حوار - أحمد العجلان:
مهاجم الريان القطري يفتح دفاتر تجربته خلال الفترة التي قضاها داخل أسوار نادي الهلال: بداية من الضغط على فولهام إلى إصابة الاتحاد، والوداع الذي لم يحدث..
لا يزال الصربي ألكسندر ميتروفيتش، مهاجم الريان القطري ولاعب الهلال السابق، يتحدث عن تجربته في الهلال بحنين واضح. قضى الهداف التاريخي لمنتخب صربيا موسمين مع الهلال، عاش في أولهما موسمًا استثنائيًا بثلاثة ألقاب وسلسلة انتصارات دخلت موسوعة غينيس، قبل أن تعطله الإصابات في الثاني.
في هذا الحوار الذي أُجرته معه صحيفة الجزيرة في قطر، يتحدث ميتروفيتش عن كواليس انتقاله من فولهام، وسر جورجي جيسوس، وحقيقة إصاباته وغيابه عن كأس العالم للأندية، ورأيه في نيمار وسالم الدوسري وعلي البليهي، ورسالته الأخيرة لجماهير الهلال.
من فولهام إلى الهلال
* لديك قاعدة جماهيرية كبيرة في السعودية، وجماهير الهلال لم تنسك حتى اليوم. عادةً نترك هذا السؤال لنهاية الحوار، لكننا نطرحه الآن: ماذا تقول لهم؟
- إلى جماهير الهلال: لقد كان عامان رائعين قضيتهما في الهلال، حققنا فيهما أشياء مذهلة وصنعنا التاريخ. كنت محظوظًا باللعب في فريق عظيم تحت قيادة مدرب عظيم، وبالفوز بكثير من البطولات وتسجيل كثير من الأهداف المهمة.
أظن أن أكثر ما تتذكرني به الجماهير هو الأهداف، والسعادة والفرحة التي منحتها لهم. وكان من دواعي سروري ارتداء هذا القميص واللعب لنادٍ كبير مثل الهلال.
* عند انتقالك من فولهام، لاحظنا أنك ضغطت على ناديك وغبت عن بعض المباريات لإتمام الصفقة. هل كان دافعك ماديًا، أم الرغبة في تحدٍّ جديد؟
- كانت محادثات طويلة وقصة طويلة، لكن حين وصلني عرض الهلال، كان النادي الوحيد الذي أردت الانضمام إليه. بعد موسم جيد مع فولهام، تلقيت عروضًا من أندية ودوريات أخرى، وحتى من الدوري الإنجليزي. لكنني بصراحة لم أرَ نفسي في أي نادٍ إنجليزي آخر يناسب الطريقة التي أريد أن ألعب بها.
حين تلقيت عرض الهلال، تحدثت مع بعض من لعبوا في الدوري السعودي، ومع مدربين عملوا فيه، فأخبروني بأشياء مذهلة عن النادي. ثم بحثت قليلًا عن الجماهير وعن كل شيء. ومع بدء الشائعات، امتلأ صندوق رسائلي وحسابي على إنستغرام بتعليقات الجماهير التي تطالبني بالقدوم.
اخترت الهلال لأسباب كثيرة. الجانب المادي أحدها، لكن هناك أيضًا حجم النادي واللاعبين الذين سألعب معهم، والمدرب الذي سأعمل تحت قيادته. والأهم أنني سألعب في نادٍ كبير يسعى للفوز بكل البطولات، في فريق من القمة مع لاعبين من الطراز الأول.
تسجيل الأهداف هو أكثر ما أحب فعله، وكان الهلال الخيار الأفضل لتحقيق أحلامي كمهاجم: مدرب يلعب كرة هجومية، ولاعبون مثل مالكوم وسيرغي ونيمار يصنعون لك الفرص، وفريق يقاتل للفوز بكل بطولة. وهذا ما فعلناه.
واجهت مشكلات كثيرة مع فولهام لأنهم رفضوا رحيلي في البداية، لكننا توصلنا في النهاية إلى اتفاق بين الناديين، وبيني وبين النادي أيضًا. كانت خطوة كبيرة في ذلك الوقت، لكنني أعتقد أنها كانت من أفضل اللحظات في حياتي وحياة عائلتي ومسيرتي، وأفضل ما كان يمكنني فعله.
جيسوس.. سرّ الموسم التاريخي
* الموسم الأول كان استثنائيًا: ثلاث بطولات، وسلسلة انتصارات لم تنقطع حتى سجلتها موسوعة غينيس. ما السرّ؟ وما الذي جعلكم تظهرون بهذا الشكل؟
- جورجي جيسوس هو السر، والسبب الرئيس في تألقنا ونجاحنا: أسلوبه، وعقليته الفائزة، ورغبته الدائمة في المزيد، وطريقته في تحفيز الفريق. لم يكن يريد الفوز بالمباريات والبطولات فقط، بل مطاردة كل رقم قياسي، سواء بتسجيل أكبر عدد من الأهداف أو باستقبال أقل عدد منها.
كنا ندخل في أدق التفاصيل. حين نسجل خمسة أهداف أو ستة، كان يريد عشرة. وحين نسجل عشرة، كان يصرخ علينا مطالبًا بالمزيد. كانت عقليته أنك الطرف المسيطر مهما كان خصمك، تلعب مباراتك وفكرتك وكرتك أنت.
إن كان هناك سرّ، فهو أنه كان يضغط علينا بقوة. كنا نعمل بجد في التدريبات على أرض الملعب وفي الصالة الرياضية، ونعقد اجتماعات كثيرة ونحلل المنافسين كل يوم. لذلك أقول إن السبب الرئيس هو جورجي جيسوس.
* لكن المدرب نفسه كان حاضرًا في الموسم الثاني، ولم يكن موسمًا جيدًا. ما الذي تغيّر؟
- للأسف، حين تقدم موسمًا رائعًا، تدرسك الفرق الأخرى في الموسم التالي جيدًا وتبحث عن نقطة ضعفك. وأعتقد أنك تفقد شيئًا من حدّتك في الموسم الثاني، لأننا حققنا كل شيء. دخلنا الموسم الثاني مستنزفين بعض الشيء، إن صحّ التعبير، وفقدنا تلك الشرارة التي امتلكناها في الموسم الأول.
أنا متأكد أنه لو بقي فترة أطول لقلبنا الموسم من جديد، لكن الهلال للأسف نادٍ لا يغفر. إن فزت بالبطولات والمباريات وسجلت الأهداف، فكل شيء طبيعي والجميع راضٍ. لكن بمجرد أن تخسر أو تتعادل في مباراة واحدة، تحلّ الكارثة.
أتذكر بعد وصولي أننا تعادلنا 1-1 في مباراة بدوري أبطال آسيا، بهدف في الدقيقة الأخيرة. في اليوم التالي مباشرة عُقد اجتماع وكأنها كارثة، وبدأ الحديث عن مدرب جديد ولاعبين جدد وعن البطولات. هنا تدرك حجم النادي والضغط الذي تعيشه حين تلعب للهلال. قلت لنفسي حينها: هنا لا يُسمح لك بالخطأ، فاستعدت تركيزي فورًا.
اللعب للهلال أمر جميل جدًا، لكن الحفاظ على المستوى نفسه كل عام صعب بدنيًا وذهنيًا. أعتقد أن هذا سبب عدم تكرار ما قدمناه في الموسم الثاني، لكنني متأكد أن المدرب لو بقي لقلبنا الموسم من جديد.
مباريات لا تُنسى
* ما المباريات التي لا تزال راسخة في ذهنك من فترتك مع الهلال؟
- مباريات كثيرة، وأظن أنني أتذكر كل هدف تقريبًا. سجلت أهدافًا كثيرة، وكان موسمًا أشبه بالحلم. حين ننزل إلى الملعب كنا نشعر بأنه من المستحيل أن نخسر. قلبنا مباريات كثيرة في الوقت بدل الضائع، لأننا كنا مجموعة متماسكة وإيجابية، والمدرب يساندنا.
حتى المباراة الوحيدة التي خسرناها في دوري الأبطال، لا أعرف كيف خسرناها. أهدرنا فرصًا كثيرة، والكرة رفضت دخول المرمى. فعلنا كل شيء للفوز، لكنه لم يكن يوم حظنا. كان إحساسًا مذهلًا، شعرنا بأننا لا نُقهر مهما كان الخصم، حتى لو كان مانشستر سيتي أو ريال مدريد في ذلك الوقت.
* الريمونتادا أمام الاتحاد كانت مفصلية: انتهى الشوط الأول 3-1 للاتحاد، وفاز الهلال في النهاية 4-3. كيف عشت تلك المباراة؟
- أعتقد أنها كانت أول مباراة كبيرة لي، أول كلاسيكو بعد قدومي من الدوري الإنجليزي. الجميع يتحدث عنها كمباراة كبيرة، وحين تنزل إلى الملعب قبلها تشعر بالتوتر والضغط، وبأن شيئًا كبيرًا سيحدث. ثم تدخل فترى الجماهير والألعاب النارية وكل شيء.
كان رائعًا أن ألعب مباريات كبيرة أمام فرق ولاعبين كبار، مثل الاتحاد والنصر، وكنت محظوظًا بتسجيل كثير من الأهداف فيها. أتذكر أيضًا الفوز على النصر 3-1 على أرضنا، ومباريات الأهلي.
* وهدفك الأول في تلك المباراة كان مجنونًا...
- بصراحة، فاجأت نفسي قليلًا أيضًا، فعادةً أسجل أهدافي داخل منطقة الجزاء.
* وماذا عن نهائي كأس خادم الحرمين الشريفين أمام النصر، حين تعرّض الهلال لطرد لاعبين؟
- أتحدث عنه كثيرًا الآن مع أوتافيو، فهو معي الآن وأصبحنا صديقين. كان كل شيء تحت السيطرة: كنا متقدمين ونلعب بأفضلية عددية، والهدف الثاني كان قريبًا. ثم حصلنا فجأة على بطاقتين حمراوين. كانت أحداثًا مجنونة، لكننا حافظنا على تركيزنا، وسجلنا ركلات الترجيح، وتصدّى بونو، لنفوز ببطولة أخرى.
هناك ذكريات رائعة كثيرة في عامين: لحظات وأهداف وسعادة. ولولا بعض الإصابات لكانت التجربة أفضل، فقد شعرت في الموسم الأول بأن لا أحد يستطيع إيقافي. وأنا متأكد أنني لو لعبت مباراة العين لكان الوضع مختلفًا.
* في مباراة الهلال والرياض بالدوري، سجلت هدفُا ولكنه احتُسب للمدافع رغم أن الكرة كانت في طريقها إلى الشباك منك، وكان مؤثرًا في سباق الهدافين مع رونالدو. ألا ترى أنه هدفك؟
- أظن أن هذا هو الواقع. حين وضع المدافع الكرة في الشباك، كان ذلك هدفًا أحتاجه. أظن أن ذلك كان في الموسم الثاني، وسجلت بعده هدفًا آخر. الكرة كانت في طريقها إلى الشباك، فلمسها المدافع واحتسبوا الهدف باسمه. أعتقد أنهم أرادوا أن يتفوق عليّ رونالدو، فأخذوا مني هدفًا، وتجاوزت الأمر.
الإصابات.. وغياب كأس العالم للأندية
* الجماهير تحبك وتريد أن تعرف سبب إصابتك. لعبت أمام الاتحاد وغادرت الملعب في الدقيقة 20، فمن المسؤول عن مشاركتك وأنت غير جاهز؟ وما الذي حدث بالضبط في سلسلة الإصابات؟
- لا أستطيع القول إنني ألوم أحدًا، لكن هذا هو الحال حين تلعب تحت قيادة جيسوس. جورجي شخص متطلب جدًا، ويطالبك بالكثير في كل حصة تدريبية.
خلال فترة التوقف، وأظنها كانت فترة كأس آسيا، خضنا مباراة أمام فريق من الدرجة الثالثة أو الرابعة، وتعرضت فيها لإصابة صغيرة تحتاج إلى راحة بين أسبوع وأسبوعين. أعتقد أنني لو غبت عن مباراة الاتحاد لكان من السهل أن ألعب المباراة التي تليها.
أنا لا ألومه، فاللوم يقع عليّ أيضًا. كانت مباراة كبيرة في الكأس، وقررنا أن ألعب بالاتفاق مع الطبيب والجميع. أعطيت ردًا إيجابيًا، لأنني تدربت قبلها بأيام بشكل كامل ولم أشعر بأي شيء. ولو أخبرتك كم مرة لعبت قبل ذلك وأنا أعاني إصابة صغيرة أو ألمًا خفيفًا، لو لم أفعل لغبت عن مباريات كثيرة.
خاطرنا وتعرضت للإصابة، وسببت لي بعدها مشكلات كثيرة. لم يسر تعافيّ بسلاسة، فغبت فترة أطول وعانيت خلالها. ولو عاد بي الزمن، لغبت بالتأكيد عن تلك المباراة.
لكن حين تلعب مع مدرب متطلب كهذا، وتكون أنت وفريقك في حالة جيدة، والجماهير تنتظر منك الكثير، تخاطر أحيانًا دون تفكير وتنساق وراء مشاعرك. لم أتردد يومًا في التضحية بجسدي من أجل النادي، حتى حين لم أكن في أفضل حالاتي.
أمام فريق إيراني في ربع النهائي، لعبت وحرارتي تقارب 40 درجة. كانوا يخرجونني من السرير إلى الحافلة لألعب، وسجلت في تلك المباراة هدف الفوز في الدقيقة الأخيرة. حاولت دائمًا التضحية من أجل زملائي والنادي، لكن الأمور لا تسير دائمًا كما تريد.
* تردد أنك تلقيت العلاج لفترة لدى طبيبة صربية، وأن إدارة النادي لم تكن راضية عن ذلك. ما حقيقة الأمر؟
- الأمر يتعلق بالشخص الذي أعمل معه منذ نحو 10 أو 12 عامًا، وهو رجل. لا أريد ذكر اسمه الآن مع أنني أستطيع، وقد عمل في النادي لاحقًا أيضًا. منذ طفولتي، أجريت معه برامج التعافي من كل إصاباتي الصغيرة وفحوص ما قبل الموسم، وهو المسؤول عن ملف تعافيّ.
* وماذا عن قلبك؟ لقد خضعت لعملية جراحية...
- أنا بخير الآن. كانت مشكلة في كهرباء القلب رافقتني طوال حياتي، وبصراحة لم تسبب لي أي متاعب. لكن كان لديّ الوقت لعلاجها فعالجتها. حالتي كانت جيدة حتى قبل العملية، فهي مشكلة كهربائية عادية من هذا النوع.
* تحدثت عن ندّية الهلال أمام مانشستر سيتي وريال مدريد. لماذا غبت عن كأس العالم للأندية؟ وهل كانت الإصابة في الساق؟
- لا، كانت في عضلة السمانة. أعتقد أنها إصابة أخرى كان يمكن تجنبها. كان لدينا مدرب جديد بأسلوب تدريب جديد، وكانت أول مرة أعمل تحت قيادته.
عدت من المنتخب متأخرًا بعد السفر، وذهبت إلى التدريب دون نوم. عادةً يكون ذلك اليوم مخصصًا للاستشفاء، لكننا في اليوم التالي لم نقم بالاستشفاء، بل تدربت تدريبًا كاملًا، لأنه مدرب جديد يريد من الجميع استيعاب أفكاره.
ثم سافرنا إلى أمريكا في رحلة أخرى مدتها 15 ساعة دون نوم كافٍ. كان أول تدريب هناك طويلًا جدًا، مع كثير من التكتيك على الطريقة الإيطالية، وجسدي كان متعبًا. في تلك البطولة عانى كثير من لاعبينا من بعض المشكلات، فأحيانًا يأتي مدرب جديد ويعمل بطريقة مختلفة، وهذا وارد.
* وكيف تابعت مواجهتي الهلال أمام ريال مدريد ومانشستر سيتي؟
- أعتقد أنه لم يكن هناك فرق. على مستوى الجودة الفردية والجماعية والتكتيكية، كنا ندًّا لكل الفرق، واستحققنا الفوز في كل المباريات. أعتقد أننا مثّلنا الكرة السعودية بطريقة لم يتوقعها أحد.
خصوصًا في العامين اللذين وصل فيهما لاعبون كثيرون، كان الجميع يقول إن هذا الدوري ليس الأفضل، وإن لاعبيه ليسوا الأفضل، وإنهم يذهبون إليه من أجل المال. وأعتقد أن طريقة لعبنا وتمثيلنا للهلال أولًا، ثم للكرة السعودية، غيّرت آراء كثيرين.
لقد أثبتنا أن السعودية لا تملك لاعبين أجانب رائعين فقط، بل لاعبين محليين موهوبين جدًا قادرين على اللعب على أكبر مسرح في كرة القدم العالمية.
نيمار وسالم والبليهي..
* لعبت وتدربت مع نيمار. كيف رأيت شخصيته، وكيف رأيته فنيًا كلاعب كرة؟
- لم أرَ سحر نيمار كاملًا. «ني» إنسان رائع. قبل قدومي كانت الصحف والتلفزيون تصفه بأنه مثير للمشكلات، لكنه شخص رائع وإيجابي جدًا في غرفة الملابس، ومرح للغاية.
للأسف تعرّض لإصابتين قويتين، ولم يكن جاهزًا بدنيًا بالكامل. وحين بدأ يعود ويلعب بضع مباريات، انتهى عقده مع النادي. لم ترَ إمكانياته كاملة لأنه لم يكن جاهزًا بدنيًا، لكنك كنت ترى سحره في التدريبات، وتدرك حين يلمس الكرة أنه في مستوى آخر.
* شاهدنا فرحتك بتتويج سالم الدوسري بجائزة أفضل لاعب في آسيا. هل يمثل سالم نوعية مختلفة من اللاعبين السعوديين؟
- من الصعب جدًا أن أشرح ما يمثله سالم. لا أعرف اللاعبين السابقين، لكنه في التاريخ الحديث، ومما رأيته، أفضل لاعب في الكرة السعودية يخطر في بالي. ما حققه مع الهلال مذهل، فقد فاز بكل شيء.
كما قلنا، اللعب للهلال جميل جدًا لكن فيه ضغط كبير، وسالم يلعب للهلال منذ 15 عامًا أو أكثر. والأجمل أنه يتألق كل عام: يسجل ويصنع ويقدم مستوى جيدًا. من الصعب جدًا فعل ذلك لعام أو عامين، فما بالك بـ 15 عامًا في أعلى مستوى، مع البطولات الجماعية والجوائز الفردية. إنه أسطورة النادي، وبالنسبة لي ربما أفضل لاعب سعودي على الإطلاق.
* شاهدناك تتفوق على علي البليهي حين توّج الريان بلقب دوري أبطال الخليج للأندية على حساب الشباب. ما ذكرياتك مع علي؟
- كان الأمر غريبًا جدًا، فعادةً أحب أن يكون علي في فريقي. علي من أفضل الأشخاص الذين قابلتهم في كرة القدم، إنسان رائع بقلب طيب وروح طيبة. لا أجد الكلمات لأصف كم ساعدني وكم يعني لي. إنه صديق جيد، بل أخ مدى الحياة، وما زلنا على تواصل، وهو شخص مرح جدًا جمعتنا ذكريات رائعة. أعتقد أن الناس لا يدركون كم هو لاعب جيد، ربما بسبب أمور خارج الملعب، فعلي يتفاعل كثيرًا مع الجماهير ويتحدث كثيرًا. لكن على الناس أن ينظروا إلى ما حققه، فقد بدأ اللعب باحترافية في سن 28 أو 29 عامًا، وفاز بكل شيء في هذه الفترة القصيرة.
دار بيننا حديث مرة، فقال لي: «حبيبي، بدأت اللعب في سن 29 وفزت بكل شيء، تخيّل لو بدأت في سن 18!». كان يمزح بالطبع، لكن الناس ينسون كم هو لاعب جيد، وإنسان رائع.
ابن نافل والمفرج..
* كيف تصف شخصيتي فهد بن نافل وفهد المفرج؟ هناك من يتفق معهما ومن يختلف، وأنت تعاملت معهما مباشرة كلاعب.
- أعتقد أن فهد بن نافل حقق في فترته أشياء لم تتحقق من قبل. طريقة تصرفه وإدارته للنادي كانت مذهلة، وكذلك التعاقدات التي أبرمها، فلم تكن مع لاعبين أرادوا المجيء لمجرد المجيء.
منذ لقائنا الأول، وأظنه كان في باريس، شعرت بأنه يمنحك نوعًا من الهدوء والطمأنينة. حين تتحدث معه تجده مبتسمًا دائمًا، وتحيط به طاقة إيجابية كبيرة. ومهما كانت النتيجة أو ما قدمته، كان ينتظرك في النفق ليصافحك بعد المباراة. إنسان رائع ورجل نبيل، وكنت سعيدًا جدًا باللعب في عهده. أما المفرج فكان الذراع اليمنى لفهد، وأنا أسميه جندي النادي. كان يعمل دون توقف، تجده في النادي حين تصل وحين تغادر، ولم تكن هناك لحظة لم يكن فيها هناك هو وفريقه.
إن احتجت شيئًا، لك أو لعائلتك أو لأي أمر، كنت حرًّا في الاتصال به، ولا يستغرق إنجازه أكثر من ساعة. أسميه الآلة، جندي النادي. ومن دونه لا أعتقد أن الهلال سيكون النادي نفسه في المستقبل.
بين صربيا والسعودية
*أشعر أن هناك أشياء تجمع السعودية وصربيا، نشبهكم فيها وتشبهوننا. ما أبرزها؟
- أعتقد أننا متشابهون، وقد قلت ذلك مرات كثيرة: في العقلية، وفي الشغف بكرة القدم والرياضة. ننظر إليها على أنها أكثر من مجرد رياضة، أكثر من مجرد لعبة. وطريقة تشجيعكم لفرقكم متشابهة أيضًا: تعيشون من أجل النادي، وتسافرون أينما لعب فريقكم، والجماهير والتيفو وكل شيء متشابه جدًا.
نحب أطعمة متشابهة أيضًا، وأحيانًا نكون كسالى قليلًا. لكن كلما طالت إقامتي هناك، رأيت التشابه أكثر بين عامة الناس، فالناس لا يحتاجون الكثير ليكونوا سعداء.
* بصراحة، بعد رحيلك عن الهلال، هل ما زلت تتابع مبارياته ونتائجه؟
- تغيّر كثير من الأشخاص في الإدارة وغادروا النادي، مثل السيد فهد، لكن لا يزال لديّ أصدقاء كثيرون هناك. لن أشجع الهلال الآن فقط، بل دائمًا. سيبقى جزءًا من حياتي، فقد كان بيتي لعامين، أعال عائلتي ومنحها بيتًا، وأشعرنا بالترحيب، وكذلك السعودية بالطبع. وسيبقى له دائمًا مكان خاص في قلبي.
قضيت هناك عامين جميلين من حياتي، واستمتعت عائلتي كثيرًا. أطفالي يريدون العودة حتى الآن، وحين تكون لديهم أيام عطلة يذهبون لرؤية أصدقائهم كل بضعة أسابيع. وبالطبع أشاهد الهلال وأتابعه كلما استطعت.
* شاهدنا ابنك لوكا في المدرجات يتابع مباريات الهلال بعد انتقالك إلى الريان. هل يمكن أن يصبح لاعبًا في المستقبل؟ وهل لا يزال متعلقًا بالهلال؟
- آمل ذلك، لكنني لا أعرف، لنرَ. أن تكون لاعب كرة قدم مهنة جميلة جدًا لكنها صعبة جدًا، وعليك أن تضحي بالكثير لتحقق أحلامك. دائمًا أقول له إن عليه أن يكون مستعدًا للتضحية بوقته، وبالوقت مع أصدقائه، وبحفلات أعياد الميلاد، إن أراد أن يعيش حلمه.
أعتقد أنه يملك كل الموهبة والمهارة، لكن ذلك في النهاية لا يمثل سوى 5 أو 10 %، أما الـ 90 % الباقية فهي العمل الجاد والتفاني وكل ما يلزم لتصبح محترفًا وتصل إلى ذلك المستوى. لذا آمل ذلك، لكن القرار قراره، فهي حياته واختياره، ولا أحاول إجباره على أي شيء.
* هل جعل وجودك أنت وسيرغي سافيتش في الهلال الجماهير الصربية تتابع الدوري السعودي؟ وماذا تقول عن سافيتش؟
- بالطبع. منذ قدومنا بدأ كثيرون يتابعون الهلال والدوري، وكانوا متفاجئين جدًا. كانوا متشككين بشأن الدوري، ثم غيّروا رأيهم حين رأوا أداء الهلال في كأس العالم للأندية. الآن يشاهد كثيرون الدوري كله لا الهلال فقط، فهو يُعرض على التلفزيون الوطني أيضًا. وأعتقد أن الدوري يتطور عامًا بعد عام وسيصبح أفضل. ورأينا المنتخب الوطني أيضًا يقدم أداءً جيدًا بعد فترة طويلة، وأنا سعيد جدًا بذلك.
أما سيرغي فهو لاعب رائع وإنسان رائع، وصديقي. اليوم جاء إلى منزلي وتناولنا القهوة معًا. إنسان عظيم، وبالنسبة لي أفضل لاعب في الهلال. أتمنى له هذا العام أن يفوز بالبطولة التي تنقصه، فقد حققنا معًا أشياء رائعة كثيرة، لكنه لم يفز بدوري أبطال آسيا، وأظنها البطولة الوحيدة التي يتوق للفوز بها.
وهذا ينطبق على جيلنا كله، من اللاعبين الذين جاؤوا في الوقت نفسه، مثل بونو وسيرغي وكوليبالي وروبن، وأعتذر إن نسيت أحدًا: البطولة الوحيدة التي لم نحققها هي دوري الأبطال.
* حين تعود إلى صربيا، ماذا تقول لهم عن السعودية؟
- لدى كثيرين هناك انطباع عن هذه المنطقة من العالم بأنها ليست متطورة حقًا، وأن كل ما تملكه هو المال. لكنني أعتقد أنهم يغفلون جزءًا كبيرًا، ونحاول أن نوضح لهم أن الناس هنا شعب رائع. وحين أقول هنا أعني قطر والسعودية والخليج.
هناك أوجه تشابه بيننا أكثر مما قد تتخيل: الطعام، والعقلية، والكرم، والشغف، والترحيب. أتذكر أنني قلت بعد أشهر قليلة من وصولي إلى الهلال إنني أشعر وكأنني هناك منذ سنوات. وحتى هنا في قطر، شعرت فور وصولي بترحيب ودفء كبيرين من أهل البلد، فلم أحتج وقتًا للتأقلم أو لفهم الثقافة. إنهم أناس مرحّبون ودودون، وأعتقد أن المستقبل ينتمي إلى هذه المنطقة.
الكرة السعودية.. وما بعد الاعتزال
* سجلت في مرمى المنتخب السعودي في مباراة ودية واحتفلت بشكل كبير. ماذا يعني لك هذا الهدف؟ ولماذا هذا الاحتفال في مباراة ودية؟
- كانت مباراة ودية في أيام «الفيفا»، واحتفلت لأنه كان هدف الفوز. بالنسبة لي لا يهم ضد من أسجل، فحتى لو لعبت ضد ابني سأحتفل. هذه وظيفتي، وهي أكثر ما أحب فعله، واحتفلت لأنني كنت سعيدًا.
لكن كان جميلًا أن ألتقي أصدقاء أعرفهم وألعب ضدهم. كثير من اللاعبين اشتكوا من البرد الشديد في صربيا، فكان اللعب صعبًا عليهم بعض الشيء، لكنها كانت مباراة ودية جيدة.
* ربما كانت مباراة خاصة لأنك لعبت في السعودية؟
- لم تكن عادية بالطبع، بل خاصة، لأن لديّ أصدقاء كثيرين يلعبون هناك. لكن حين تلعب لمنتخب بلدك تريد الفوز أيًا كان المنافس، وكنت سعيدًا لأنني سجلت.
* كيف ترى مستوى اللاعب السعودي؟ ومن لفت انتباهك من اللاعبين السعوديين داخل الهلال وخارجه؟
- من الهلال، اللاعب صاحب الرقم 2 الذي جاء من التعاون، محمد محزري. فاجأني بشكل إيجابي. لعبت ضده عدة مرات وكنت أعرف أنه لاعب جيد جدًا، لكنه فاجأني بمستواه مع الهلال. والجناح الأيمن أيضًا سلطان مندش، لاعب جيد جدًا. وهناك حسان تمبكتي بالطبع، لكنه معروف أصلًا. هذان اللاعبان فاجآني كثيرًا.
وبالنسبة لي، المستقبل هو مصعب الجوير، وسيكون أفضل لاعب، أو من أفضل اللاعبين، فهو موهبة كبيرة جدًا. أعتقد أن المنتخب السعودي يجب أن يُبنى حوله، وأن يكون قائد المستقبل واللاعب الأساسي الذي يدور حوله الفريق.
* كم هدفًا سجلت حتى الآن مع منتخب صربيا؟ وماذا يعني لك ذلك؟
- لا أعرف بالضبط، أنا الهداف التاريخي، وأظنها نحو 63 هدفًا. وهذا يعني لي كل شيء. حين بدأت لعب كرة القدم كان حلمي أن ألعب لبلدي وأمثله، وأعتقد أنني فعلت ذلك جيدًا.
الأرقام القياسية التي حطمتها عمرها 50 أو 60 عامًا، ولم يتمكن كثير من المهاجمين الكبار الذين سبقوني من تحطيمها. تمكنت من فعل ما لم يُفعل من قبل، وآمل أن أضع معيارًا يصمد لفترة طويلة.
* بعد نهاية مسيرتك الكروية، أين ترى نفسك: مدربًا أم إداريًا؟
- سؤال جيد. لا أظن أن العمل الإداري يناسبني، ولست متأكدًا. التدريب وظيفة صعبة جدًا، لكن إن قررت البقاء في كرة القدم فأفضّل أن أكون مدربًا على أن أجلس في مكتب، وأود أن أجرب وأرى كيف سيكون أدائي.
كلاعب تركز على نفسك، أما كمدرب فلديك 20 أو 25 لاعبًا، وعليك إدارة النادي، ويجب أن تكون ذكيًا جدًا. العلاقة الجيدة مع اللاعبين هي المفتاح بالنسبة لي. ويجب أن تكون جيدًا تكتيكيًا، صاحب أفكار، تبتكر أفضلها مما يستطيع لاعبوك تطبيقه على أرض الملعب. إن نجحت في ذلك يمكنك أن تؤدي عملًا جيدًا، لكن الأهم في رأيي هو إدارة اللاعبين.
الوداع الذي لم يحدث
* حين يلتقط مشجعو الهلال الصور معك هنا في قطر تستقبلهم بلطف، لكنهم يرون في عينيك شيئًا تريد قوله، شيئًا لم يرتح في داخلك. ما هو؟
- رحيلي جاء بسرعة كبيرة جدًا، ولم يكن لديّ الوقت لأقول وداعًا. قضيت مع عائلتي عامين مذهلين، هما جزء كبير من حياتي، وأريد فقط أن أقول شكرًا. شكرًا للهلال، ولكل الناس في السعودية الذين رحّبوا بي وبعائلتي، وجعلونا نشعر وكأننا في بيتنا، وقد كان بيتنا فعلًا طوال عامين.
سأعود إلى السعودية كلما استطعت. عائلتي وأطفالي يحبون العودة كثيرًا، وأنا مشغول جدًا الآن، لكنني سأعود بالتأكيد، فلديّ هناك أصدقاء كثيرون. سأراكم هناك في المستقبل.
* كلمة أخيرة؟
- شكرًا لحضوركم، كان من دواعي سروري إجراء هذه المقابلة معكم. آمل أن أراكم قريبًا ونكررها، وربما في السعودية المرة القادمة.