في عالم تتشابك فيه خيوط الواقع مع سراب الخوارزميات، لم تعد المعارك تُحارب فقط على الجغرافيات أو بسلاح المال والحديد، بل انتقلت إلى حلبة أشد خطورة وأعمق أثراً تتمثل في حلبة المفاهيم.
تعيش البشرية اليوم حقبة تاريخية فارقة يشهد فيها العالم صراعاً محتدماً على تعريف الكلمات، وتوجيه الدلالات، وتشكيل الوعي الجمعي؛ حيث لم تعد المفاهيم التي تُبنى بها الهويات وتُتخذ بناءً عليها القرارات وليدة التفكير النقدي المستقل، بل أصبحت تُصاغ في غرف التحكم الرقمية وتُضخ عبر منصات التواصل الاجتماعي لتستهدف العقول قبل الوصول إلى القلوب.
في خضم هذا الطوفان المعلوماتي الهائل، يكتسب الصراع بُعداً إستراتيجياً ومصيرياً بالنسبة للمملكة العربية السعودية، حيث يقف المجتمع الشاب في قلب التحولات التنموية الكبرى ورؤية طموحة تعيد تشكيل المستقبل، مما يجعله هدفاً مستمراً لحملات التضليل وإعادة توجيه المفاهيم، وتبرز من هنا الفكرة الملحة والملزمة بضرورة تدريس الإعلام كمقرر دراسي أساسي في مراحل التعليم العام.
يمثل الصراع على المفاهيم حرب استنزاف صامتة تستهدف تفكيك المرجعيات الثقافية والأخلاقية والوطنية، وتتزايد أهمية هذا الأمر في السياق السعودي بالنظر إلى حجم الحراك غير المسبوق الذي تشهده البلاد. يعتبر المجتمع السعودي من أكثر مجتمعات العالم كثافة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الرقمية، ويتلقى النشء آلاف الرسائل اليومية عبر منصات الفيديوهات القصيرة، والألعاب الإلكترونية، والمنصات الترفيهية العالمية. تتضمن هذه الرسائل طروحات تحاول التشكيك في قيم المجتمع، أو التلاعب بالحقائق الوطنية، أو تبسيط الصراعات الجيوسياسية المعقدة لتمرير أجندات موجهة، فالسيطرة على المفاهيم تعني بوضوح السيطرة على السلوك، ومن لا يملك أدوات تفكيك الخطاب الإعلامي يصبح عرضة للاستقطاب أو الاغتراب الثقافي عن مجتمعه ووطنه.
لا يدرك الناشئة أحياناً أن الكلمات والمصطلحات التي تتسلل إلى يومياتهم عبر «التريندات» ليست بريئة، بل تحمل خلفها منظومات أيديولوجية أو استهلاكية مسكوت عنها. حين يتردد مصطلح «الحرية المطلقة» أو «التحرر من القيود التقليدية»، يراد به في كثير من الأحيان تفكيك الروابط الأسرية والأعراف المجتمعية تحت غطاء الحداثة وحرية الفرد، وحين تروج مفاهيم مثل «النمط الاستهلاكي المفرط» أو «السعادة المرتبطة بالمظهر والشهرة السريعة»، يتم تغذية جيل كامل بلهفة اقتناء ما لا يحتاجون إليه وتكريس السطحية على حساب البناء المعرفي والمهني.
يواجه الشاب السعودي مصطلحات مبطنة في التغطيات الإعلامية الدولية أو في منصات الألعاب والدردشة تتعمد تشويه صورة الهوية الوطنية، أو تصوير المكتسبات التنموية الكبرى والقفزات الاقتصادية غير المسبوقة على أنها مجرد «مشاريع استعراضية» أو «تغيرات شكلية»، فضلاً عن ترويج مصطلحات مسيسة تتعمد طمس الحقائق الجيوسياسية أو إبراز روايات منحازة تدعم جهات معادية لاستقرار المنطقة.
