تنتهي المباراة ويُرفع الكأس وتضيء الشاشات بأسماء الفائزين. يحتفل الجمهور وتتصدر الجوائز المالية عناوين الأخبار. لكن خلف هذا المشهد سؤال اقتصادي لا يظهر على منصات التتويج: من الذي حقق القيمة الحقيقية من البطولة؟ ومن الذي سيواصل تحقيق الإيرادات بعد انطفاء الأضواء؟
قد يفوز فريق بالبطولة دون أن يمتلك نموذجًا ماليًا مستدامًا. وقد تحقق لعبة انتشارًا عالميًا بينما تكافح بعض الفرق المحترفة لتغطية تكاليفها. وقد تستضيف مدينة حدثًا استثنائيًا دون أن تحتفظ بكل الفرص الاقتصادية التي كان يمكن أن تنتج عنه.
هذه المفارقات تكشف أن الرياضات الإلكترونية ليست مجرد صناعة تنافسية جديدة بل منظومة اقتصادية تختلف في طبيعتها عن كثير من الرياضات التقليدية.
فالمعركة الحقيقية لا تدور دائمًا بين اللاعبين داخل اللعبة بل بين نماذج الأعمال خارجها.
الدرس الأمريكي.. الجمهور لا يكفي لصناعة الأرباح
في عام 2023 قدمت شركة Riot Games المطورة للعبتي League of Legends وVALORANT اعترافًا مهمًا بشأن اقتصاد الرياضات الإلكترونية. فقد أوضحت أن رواتب اللاعبين في بعض دورياتها ارتفعت بوتيرة أسرع من نمو إيرادات الفرق وأن ذلك استنزف احتياطياتها النقدية.
ولم تكن المشكلة غياب الجمهور. بل وجود فجوة بين الشعبية المتنامية والقدرة على تحويلها إلى إيرادات مستدامة.
وفي نموذج الشراكة السابق في بعض دوريات League of Legends التزمت الفرق برسوم مشاركة بلغت نحو عشرة ملايين دولار مقابل حقوق المشاركة وحصة من إيرادات الدوري وفق ترتيبات محددة. لكن الإيرادات لم تنمُ بالسرعة التي كانت تتطلبها التكاليف.
لهذا أعلنت Riot Games في مارس 2024 توجهًا لتعديل النموذج الاقتصادي عبر مدفوعات ثابتة للفرق ومشاركة أكبر في إيرادات المحتوى الرقمي داخل اللعبة.
واللافت أن النموذج المقترح لتوزيع صندوق إيرادات المحتوى الرقمي خصص 50 % حصصًا عامة للفرق المؤهلة و35 % مرتبطة بالأداء التنافسي و15 % مرتبطة ببناء الجماهيرية. وهذه النسب تخص الصندوق المحدد وليست نسبًا من إجمالي أرباح الشركة.
هنا تظهر نقطة التحول: لم يعد الفوز وحده كافيًا لتفسير القيمة الاقتصادية للفريق. أصبحت قدرته على بناء جمهور وتحويل هذا الارتباط إلى نشاط تجاري جزءًا من معادلة الإيرادات.
إن امتلاك ملايين المشاهدات لا يعني بالضرورة امتلاك ملايين الدولارات.
وهذا درس يجب أن يستوعبه كل مستثمر قبل أن يخلط بين حجم الجمهور وربحية المشروع.
الدرس البلجيكي.. من يملك الملعب الرقمي؟
في الرياضة التقليدية يمكن للمستثمر أن يمتلك منشأة أو يؤسس فريقًا أو ينظم منافسة وفق الأطر التنظيمية المعمول بها.
أما في الرياضات الإلكترونية فهناك طرف يمتلك عنصرًا جوهريًا في المنافسة نفسها: الشركة المالكة للعبة.
ويوضح اتحاد صناعة ألعاب الفيديو البلجيكي VGFB في طرحه المتخصص أن منظومة الرياضات الإلكترونية ترتبط بحقوق الملكية الفكرية وأن تنظيم المنافسات وبثها يتطلب مراعاة تراخيص ناشري الألعاب.
وهذه ليست مسألة قانونية هامشية.
فحقوق استخدام اللعبة وعلاماتها التجارية ومحتواها وشروط البث قد تؤثر مباشرة في قدرة منظمي البطولات والأندية والشركاء التجاريين على تحقيق الإيرادات.
وبذلك قد يملك المستثمر الفريق وعقود الرعاية والموظفين والجمهور لكنه يظل معتمدًا على حقوق استخدام منتج رقمي لا يملكه.
هذه العلاقة تفرض نوعًا مختلفًا من إدارة المخاطر.
فالمستثمر لا يحتاج فقط إلى دراسة السوق والمنافسين بل إلى دراسة استقرار التراخيص وشروط التعاقد وحدود الاستغلال التجاري والسيناريوهات المحتملة لتغيير سياسات الناشر.
قد تمتلك كل عناصر المشروع باستثناء العنصر الذي يسمح له بالعمل.
الدرس الياباني.. التنظيم جزء من الجدوى الاقتصادية
تكشف التجربة اليابانية وجهًا آخر للصناعة.
فاليابان التي تمتلك تاريخًا طويلًا في تطوير ألعاب الفيديو واجهت تحديات قانونية تتعلق بالجوائز المالية ورسوم المشاركة وحقوق بث المنافسات.
وفي تحليل قانوني نشره مختصون من مكتب Nishimura الجزيرة Asahi في نوفمبر 2025 أوضحوا أن تصميم البطولة وطريقة تمويل جوائزها قد يحددان كيفية تطبيق القواعد القانونية عليها.
وقد ساهمت الجهود التنظيمية وتوضيح طبيعة بعض الجوائز باعتبارها مقابلًا للأداء المهني في إتاحة تنظيم منافسات بجوائز مالية وفق شروط قانونية محددة. ولا يعني ذلك أن جميع البطولات أو الجوائز المرتفعة معفاة من القيود التنظيمية.
كما أن بث المنافسات التي تستخدم ألعابًا مملوكة لأطراف أخرى يستلزم مراعاة الحقوق والحصول على الأذونات المناسبة.
والمغزى الاقتصادي هنا يتجاوز التفاصيل القانونية اليابانية. فقد تكون البطولة جذابة تجاريًا وتمتلك جمهورًا ورعاة ومع ذلك تواجه مخاطر كبيرة إذا لم تُصمم عقودها وتراخيصها وهيكل جوائزها بصورة سليمة.
الامتثال التنظيمي ليس تكلفة إضافية تأتي بعد نجاح المشروع بل أحد الشروط التي تحمي قدرته على النجاح.
ثلاثة أسواق.. ومشكلة اقتصادية واحدة
تكشف التجارب الأمريكية والبلجيكية واليابانية ثلاث زوايا متكاملة.
في التجربة الأمريكية يظهر تحدي توزيع الإيرادات واستدامة الفرق.
وفي الطرح البلجيكي تتضح أهمية حقوق الملكية الفكرية وسلطة الناشر.
أما التجربة اليابانية فتبرز أثر التنظيم والتراخيص في الجدوى التجارية للمنافسات.
وعند جمع هذه الزوايا نصل إلى حقيقة مهمة: لا يمكن تقييم استثمار في الرياضات الإلكترونية من خلال عدد اللاعبين أو المشاهدات أو الجوائز وحدها.
فالجدوى الحقيقية تتحدد أيضًا بمن يمتلك الحقوق ومن يحصل على الإيرادات ومن يتحمل المخاطر ومن يستطيع الاستمرار إذا تغيرت قواعد السوق.
السعودية.. من استضافة المنافسة إلى امتلاك القيمة
تمنح الاستثمارات السعودية في الألعاب والرياضات الإلكترونية المملكة فرصة تتجاوز تنظيم البطولات الكبرى.
فوجود منافسات عالمية يجذب اللاعبين والجماهير والشركات والرعاة ويخلق فرصًا في التنظيم والإعلام والتقنية والضيافة والخدمات.
لكن القيمة الاقتصادية طويلة المدى لا ينبغي قياسها فقط بما يحدث خلال أيام البطولة.
السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يبقى داخل الاقتصاد السعودي بعد مغادرة الفرق والجماهير؟
هل نشأت شركات محلية تستطيع تنظيم المنافسات خارج المملكة؟
هل اكتسبت الكفاءات السعودية خبرات في إدارة الحقوق التجارية والتراخيص والبث والتحليل الرقمي؟
هل أصبحت لدينا خدمات تشغيلية وتقنية قابلة للتصدير؟
وهل تستطيع المؤسسات المحلية بناء إيرادات متكررة بدلًا من الاعتماد على العقود الموسمية المرتبطة بالفعاليات؟
هذه الأسئلة لا تقلل من أهمية الاستضافة بل تنقل تقييم نجاحها إلى مستوى أعمق.
فاستضافة بطولة عالمية تعني المشاركة في صناعة الحدث. أما امتلاك المعرفة والحقوق والقدرات التجارية فيعني المشاركة في صناعة المستقبل الاقتصادي للقطاع.
