أ.د.صالح معيض الغامدي
يمكن تعريف الأدب الذاتي بأنه مجموعة من النصوص الأدبية النثرية التي تتخذ من حياة الكاتب وتجاربه وأفكاره ومشاعره موضوعًا لها. وتنضوي تحت هذا التعريف مجموعة من الأجناس الأدبية، لعل من أهمها: السيرة الذاتية، والمذكرات، واليوميات، والذكريات، والشهادات الإبداعية، والرحلات، والرسائل، والشذرات الشخصية… إلخ.
وعلى الرغم من أن الأدب عمومًا مرتبط كثيرًا بتجارب حياة كتّابه وأفكارهم، فإن ما يميز الأدب الذاتي هو أن الربط الكامل بين حياة الأديب وأدبه ربط واعٍ ومقصود لذاته؛ ففيه يتخذ الأديب من تجاربه الحياتية الحقيقية موضوعًا لأدبه، لعدة أسباب لا مجال لذكرها هنا. أما في الفنون الأدبية الأخرى، مثل الشعر والرواية والقصة القصيرة، فيأتي هذا الارتباط بين تجارب الكاتب الحياتية ونصوصه الأدبية عفويًا، وغالبًا ما يكون غير مباشر، وغير واعٍ في كثير من الأحيان، وغير مقصود لذاته.
وقد اجتهدت في محاولة وضع تصنيف نظري لهذا الأدب، فاهتديت إلى فكرة الدوائر المتداخلة التي يمكن أن ينتظم فيها الأدب الذاتي، وهي ثلاث دوائر رئيسة متداخلة ومتقاطعة، تتحدد سمات كل دائرة منها بدرجة حضور الذات وطبيعته في النصوص السيرذاتية المتنوعة التي تمثلها. ويمكننا عرضها على النحو الآتي:
(1) دائرة التمركز الكلي حول الذات، كما في السيرة الذاتية والمذكرات واليوميات.
(2) دائرة التمركز النصفي حول الذات، وتمثلها نصوص التخييل الذاتي ورواية السيرة الذاتية، على سبيل المثال.
(3) دائرة التمركز الجزئي حول الذات، وتمثلها نصوص الرحلات والرسائل وغيرها من النصوص التي تحضر الذات فيها جزئيًا، وهي كثيرة ومتنوعة. وربما تحتاج هذه النصوص إلى تصنيف فرعي خاص بها لمحاولة حصرها، وهذا ما سأحاول القيام به لاحقًا ضمن الجهود التي ستُبذل لتطوير هذا التصنيف النظري للأدب الذاتي.
وهذا التقسيم المنهجي الذي أقترحه من شأنه، فيما أعتقد، أن يوسع مفهوم الأدب الذاتي ليشمل طيفًا واسعًا مترابطًا من النصوص السيرذاتية، ويوفر مقاربة جيدة للكيفيات أو الإستراتيجيات التي ينبغي أن يُقرأ بها كل نوع أو يُدرس أو يُنقد.
وهذا التصنيف الثلاثي الذي أقترحه قد يجعل مفهوم الأدب الذاتي، بوصفه مصطلحًا جامعًا، أكثر مرونة وقدرة على استيعاب الأنواع الهجينة والأشكال الحديثة من كتابة الذات التي تزخر بها الساحة الأدبية المعاصرة.
كما سيكون من شأنه أن يحدد طبيعة العقد القرائي السيرذاتي بين الكاتب والقارئ؛ ففي نصوص الدائرة الأولى، على سبيل المثال، يكون العقد السيرذاتي بين المؤلف والقارئ عقدًا سيرذاتيًا كاملًا، ويكون التطابق بين الكاتب والسارد والبطل تطابقًا تامًا، وتكون درجة الصراحة والمصداقية في الأحداث المسرودة عالية جدًا، ويكون سير الأحداث المروية في السيرة من الداخل إلى الخارج، وليس العكس، كما في النوع الثالث.
أما العقد السيرذاتي في نصوص الدائرة الثانية، فهو عقد بيني مزدوج يمزج بين الحقيقة والخيال، وبين شخصية الكاتب الحقيقية وشخصيته المختلقة. والقارئ هو غالبًا من يحدد أبعاد كل واحدة منهما في النص، استنادًا إلى محددات هذا العقد السيرذاتي الجزئي، الداخلية والخارجية، أو هو من يحدد طبيعة تعالقهما في النص.
أما العقد في نصوص الدائرة الثالثة، فهو عقد سيرذاتي جزئي يتمثل غالبًا في اسم المؤلف وضمير المتكلم بالدرجة الأولى؛ فالأحداث فيه تسير من الخارج، الذي يكون مركز اهتمام الكاتب، إلى داخل الذات الكاتبة. وما يبدو سيرذاتيًا هو كون الكاتب هو كاتب النص؛ وإلا فإن التركيز في نصوص الرحلة عادةً ما يكون على العالم الخارجي، من خلال مشاهدات الكاتب وتصويراته ومرئياته حوله. وفي الرسائل، يكون التركيز بالدرجة الأولى على المرسل إليه وأحواله وموضوع التراسل معه، وهكذا مع بقية أصناف النوع الثالث المحتملة.
وبناءً على هذا التصور الثلاثي للأدب الذاتي، يمكننا تطوير أدوات نقدية مناسبة لكل نوع من أنواعه، لتكون قادرة على تحليل هذه النصوص، انطلاقًا من كيفية بنائها وسماتها الخاصة. كما سيكون من شأن هذا المنهج التحليلي الذي اقترحناه للأدب الذاتي أن يساعد على تتبع تطور الأجناس الأدبية السيرذاتية، ويبين الصلات فيما بينها، وتداخلها واختلاطها وحركية نموها.
إنني أعتقد أن هذا التقسيم والتحليل الذي سيُبنى عليه سيفتحان آفاقًا بحثية واعدة ومثمرة حول طبيعة الكتابة الذاتية ووظائفها في أدبنا العربي الحديث ونقده. وسأسعى إلى استكمال تفاصيل هذا التصور النظري للأدب الذاتي ونقده، وإخراجه في صورة أرجو أن تكون أكثر تكاملًا وتجويدًا قريبًا، إن شاء الله.