تعكس الأرقام والهجمات الرقمية الضخمة خطورة استهداف الجبهة الداخلية بشكل ممنهج، حيث تشير التقارير والأبحاث السيبرانية إلى أن المملكة تواجه سنوياً ملايين المحاولات والرسائل الموجهة عبر شبكات التضليل.
وقد رصدت الجهات المختصة في فترات زمنية متقاربة تدفق ملايين التغريدات المصطنعة والحسابات الوهمية الضخمة التي تدار من غرف عمليات إقليمية ودولية بهدف بث الشائعات، وتأليب الرأي العام، وافتعال أزمات وهمية مستمرة لعرقلة مسار التنمية. تؤدي الحملات الإلكترونية المنظمة التي تقف خلفها شبكات تضم مئات الآلاف من الحسابات الوهمية إلى تشويه المشاريع الكبرى والتشكيك في القرارات الوطنية، لتشكل حرباً إلكترونية حقيقية لا تقل ضراوة عن الحروب التقليدية، وتؤكد هذه الأمثلة والأرقام الصادمة ضرورة تمكين العقول الفتية من تفكيك هذه الحملات ومعرفة الأجندات الخفية خلفها.
تكتسب التربية الإعلامية والمعلوماتية في المدارس السعودية أهمية مضاعفة لتكاملها المباشر مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء المواطن المنافس عالمياً والواعي بمسؤولياته. يحول تحصين الطالب بالمفاهيم الإعلامية الصحيحة من مجرد مستهلك رقمي متأثر بالخوارزميات إلى مواطن رقمي يمتلك مهارات التفكير النقدي وقادر على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد البناء والحملات الموجهة ضد مقدرات وطنه. يتجاوز تدريس الإعلام حدود النشاط الإضافي ليصبح مقرراً منهجياً يزود المراهقين بالأدوات اللازمة لسبر أغوار ما يقرؤون ويشاهدون، فيسألون عن مصادر الأخبار، ويكتشفون المحتوى المزيف بالذكاء الاصطناعي، ويفهمون آليات استغلال المشاعر الوطنية أو الدينية أو الإنسانية لحثهم على اتخاذ مواقف أو نشر معلومات غير موثوقة.
يمتد دور المقرر المقترح ليشمل الحماية النفسية والاجتماعية للشباب داخل الأسرة والمجتمع السعودي، فالضغوط الناتجة عن المعايير الوهمية للنجاح والثراء السريع التي تروجها منصات التواصل تتطلب مناعة فكرية لدى النشء لئلا يتسرب إليهم الشعور بالإحباط أو الانفصال عن الواقع التنموي المزدهر. يتيح تعليم الإعلام للطلاب فهم كيفية عمل هذه المنصات واقتصادياتها، ويرسخ لديهم أخلاقيات النشر والمسؤولية القانونية والمجتمعية تجاه ما يشاركونه، مما يحد من ظواهر التنمر الرقمي ونشر الشائعات وانتهاك الخصوصية، ويعزز السلوك الرقمي الإيجابي الذي يعكس أصالة المجتمع السعودي وقيمه.
تشكل حماية العقول والجبهة الداخلية من الفيضانات الفكرية والتأثيرات السيبرانية والإعلامية الخارجية الامتداد الطبيعي للأمن الوطني بجميع أبعاده، بعد أن حظي حماية الحدود والمصدات بدعم ورعاية القيادة الحكيمة. يمثل استثمار وزارة التعليم في إدراج «التربية الإعلامية» كأحد المناهج الرائدة في مراحل التعليم العام نقطة تحول حقيقية في إعداد جيل سعودي راسخ الجذور ومتفتح الذهن يمتلك أدوات العصر ولا ينجرف وراء صيحاته الزائفة.
تدور معركة المفاهيم برمتها في عالم اليوم وتشتد، ويصبح اتخاذ هذه الخطوة الجريئة في التعليم العام سياجاً وطنياً واجباً وخط دفاع رئيسياً لصيانة الوعي السعودي، وحماية الهوية الوطنية، وصناعة المستقبل بأيدي أبناء الوطن الواعين والمخلصين.
** **
- د. عيسى الربعي