبة عن المذهبين الزيدي والشافعي اللذين تعايش عليهما أهل اليمن لقرون، وكما حاول أبرهة فرض القليس كبديل للمقدسات العربية، يحاول الحوثيون اليوم إحلال المزارات والأفكار الاثني عشرية والولاية السياسية القائمة على الحق الإلهي المزعوم كبديل عن النظام الجمهوري والهوية الوطنية العربية لليمن.
وتتجلى أبعاد هذا المسخ الثقافي في توظيف الرموز التاريخية وتزييف الحقائق التاريخية لخدمة النفوذ الأجنبي وسحق التراث القبلي الأصيل، ولم يكتفِ أبرهة ببناء الجدران وتزيين الكنيسة بالذهب والفسيفساء المستوردة من بيزنطة، بل حاول تفكيك الروابط القبلية التي تجمع أبناء الجزيرة العربية حول مقدساتهم، معتبرا الإرث العربي التقليدي خطرا يهدد شرعية حكمه المرتبط بالحبشة.
وبالمثل تماما، تمارس المليشيا الحوثية عملية تجريف واسعة النطاق للرموز الوطنية اليمنية، حيث استبدلت أسماء المدارس والقاعات والشوارع التي كانت تحمل أسماء قادة وأبطال التاريخ اليمني القديم، بأسماء قياداتها الصريعة وشخصيات ترمز للمرجعية الإيرانية والخمينية، وتتجلي مظاهر ذلك في تشييد الحوثيين للمقابر الشاسعة وتزيينها بشكل مبالغ فيه، وتحويلها إلى مزارات مقدسة تُجبر القبائل على زيارتها وتقديسها، ما هو إلا استنساخ لعقلية «القليس» الأبرهية التي تسعى لخلق مقدسات بديلة ومراكز نفوذ روحي جديدة تُسهم في عزل اليمن عن محيطه العربي، وبناء جيل مشوه الولاء لا يرى في تاريخه سوى امتداد لتبعيته العقائدية والسياسية المفروضة من وراء الحدود.
ولم يقف هذا الهجوم عند الرموز الوطنية فحسب، بل يمتد إلى استهداف العمق العربي والامتداد التاريخي لليمنيين باعتبارهم مهد العروبة، لقد سعى أبرهة الحبشي إلى فصم عرى الصلة بين قبائل اليمن الكهلانية والحميرية وبين عمقهم التاريخي في نجد والحجاز واليمامة، محاولا دمجهم قسرا في منظومة إمبراطورية أجنبية لا تشبههم في لغة ولا ثقافة ولا عادات.
بينما تكرر المليشيا الحوثية اليوم هذا الانسلاخ العرقي والفكري، حيث تحاول إعادة صياغة الوعي الجمعي لليمنيين بما يخدم محو الانتماء القومي العربي والترويج لمفهوم «محور المقاومة» كبديل عن الهوية المشتركة مع محيطهم الإقليمي، هذا الاستهداف الخبيث لعروبة اليمن يهدف إلى تحويل المقاتل اليمني، المعروف بشجاعته وأنفته، إلى مجرد وقود لخدمة التطلعات الفارسية وصراعاتها الإقليمية، مما يمثل تدميرا كاملا للمكانة التاريخية والريادية التي حظي بها اليمن وحضارتهم الأصيلة.
أما على صعيد الوسائل العسكرية والأساليب المتبعة لفرض السيطرة، فإن وجه الشبه يزداد وضوحا في الاعتماد على المظاهر العسكرية الضخمة واستعراض القوة لترهيب الخصوم، حيث دخل أبرهة التاريخ من باب استخدامه للفيلة في حربه وسيره نحو مكة، وهو سلاح مرعب وغير مألوف للعرب في ذلك الوقت، كان الهدف منه إيقاع الصدمة والرعب في قلوب القبائل وإظهار التفوق العسكري القادم من الخارج، وبالمثل، يعتمد الحوثيون بشكل أساسي على سلاح مستورد لم يعرفه اليمنيون في صراعاتهم الداخلية السابقة، وهو الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والمناورات العسكرية الضخمة التي يُشرف عليها خبراء أجانب.
إن استخدام الحوثيين لهذه الأسلحة الفتاكة ضد المدن اليمنية وضد دول الجوار يماثل تماما استخدام أبرهة لجيش الفيلة؛ كلاهما استقوى بسلاح خارجي غريب عن البيئة المحلية لكسر إرادة الشعب وفرض طغيان الأقلية المسلحة على الأغلبية العزل، كما أن الاستعراضات العسكرية الحوثية في صنعاء والحديدة، والتي تُرفع فيها صور القيادات الإيرانية وتُعرض فيها الصواريخ، ما هي إلا صدى عصري لمسيرة جيش الفيل الذي كان يتبختر بقوته ظاناً أن أحداً لن يقدر عليه.
ولا يقتصر الأمر على العتاد، بل يمتد إلى السلوك الأخلاقي والانسلاخ عن القيم الإنسانية وقوانين الحروب، اتسم عهد أبرهة بالغطرسة والصلف، ولم يتردد في نهب أموال العرب وسلب مواشيهم وإبلهم، كما فعل مع إبل عبد المطلب بن هاشم، مستخفاً بحقوق الناس وممتلكاتهم مدفوعاً بنشوة القوة وغرور السلطان، هذا السلوك الجائر هو الخبز اليومي للمواطن اليمني في ظل السيطرة الحوثية، فالجماعة لم تترك بيتاً إلا ودخلته نهباً، ولم تترك مؤسسة إلا وأفرغتها من محتواها، وعمدت إلى مصادرة أموال المعارضين وممتلكاتهم تحت مسميات عدة مثل «الحارس القضائي»، وفرضت إتاوات وجبايات خانقة على التجار والمواطنين باسم «الخمس»، والمناسبات الطائفية، تاركة ملايين اليمنيين في مجاعة حقيقية وفقر مدقع، بينما تتضخم ثروات قيادات الحركة.
إن الامتداد الاقتصادي لهذا الجور يظهر في تدمير البنية التحتية وتحويل مقدرات البلاد لخدمة التمدد العسكري الأجنبي بدلاً من تنمية الأرض وبناء حياة الناس، وكان أبرهة يستنزف طاقات اليمنيين وثرواتهم لبناء صروحه العسكرية والدينية وضمان إرسال الخراج إلى عاصمة أكسوم، غير آبهٍ بحالة الفقر والإنهاك التي أصابت القبائل اليمنية نتيجة الحروب المستمرة وسخرة العمل القسري.
وفي الواقع اليمني الراهن، نجد أن الحوثيين حولوا الموانئ والمطارات والمؤسسات الإيرادية مثل شركات الاتصالات والضرائب والجمارك إلى إقطاعيات خاصة لتمويل آلتهم الحربية وشراء ولاءات المشرفين، مستوردين الوقود والعتاد عبر قنوات تهريب إيرانية مشبوهة، هذا الجشع الاقتصادي أدى إلى قطع رواتب الموظفين الحكوميين لسنوات طويلة، وانهيار المنظومة الصحية والتعليمية، وتحول البلاد إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث يُجبر المواطن على دفع ثمن الصواريخ التي تدمر مدينته، بينما تُنفق المليارات المنهوبة على إقامة الاحتفالات الطائفية الباذخة التي تمجد الفكر المستورد، تماما كما كان أبرهة ينفق أموال أهل اليمن على تزيين قليس الحبشة بينما يتضور الشعب جوعاً وألماً.
ويتسع هذا الاستنزاف ليتحول إلى سياسة تجويع وتفقير ممنهجة تهدف إلى كسر الإرادة الحرة للمجتمع اليمني العريق، فلم يكتفِ الحوثيون بمصادرة مقدرات الدولة، بل عمدوا إلى تدمير القطاع الخاص وخلق اقتصاد مواز تديره شبكات نفوذ تابعة للجماعة مباشرة، هذه الممارسات الاحتكارية أدت إلى خنق الحراك التجاري التقليدي الذي ميز اليمن كمركز تجاري منذ فجر التاريخ، واستبداله بمنظومة إتاوات مستمرة وجبايات قسرية تحت مسمى المجهود الحربي، وبذلك، تشابه الحوثيون مع أبرهة في كونهما يريان في ثروات اليمنيين وسيلة لتغذية جنون العظمة والمشاريع التوسعية، وليس وسيلة لتنمية الإنسان وإعمار الأرض، مما خلق شرخاً هائلاً بين السلطة الغاشمة الحاكمة وبين المجتمع المنهك اقتصاديا واجتماعيا.
إن القراءة الفاحصة لخط سير أبرهة نحو حتفه التاريخي تكشف أيضاً عن تشابه عجيب في مآلات المشاريع المعتمدة على البغي، خرج أبرهة بجيشه العرمرم مدفوعاً برغبة عارمة في الهدم والسيطرة والتوسع، متجاوزاً كل الخطوط الحمراء للاستقرار الإقليمي في ذلك الوقت، وكانت النتيجة هي النهاية المأساوية التي خلدها القرآن الكريم في سورة الفيل، حيث تحول هذا الجيش المدجج بأقوى الأسلحة إلى «كعصف مأكول» بفعل تدبر إلهي أرسل طيراً أبابيل.
والحركة الحوثية تسير اليوم في ذات الطريق؛ فمنذ انقلابها على التوافق الوطني واجتياحها للعاصمة صنعاء، لم تتوقف عن التوسع ومحاولة فرض سيطرتها بالقوة على بقية المحافظات، وذهبت بعيداً في تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، واستهداف المنشآت المدنية في الإقليم، ظانة أن ترسانتها من المسيرات والصواريخ ستجعلها في مأمن من العقاب والتغيير.
إن هذا التمدد الخارجي والاعتداء المستمر، مدفوعاً بزهو القوة، يضع الجماعة في مواجهة مباشرة ليس فقط مع الشعب اليمني الذي يرفضها في أعماقه، بل مع المنظومة الدولية والإقليمية، مما يجعل نهايتها الحتمية تشبه نهاية مشروع أبرهة؛ حيث تؤدي الغطرسة الزائدة وتجاوز الحدود إلى استدعاء عوامل الفناء والدمار الذاتي للمشروع من حيث لا يحتسب أصحابه.
ومن نقاط التشابه المهمة أيضاً، حالة العزلة المجتمعية التي عاشها حكم أبرهة وتعيشها الجماعة الحوثية اليوم، فرغم القوة العسكرية التي امتلكها أبرهة ورغم سيطرته على مفاصل الحكم في اليمن لسنوات، إلا أنه ظل في نظر اليمنيين غازياً أجنبياً ونائباً لقوة خارجية، ولم يفلح في كسب ولاء القبائل اليمنية الحقيقي التي ظلت تتحين الفرص للثورة عليه والتخلص من حكمه، ولذلك انهار مشروعه بسرعة وتلاشى أثره بمجرد هلاكه.والحوثيون اليوم، رغم مرور سنوات على سيطرتهم الحديدية بالحديد والنار، يعيشون عزلة شعبية خانقة، فهم يحكمون بالخوف والترهيب، ويعتمدون على شبكات المشرفين الأمنيين والسجون السرية وقمع الحريات وتكميم الأفواه، ولم يستطيعوا حتى الآن بناء شرعية حقيقية قائمة على رضا الناس أو تقديم نموذج حكم رشيد يوفر الاستقرار والتنمية، إن اليمني اليوم ينظر إلى الحوثي كما كان أجداده ينظرون إلى أبرهة؛ سلطة أمر واقع فرضتها ظروف ضعف الدولة واستقواء الجماعة بالخارج، تنتظر لحظة الضعف الأولى لتنقض عليها وتستعيد كرامتها وهويتها وسلطانها المسلوب.ويتضح من قراءة هذين المشروعين وأوجه التشابه بينهما، أن الحركة الحوثية في اليمن ليست سوى انبعاث جديد لروح أبرهة الحبشي ومشروعه التدميري، من خلال التطابق في التبعية للخارج، ومحاولة مسخ الهوية الوطنية والعربية، والاستقواء بالسلاح الغريب لترهيب المجتمع، ونهب الممتلكات، والغرور العسكري الذي يقود إلى الهلاك؛ كلها شواهد تؤكد أننا أمام نفس العقلية الاستعلائية الطارئة على تراب اليمن، وكما طوى التاريخ صفحة أبرهة وجعل من جيشه وفيله رمزا للخيبة والدمار، فإن السنن التاريخية والاجتماعية تؤكد أن المشاريع التي تولد من رحم العنف والتبعية للخارج لا يمكن أن تستمر أو تضرب بجذورها في أرض اليمن الولادة بالأحرار، وأن الهوية اليمنية الأصيلة المقترنة بالعروبة ورفض الضيم قادرة في النهاية على لفظ كل غريب وكل من يحاول هدم بنيانها الثقافي والسياسي.
** **
- د. أحمد حساني