Culture Magazine Thursday  01/12/2011 G Issue 354
تشكيل
الخميس 6 ,محرم 1433   العدد  354
 
الحقيبة التشكيلية
استزاد من خبرات رواد (الحروفية )وصنع منها نمطا خاصا
ناصر الموسى عشق الحرف العربي وتمكن من قواعده وحاله إلى لوحة تشكيلية
إعداد: محمد المنيف

لم يعد الحرف العربي عنصرا لكتابة جملة مقيدة بقواعد الخط المعتادة فقط، بقدر ما وجد فيه المبتكرون الكثير من جمالياته التي لا تنضب، استحدثها تشكيليون بدأوا علاقتهم بالفن البصري من خلال كتابة العبارة والجملة بناء على قواعد الخط من نسخ ورقعة وثلث، إلى آخر المنظومة، لكن الأمر تبدل كما تبدلت الكثير من مسارات الإبداع في كل وسائل التعبير، في الأدب.. رواية أو شعر أو قصة، أو في الموسيقى واللوحة التشكيلية. إلى الانتقال نحو ضفة جديدة توازي ولا تنفصل عن الضفة المقابلة، بل يسيران في اتجاه واحد مع نهر العطاء، يبحث فيها ومن خلالها المبدعون عن الهوية، فكان لتشكيل الحرف واكتشاف تلك الأبعاد الجماليات فيه وتطويعه إلى أشكال وأنماط وإيحاءات وصور جديدة، تحمل روحه.. وتعيد صياغته بعيدا عن المعتاد، كجزء أو وسيلة لإيصال كلمة أو عبارة أو بيت شعر، بل تحول الحرف أو كل الحروف الهجائية إلى عناصر حية، متحركة.. متفاعلة.. وقابلة للتحوير والتشكيل، لتصبح عملا وشكلا وإبداع يحمل الأصالة، يقارع الحداثة في تكويناته التي يتسابق على ابتداعها الفنانون العرب والمسلمين عامة ليصبح جزءاً منها.

واليوم لنا إطلالة على تجربة ناصر الموسى الذي يقيم حاليا معرضه الرابع عشر في اتيليه جدة، ساهم (بحروفيته ) بإصرار وتحمل الكثير في تأسيسها كنهج تشكيلي حروفي سعودي لينظم إلى بقية المبدعين فيه من أجيال (الحروفية) المصطلح الذي أطلق على تشكيل الحروف العربية، ممن وجدوا في تلك الحروف خواصا، وقيم تجريدية تمنحهم تحركا ديناميكيا وفلسفيا في بناء اللوحة التشكيلية، مواصلين مع هذا النمط بتأسيس العمل الفني بهوية الحرف العربي كتفرد بين مختلف الأنماط والعناصر العالمية، وموجدين له موقعا بين مختلف الثقافات المتصلة معها بجذور معينة أو المعاصرة الأكثر تحررا، في وقت تتابعت فيه تطورات الساحة التشكيلية العربية دفعت الكثير من (الحروفيين) إلى التوقف أو الانتقال إلى أساليب بعيدة عن الحرف..

الحروفية وروادها

لا يمكن لأي باحث أو موثق للحروفية العربية إلا ويذكر أسماء لها دور هام وكبير في هذا الجانب، غيروا النظرة المعتادة تجاه التعامل مع الحرف وتشكيله، وفق قواعده المتعارف عليها والسائدة والموثقة تاريخيا، فأصبحت معيارا للتقييم والتحكيم، لا يمكن الخروج عنها أو الحياد بقدر ما يتطلب التعامل بها بدقة احترافية (الإجادة)عند تطبيقها، إلى أن تحركت أسماء في الساحة التشكيلية، ممن وجد أن بالإمكان التحرر من تلك القيود.. أو المعايير، لإبراز جوانب أخرى من جمال الحرف العربي، واجه هؤلاء الكثير من النقد خصوصا من يرون في مثل هذا التصرف أو التفعيل للحرف خارج مساره ما يسيء له، ومع ذلك استطاعت هذه الأسماء أن تضع لها بصمتها.. وأسلوبها وتطلق للحرف العنان، فكسبت الإعجاب والاقتناء، وسارت نحو البحث عن سبل تطوير تلك التجربة إلى أن أصبحت اللوحة (الحروفية )التشكيلية عنوانا وهوية عربية ضمن بقية الرموز ومصادر الالهام في ثقافتنا العربية، حيث نجد من هؤلاء الحرفيين الرواد على سبيل المثال، من لبنان سعيد عقل الذي أطلق عنوان ( كتابه ) على أول لوحة حروفية في معرضه الأول 1954 والفنان وجيه نحلة ولوحة ( المحارب) عام 1954 التي شكل في بنائها الفني بالحروف والفنانة اللبنانية سلوى شقير التي نفذت لوحتها حروفية باسم ( يا ليل )عام 1947 والفنانة العراقية مديحة عمر عرضت أول عمل لها تستلهم في الكتابة العربية عام 1949 والفنانان العراقيان جميل حمودي والعراقي شاكر حسن آل سعيد لذي كان يبحث في صيغ لتشكيل الحرف في اللوحة منذعام 1947 والفنان ضياء العزأوي.ثم هناك تجربة أحمد محمد شبرين من السودان، ومن سوريا محمود حماد، ومن المغرب العربي محمد المليحي..ومن تونس الفنانان نجى المهدأوي وفريد بلكاهية، ومن مصر الفنانون الرواد حامد عبد الله من أوائل رواد الحروفية في مصر في الخمسينات من القرن الماضي. والفنان الرائد صلاح طاهر والفنان عمر النجدي ومن فلسطين الفنان الفلسطيني كمال بلاطة إلى آخر المنظومة.

الحروفية المحلية

وتجربة ناصر الموسى

قبل الحديث عن تجربة ضيف حقيبتنا لهذا الأسبوع الفنان ناصر الموسى علينا أن نستعرض بعض التجارب الحروفية المحلية ( السعودية) التي أخذت مساحة كبيرة في أعمال الفنانين وخاضها الكثير منهم، إلا أن بقاءها أو الاستمرار فيها لم يكن شاملا أو مشكلا مجموعة، أو جماعة يمكن أن تحمل مهمة هذا التوجه، فقد توقف الكثير والبعض الآخر لا زال يلامس الحرف باستحياء كإضافة أو تزويق للعمل أحيانا، تارة حروف منفردة وأخرى تحمل عبارة ومعنى، نذكر من هؤلاء التشكيليين على سبيل المثال وليس الحصر، ممن خاضوا هذه التجربة الفنان الراحل محمد السليم ومحمد الصقعبي وعبد العزيز عاشور ويوسف جاها وسليمان الحلوة، البعض منها قارب تجارب رواد عرب والبعض حاول التفرد ومع ذلك فليس هناك خط سير لكل منهم يمكن من خلاله رصد الرسم البياني للتجربة سوى تجربة الفنان ناصر الموسى التي لم تخل في بدايتها من تلمس الطريق بالتأثر كسمة وواقع لا يمكن الحياد عنه لأي فنان خصوصا إذا كان يتابع التجارب الحروفية في مختلف الأقطار العربية والإسلامية، راصدا تحركها وحضورها والجديد فيها باعتبارها المشروع الذي يعمل على توثيقه وتحديد مساره بعلامة إبداعية تحمل اسم ناصر الموسى.

لقد تعامل الفنان ناصر الموسى مع الحرف بشكل سلس ومتتابع هادىء بدءاً بفرض الحرف ككتلة قائما بذاته كما نراه في حرف العين منتقلا في مرحلة أخرى إلى الاعتماد على تحريك الحرف خدمة لشكل معين بايحاء لوني مموهة وبتجريد واضح دون إخلال بانسيابية الحرف ومطاوعته للتكوين، استطاع بالكثير منها الخروج من عباءة المشابهة لأعمال غيره ليضع له موقعا بين من سبقوه كاسرا حدة المفارقة وممهدا للمزواجة بين العناصر المتعددة التي تشكلها الحروف ضمن إيقاع حركي يوحي بالنص مع أن لا وجود له شكلا ، لكنه حضور الروح الكامنة داخل الحرف، مستفيدات من رشاقة الحرف وحركته الجمالية وقيمه التعبيرية لتوظيفه في لوحاته.. أحياناُ بتشكيل ذي بعدين وأحياناً يشعرك بأبعادها الثلاثة من خلال الإيقاع اللوني وتركيب طبقاته التي تتوالى وتتابع طبقة فوق أخرى لكل منهم مهمته. كما يمثل الحرف لدى الفنان الموسى قيمة تراثية يسعى بها لإيجاد مناخات تشكيلية ذات هوية.

الفنان ناصر الموسى الأمين العام لمجلس إدارة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية يعمل أخصائي تربية فنية بوزارة التربية والتعليم له مساهمات على مستوى المملكة وخارجها له حضور متواصل مع الساحة في مختلف الفعاليات التشكيلية من ورش تدريب للموهوبين فيها وإدارة ندوات، عمل في العديد من اللجان التشكيلية وقام بالإشراف وتنظيم العديد من المعارض يعد ويقدم برنامج المحترف بالقناة الثقافية.

monif@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة