Culture Magazine Monday  18/02/2008 G Issue 234
فضاءات
الأثنين 11 ,صفر 1429   العدد  234
 

عندما يتعب الورق
قاسم حول

 

 

(متى بنينا بيتاً يقوم إلى الأبد

متى ختمنا عقداً يدوم إلى الأبد

وهل يقتسم الإخوة ميراثهم ليبقى إلى آخر الدهر

وهل تبقى البغضاء في الأرض إلى الأبد

وهل يرتفع النهر ويأتي بالفيضان على الدوام

والفراشة لا تكاد تخرج من شرنقتها فتبصر وجه الشمس حتى يحل أجلها

ولم يكن دوام وخلود منذ القدم) - أتونابشتم

قرأت في ثقافية الجزيرة مسابقة الروايات التي أسموها مسابقة البوكر العالمية للرواية. وأنا إذا ما شكرت الله على نعمه الكبيرة والكثيرة في الحياة، فإني أيضاً أحمده إذ خلقني كارهاً لكل أشكال المقامرة ولم أحب يوماً ما يطلقون عليه ورق اللعب حتى على سبيل التسلية في البيوت وفي القطارات المسافرة، لأنها لعبة قائمة على الانتظار وأنا أكره الانتظار والترقب. أكره أن أنتظر أحداً متأخراً عن موعده وكرهت الوظيفة التي أنتظر فيها مرتب آخر الشهر. فأنا لا أعرف لعبة البوكر ولا غيرها من ورق اللعب لأنها قائمة على الانتظار والترقب والتوتر.

حكام العراق السابقون الذين أبعدهم الاحتلال عن مناصبهم حُدد عددهم بأربعة وخمسين متهماً ووضعت صورهم على ورق اللعب (البوكر) والروايات التي اختارتها لجنة منح الجوائز سميت بروايات جائزة البوكر العالمية. اللجنة بالتأكيد لا تستطيع أن تطل على أجمل الروايات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة في الساحة العربية أو الشرق أوسطية كما يحلو للبعض تسميتها. فنحن مجتمعات غير نظامية وغير قياسية. كل شيء يحصل عندنا بالمصادفة والعلاقات الشخصية. ثمة كتاب رواية ومسرحية وشعر وبحث علمي واجتماعي لا يجدون فرصة النشر أو هم راكنون في زاوية من زوايا هذا العالم وهذا الدهر وبين أيديهم أجمل الروايات وأجمل القصص ويطبعون منها نسخاً محدودة حيث يقيمون، توزع على الأصدقاء وأغلبهم مهاجرون عن أوطانهم ومستقرون في الغرب. وهؤلاء لا يدرون عن مسابقة البوكر للروايات، ثم كيف يقدمونها ومن يقرؤها ووفق أية حسابات يتم التفوق وتحصل الفلترة وتمنح الجائزة بالتالي بعد أن يصار ترتيبها وفق نظام البوكر الذي لا أعرف أنا نظامه.

للجوائز حساباتها والغرب ليس بريئاً في تدقيق الحسابات ولكن النسبية أكثر اقتراباً إلى الغرب منها إلى الشرق، فالنسبية غريبة فينا ولا نعرفها أو نحن لا نريد التعرف عليها. ففي الغرب ثمة فرص توليها مؤسسات تعمل على بناء المجتمع وليس على هدمه ولذلك فإن فرص التعرف على الإبداع كثيرة ومتنوعة، وعندما تدخل مكتبة في الغرب فإنك لو زرتها كل يوم فستجد تغييراً في أشكال العرض لأن الكتب تدخل المكتبة كل يوم.. دائماً ثمة أسماء جديدة أو روايات جديدة. وعندما يصار إلى اختيارات التقييم والجوائز وحتى وصولاً إلى جائزة نوبل للآداب، فإن هناك عيوناً ترصد وتحرج.. عيون ناقدة وأخرى متلقية في مستويات ثقافية ليست سهلة، ومن هذا المنطلق فإن الحيف قليل أو يكاد أن يكون نادراً في الغرب، فيما بعد كل جائزة شعر عربية أو جائزة رواية عربية ثمة حيف يلحق بالكثير من المبدعين حيث اللجان قائمة على العلاقات في اختيارها والجوائز هي الأخرى غير بعيدة عن هذه العلاقات.

لا يوجد نظام علمي ومنهجي للتعرف على الإنتاج الروائي والقصصي والشعري.. ثم من نحن؟ هل نحن بلدان عربية أم أمة عربية أم منطقة شرق أوسطية. فنحن في الحلم أمة واحدة ذات رسالة خالدة وفي السياسة قطريون وفي الدين طوائف وملل وفي الحاضر شرق أوسطيين.. فهل جائزة البوكر للرواية قائمة على أساس الإبداع العربي لبلدان يقف الرقيب شرطياً أمام كم هائل من كتب الإبداع فتتحول الرواية إلى منشور سري لا يستيطع أبناء هذا البلد أو ذاك التعرف على هذه الرواية أو تلك.. فكيف يمكن أن نعرف رأي متلقٍ في بلد ما وهو لم يعرف بالرواية ولم تصل إلى مكتباته.. وعليه كيف يمكن أن يحكم المنهج شروط التفوق والمسابقة والجائزة وتنظيم لعبة البوكر الأدبية؟!

لقد شاهدت على شاشة التلفاز قوماً يرتقون مخطوطات تالفة اعتزازاً بالتأريخ فيما تتبعثر الجغرافيا ولا أحد يرتقها. وعندما أحرقت المخطوطات في المكتبات العراقية ومؤسسات الذاكرة العراقية والمتاحف العراقية فإنها انتهت من الوجود حيث لم تكن السلطة الحاكمة ذات الأربعة والخمسين متهماً والمطبوعة صورهم على ورق اللعب، لم يكن أؤلئك المتربعون على العروش قد فكروا في أن الورق يتعب ويتهرأ ويموت مثله مثل الكائن الحي وعليهم استنساخه وفق أصول صحيحة وعلمية. وأتونابشتم قال قبل أكثر من سبعة آلاف عام (متى بنينا بيتاً يقوم إلى الأبد. متى ختمنا عقداً يدوم إلى الأبد).. واليوم في لعبة البوكر الروائية فإن هذه الكتب سوف تموت هي الأخرى لأننا أمة تعيش بالمصادفة ولا تحكمها نظم ومناهج وأصول اجتماعية وثقافية وطبعاً سياسية بالضرورة.

أصحاب المال العرب أو الشرق أوسطيبن هم الآخرون ينفقون أموالهم في لعب البوكر أو يودعونها في مصارف الغرب، وتبقى في خزائنها بعد رحيل صاحبها لأنها مودعة وفق كلمة سر تموت برحيل صاحبها. ولم يفكر واحد فقط من أصحاب المال في أن ينهض بشروط النشر والتوزيع نهضة يؤرخه بها التأريخ وبالتالي يحقق المنهج السليم للعلاقة بين المبدع والمتلقي فيخطو خطوة عصرية في تجاوز دور النشر التقليدية وإنعاش حركة الثقافة في المنطقة الناطقة بالعربية. وفي هذا العصر الذي يقفز فيه العلم قفزات لحظوية فإن الورق لم يعد هو المادة المعول عليها كأداة توصل العمل الثقافي للمتلقي، بل إن العلم أوجد طرائق جديدة للطباعة والتلقي مثل ما حل الحاسوب في الكتابة محل القلم، فأصبح القلم تعبيراً مجازياً عن الكتابة. كذلك التلقي فإنه يأخذ أشكالاً جديدة في العالم المتقدم. ونحن أمام هذه الحقيقة العلمية إذا ما انتبهنا جيداً للكتب المطبوعة بالحرف العربي فإننا نكتشف أن كثافة الحبر غير متجانسة في الصفحات. فنحن لم نتخط هذه الجزئية الصغيرة في شكل المطبوع وهي مرحلة تجاوزتها كتب الغرب منذ مئات السنين.

وهنا تأتي أهمية أن ينتبه أصحاب المال ليؤسسوا عالماً جديداً للذاكرة يعتمد المنهج العلمي ليس فقط في تأسيس الذاكرة وإعادة بناء الذاكرة فحسب، بل أيضاً في تثبيت أسس العدالة الثقافية، وتجاوز عالم الورق والورقيات القابلة للتلف أصلاً، وينقلنا من سوق الوراقين إلى مؤسسات الإبداع الحديثة التي بتنظيم أسسها وتحقيق المنهج السليم في العلاقة بين المبدع والمتلقي سوف يقود إلى عمليات التقييم الصحيحة بعيداً عن العلاقات الشخصية وبعيداً عن عالم المصادفة في منطقتنا الناطقة بالعربية.

كل الروايات التي فازت في مسابقة البوكر العالمية للرواية هي في طريقها للتلف والرطوبة مثلها مثل ملايين الكتب عبر تأريخنا المجيد، وحيث سيبقى عالم الكتب وعالم النشر وعالم المسابقات منتعشاً في منطقتنا الناطقة بالعربية ولكن على طريقة ورق اللعب ولعبة البوكر. لقد أطلق الأجداد في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، أطلقوا على عالم الكتب (سوق الوراقين).. كل الجوائز بالتالي والتي سيتم إختيارها من سوق الوراقين ليست هي الروايات التي تستحق الفوز بالجوائز لأن أجمل الروايات هي التي لم تقرأ بعد أو حتى التي لم تكتب بعد وربما التي لم يكتب القدر أحداثها بعد.

لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب«7591»

ثم أرسلها إلى الكود 82244

-هولندا sununu@wanadoo.nl


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة