أ.د.صالح معيض الغامدي
استمتعت بقراءة رواية «الأديب الضليل» للروائي السعودي القدير الأستاذ أحمد السماري، ولفت انتباهي فيها - ضمن أشياء أخرى - توظيف السيرة الذاتية بآليات مختلفة وأبعاد متنوعة، هذا بالإضافة إلى أن الرواية بدت لي في عمومها سيرة غيرية متخيلة لفهد فرج، بطل الرواية. فكثير من أحداث الرواية تصلنا عبر المذكرات التي خلّفها فهد فرج بعد وفاته، وبقية الأحداث تصلنا من سارد الرواية جبران، صديق البطل. فجبران، السارد العليم، يكمل سرد أحداث قصة / سيرة البطل، ويتأملها ويحللها، وينثر هنا وهناك رؤوس أحداث استباقية تشد القارئ وتثير فضوله لمواصلة القراءة. ثم إن هناك ملامح من سيرة السارد جبران الذاتية نفسه، فهو زميل الدراسة لفهد، درس معه في المعهد العلمي ورافقه لمدة ست سنوات. فالفصل الثالث من الرواية (الموسوعي كيف عرفته؟) يبدأ هكذا: «تعرفت على فهد فرج في المعهد العلمي “الديني” بالرياض، وكنا في الصف نفسه ستة أعوام متصلة…». والسارد جبران يحدثنا كذلك عن نفسه كثيرًا في الرواية، عن سفره إلى القاهرة بعد عامه التدريسي الأول، وشرائه المرآة العجيبة ذات الوجهين التي أهداها لفهد، واعتمد عليها الكاتب في حبكته كثيرًا؛ لأنها تكشف شخصية فهد من الخارج والداخل، الظاهر والباطن. كما سرد جبران أحداثًا كثيرة عن حياته الخاصة هو، ويطول بنا المقام لو أخذنا في تتبعها. وما يلفت الانتباه في هذا السياق أن بعض أحداث سيرة جبران الذاتية تتقاطع بوضوح مع أحداث سيرة فهد.
وأعتقد أن هذه التقنيات السيرذاتية التي وُظفت في الرواية لعبت دورًا رئيسًا في إضفاء مصداقية مضاعفة على أحداث الرواية، وقيمة توثيقية قوية توهم القارئ بأن ما يقرأه ليس مجرد خيال محض، كما أنها تعرض علينا شخصية البطل من الداخل، ممثلةً في المذكرات، ومن الخارج، ممثلةً في سيرة جبران معه. وهذه التقنيات السيرذاتية أدخلت قدرًا كبيرًا من التشويق على أحداث الرواية، فالسارد يعرف سيرة البطل من الخارج، ولكن هناك أبعادًا في شخصية فهد لم يكن يعرفها إلا بعد وفاته، من خلال قراءة المذكرات التي خلّفها.
أما تقنية المرآة العجيبة التي وظفها الكاتب في روايته، فقد بدا لي أنها قناع الذات الخفية الأخرى لفهد، التي لا تظهر إلا من الجانب الخلفي لهذه المرآة؛ إنها الذات الأمّارة واللوّامة لفهد في آنٍ معًا.
وتقنية المذكرات، المختلقة بطبيعة الحال، تطرح على القارئ العديد من الأسئلة، مثل: ما طول هذه المذكرات؟ وكم عدد السنوات التي تغطيها؟ ولماذا كتبها بطل الرواية؟ وغيرها من الأسئلة التي قد يطرحها القارئ. كما أنها تحرّض القارئ على طرح أسئلة أخرى تتعلق بكيفية توظيفها في الرواية، وما معايير اختيار بعض المقاطع منها التي أوردها السارد جبران؟ هل كان الفصل الأول من الرواية «كائن غريب»، الذي يرويه بطل الرواية فهد بضمير المتكلم، جزءًا من مذكرات فهد نقلها السارد؟ وهل حذف بعض الأحداث مثلًا؟ ولماذا يوردها مرةً نقلًا حرفيًا، كما يقول: «هذا الجزء، لم أكتبه أنا. سأنقله كما تركه فهد في مذكراته»، ومرةً ملخّصة، كما وجدنا في سرد قصة حب فهد للجازي، على سبيل المثال؟!.
كما أن من شأن توظيف تقنية المذكرات في الرواية أن تختصر سرد الأحداث، وتجعل الرواية أكثر تماسكًا واقتصادًا، وهذا ما شعرت به أثناء القراءة. ولكن مع ذلك، نجد أن السرد ليس سردًا خطيًا، بل هو سرد طبقي أو متداخل متراكم، تتداخل فيه مصادر السرد وآلياته: مذكرات البطل فهد، وسيرة السارد جبران، وتعليقاته ومشاهداته وتحرياته واستنتاجاته وتنبؤاته.
الحقيقة أن التقنيات السيرذاتية الموظفة في هذا العمل تحتاج إلى وقفة أطول من هذه الوقفة في هذا المقال القصير، وربما أعود إليها لاحقًا.
ختامًا، فإن هذا العمل الروائي للأستاذ أحمد السماري عمل سلس الأسلوب، سهل القراءة، كثير التشويق، عميق الفكر، بعيد الغور في أعماق النفس البشرية، وثيق الصلة بالمجتمع وقضاياه، صديق للقارئ الذي يسمح له بمشاركة الكاتب في الإجابة عن الأسئلة الكثيرة التي يثيرها في ذهنه أثناء القراءة. إن رواية «الأديب الضليل» هي ببساطة من الروايات السهلة الممتنعة!.