مؤشر القيمة المحلية المستدامة
من هذا المنطلق أقترح إطارًا تحليليًا يمكن تسميته «مؤشر القيمة المحلية المستدامة للرياضات الإلكترونية».
وهو ليس مؤشرًا رسميًا أو مقياسًا جرى اختباره ميدانيًا بل تصور أولي لتقييم ما تحتفظ به الدولة أو المدينة من قيمة اقتصادية بعد الاستثمار في البطولات والمشروعات المرتبطة بها.
يقوم هذا الإطار على خمسة أبعاد:
- القيمة التشغيلية: حجم الأعمال التي تنفذها شركات محلية وقدرتها على الاستمرار بعد انتهاء الحدث.
- القيمة المعرفية: انتقال الخبرات في الإدارة والتقنية والتحليل والبث والتسويق والحقوق التجارية إلى الكفاءات الوطنية.
- القيمة التجارية: قدرة المؤسسات المحلية على بناء علامات وخدمات ومنتجات تحقق إيرادات متكررة.
- القيمة المؤسسية: نشوء شركات وتحالفات وقدرات تنظيمية تستطيع المنافسة خارج السوق المحلية.
- القيمة الاستثمارية: حجم الاستثمارات التي تتحول إلى مشروعات مستدامة بدلًا من الاعتماد على الإنفاق المرتبط ببطولة واحدة.
ولا يكفي جمع هذه الأبعاد في تقرير وصفي. بل يجب تطوير مؤشرات قابلة للقياس والتحقق مع التمييز بين الأثر المباشر وغير المباشر وتجنب احتساب الإيرادات نفسها أكثر من مرة.
فإذا أنفقت بطولة مبالغ كبيرة داخل المدينة فهذا لا يعني تلقائيًا أن جميع هذه المبالغ تحولت إلى قيمة اقتصادية محلية مستدامة.
وإذا حققت فعالية انتشارًا إعلاميًا عالميًا فهذا إنجاز تسويقي مهم لكنه لا يثبت وحده نجاح النموذج الاستثماري.
من يدير الصناعة بعد انتهاء البطولة؟
تحتاج الرياضات الإلكترونية إلى لاعبين محترفين ومدربين ومحللي أداء. لكنها تحتاج كذلك إلى خبراء في الإدارة الرياضية والاستثمار والحوكمة والعقود والملكية الفكرية وإدارة المخاطر.
وهنا تبرز فرصة مهمة لتطوير تخصصات مهنية تجمع المعرفة الرياضية بالفهم الاقتصادي والتقني والقانوني.
فالمدير الذي يفهم أداء الفريق لكنه لا يفهم حقوق المحتوى قد يعرض مشروعه لمخاطر تجارية.
والمستثمر الذي يعرف حجم الجمهور دون أن يعرف كيفية توزيع الإيرادات قد يبالغ في تقدير قيمة المشروع.
والمنظم الذي ينجح في إقامة بطولة كبيرة دون بناء قدرات مؤسسية مستمرة قد يضطر إلى البدء من الصفر في كل حدث جديد.
لذلك فإن بناء صناعة الرياضات الإلكترونية لا يتوقف عند اكتشاف المواهب التنافسية بل يمتد إلى إعداد الكفاءات القادرة على إدارة المنظومة الاقتصادية التي تحيط بها.
المعركة التي لا تظهر على الشاشة
عندما تنتهي البطولة يعرف الجمهور من فاز ومن خسر.
لكن المستثمر يحتاج إلى لوحة نتائج مختلفة.
كم بلغت الإيرادات القابلة للاستمرار؟ من امتلك الحقوق التجارية؟ ما نسبة القيمة التي بقيت في الاقتصاد المحلي؟ وما الأصول والخبرات التي ستظل منتجة بعد انتهاء الحدث؟
هذه الأسئلة هي التي تميز بين بطولة ناجحة ومشروع اقتصادي مستدام.
فالرياضات الإلكترونية تمنح المملكة فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة عالمية متغيرة. لكن تعظيم هذه الفرصة يتطلب الانتقال من قياس حجم المنافسات إلى فهم بنية القيمة التي تنتجها.
في الرياضات الإلكترونية قد يكون الفائز على الشاشة مختلفًا تمامًا عن الفائز في الاقتصاد.
ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يشغل المستثمرين وصناع القرار ليس فقط: من سيفوز بالبطولة القادمة؟
بل: من سيظل يربح بعد أن تنتهي البطولة؟
** **
د. نورة عبدالله العمراني - متخصصة في الإدارة الرياضية وإدارة الأندية والمنشآت الرياضية