Culture Magazine Thursday  17/11/2011 G Issue 352
فضاءات
الخميس 21 ,ذو الحجة 1432   العدد  352
 
انتخابات الأندية الأدبية بوصفها واقعة ثقافية «1»
من حساسية المركز إلى حساسية الأطراف
خالد الرفاعي

تعدّ انتخابات الأندية الأدبية إحدى الوقائع الثقافية المهمّة على الصعيد المحلي، لا بما تنطوي عليه من معنى فحسب، ولكن بعديد الملفات التي نشرت أوراقها، على مستويات يصعب حصرها في رصدٍ سريعٍ كهذا...

هذه الملفات كشفت جزءاً مما كان مستوراً، وغربلت أوجه العلاقة التي كانت تحكم المثقف، وتتحكّم بطرائق حضوره وفاعليته، وجلّت لنا - من وراء ذلك - نقاط الضعف الرئيسة في بنيتنا الثقافية...

في هذه المقالة ومقالات لاحقة، أحاول قراءة هذه الواقعة، انطلاقاً مما اجتمع لي من مقالات وأخبار وتحقيقات، مستعيناً بالثقافة المشروطة في أيّ عملية انتخابية يُراد لها النجاح، وهي من حيث الجملة مجموعة سمات واشتراطات لها علاقة بالسياق، ولا تتأثر بمجال الانتخابات، ولا بقانونها...

1- من حساسية المركز إلى حساسية الأطراف:

يشعر من يتابع الخطابات التي وُلِدَت على هامش انتخابات الأندية أنّ هناك إدانةً ما للحساسية التي شهدتها الساحة الثقافية منذ الإعلان عن اللائحة، بدت ضمنيةً في خطابات، ومباشرةً في أخرى؛ وأعطت الراصدَ إشارة إلى رغبة الأكثرية في أنْ تجيء الانتخاباتُ وتمضي، دون أن تثير أحداً، أو توقظ أسئلة...

هذه الإدانة برزت في خطابات الوكالة الموجهة إلى المثقفين، وفي بعض خطابات المثقفين تجاه بعضهم (إسلامي - ليبرالي، محافظ - حداثي...)، وفي خطاب كثير منهم تجاه الوكالة نفسها...، وفي خطاب المثقف الراصد أيضاً، مما يعني أنّ الجميعَ دخلوا الانتخابات بثقافة ما قبل الانتخابات، وأرادوا لها أن تكون كما التعيين، برودة ويباساً، وكأنّ الانتخابات لا تحمل في داخلها الفردانية، ولا التعددية، ولا التنافسية أيضاً..

على هامش عديد هذه الخطابات أودُّ تسجيل نقطتين، لهما علاقة بمركز العملية الانتخابية:

الأولى: أنّ الحساسية - من حيث الأصل - سمة من سمات الانتخابات، وبها يستدلّ الراصدون على حيوية العملية الانتخابية، وفاعلية أطرافها، ونستطيع أنْ نقولَ - تبعاً لذلك - إنّ غيابها دال على غياب ثقافة العملية الانتخابية، أو على غياب قيمتها، أو إحساس الأطراف بقيمتها...، وعلى هذا الأساس يُعدُّ الاعتراضُ على وجودها انقلاباً سافراً على السياق الصحي، الذي يكفل للانتخابات النجاح، أو محاولة بائسة لتجميد الدم في عروق العملية الانتخابية...

لقد كنا بحاجة إلى هذه الحساسية؛ لنمسحَ عن أنديتنا الغبار الثقيل، ونغسلَ بها عن أطرافنا وأطرافها البلادة والعتاقة، وكنا بحاجة إليها؛ لنستدرج فئة كبيرة من الشباب كانوا بعيدين تماماً عما يجري داخل أسوارها...، بل كنا بحاجة إلى من يطعّم لنا هذه الحساسية بخروج موفّق عن الأقواس دون خروجٍ طائشٍ على النصّ...، كنا بحاجة إليها؛ لنحتلّ الأسطرَ الأولى من الصفحات الأولى، ونحظى بهذا الكمّ الهائل من تعليقات القرّاء والمتابعين...

هذه الحساسية تبرز في انتخابات البيت الأبيض (بوصفه أقوى بيت سياسي)، ولا تغيب حتى عن انتخابات الأندية الطلابية في بعض جامعات العالم الثالث...

القضية إذن قضية روح، ولا بد لهذه الروح أن تكون حاضرة في عملية الانتخابات، وإلا أصبحت جسداً مصلوباً على الأعواد...، هذه الروح جزء من الفردانية (السمة المشروطة في أجواء العملية الانتخابية)، وهي أشبه ما تكون بالخشوع في الصلاة، وبالحفاوة الحارّة عند الترحيب بالضيف، وبالقتالية في لعبة كرة القدم...، من دون ما سبق تبدو هذه الأشياء بلا قيمة، وينصرف عنها الناسُ إلى أشياء أخرى يثبتون من خلالها أنهم ما زالوا على قيد الحياة...

هذه الحساسية التي نتحالف عليها تعدّ في العالم المتحضِّر معياراً، تُقاس به حرارة المشهد، وسخونة الواقعة، وتفاعل الأطراف، وليست دالة على فساد الثقافة، ولا على تهافت المثقفين ولا تفاهتهم، ولا يمكن النظر إليها على أنها إحدى خيبات الانتخابات كما ترى د.لمياء باعشن (الثقافية:ع347).

الثانية: أنّ هذه الحساسية يجب أن ترتبط بالمركز (تمثِّله هنا اللائحة)؛ لكي تكون مصدرَ قوة، وعاملاً إيجابياً؛ فإن هي خرجت عن هذا المسار إلى الأطراف، انقلبت على وجهها، وصارت مصدرَ ضعف وإضعاف، وأسهمت في بلبلة السياق العام، وقوّضت كثيراً من السمات والاشتراطات المهمة في إجراء العملية الانتخابية...، وهذا ما حدث فعلا في بعض حلقات هذه الواقعة الثقافية (خاصة بعد انتخابات نادي الأحساء)، إذ ربطت الأطراف حساسيتها بأطراف، فصار كلُّ طرف مشغولاً بالطرف الآخر أكثر مما هو مشغول بنفسه، وأكثر مما هو مشغول بالمركز أيضاً...، وانفتح البابُ على الثنائيات المعتادة: (إسلامي- ليبرالي)، (مثقف - سلطة)، (جيل قديم- جيل جديد)، (أكاديمي- إعلامي)...، وأفضى بنا الحالُ إلى رؤساء أندية ومثقفين، قرؤوا كلّ ما كُتِبَ عن الانتخابات، لكنهم لم يقرؤوا اللائحة (على حدّ تعبير محمد بو دي)، ثم قالوا كلّ شيء عنها، لكنّ الراصد لا يجد في كلامهم الطويل مفردةً واحدةً، لها صلة بالشأن الثقافي، أو بمركز العملية الانتخابية (يقول محمد العباس).

إنّ انحراف هذه الحساسية عن مسارها السليم جعلنا أمام مشهد ثقافي هشّ، تعرش على جدرانه الإشاعات، وتنمو في أطرافه الاتهامات، وتتفشى في خطاباته المظلومية، والإحساس بالمؤامرات والتصفيات...

إن الحياة الطويلة التي قضيناها في مرحلة التعيين (وبالمناسبة لم تكن تلك المرحلة سيئة على الإطلاق) جعلتنا متشابهين حدّ الاندماج، وصيّرت الأندية الأدبية في تعاطيها مع الإعلام نادياً واحداً مقسّما في جسوم كثيرة، وأعطت الجهة المعنية (الوزارة، وكالة الوزارة) الحقّ المطلق في أن تقولَ كلّ شيء، وأن تختارَ طريقة القول، ووقته أيضاً...

خطيئتنا أننا لم نغتسل من هذه التجربة قبل أن ندخل عالم الانتخابات، وإنما نقلناها معنا، فتعثرنا جميعاً في هذه الحالة من الحساسية، وصرنا نتقلّب في مشهد ساخن، لا في تعاطيه مع المركز، وإنما في تعاطيه مع الأطراف؛ فالوكالة وجدت نفسها مع انطلاقة الانتخابات طرفاً كأيّ طرف، لا يتمتع بشيء من الحصانة والحصافة، فارتبكت وهي بعد على عتبات هذا العالم الجديد، وأحسّت أنها الخاسر الأكبر في هذه التجربة، والأعضاء المعيّنون في الأندية أصابهم شيء يشبه المسّ حين اقترب موعد الانتخابات، وشعروا بأن هذا القادم قد ينتشلهم من مقاعدهم، ويرمي بهم خارج الأسوار، وكذا الأمر بالنسبة إلى المثقفين الذين عزموا على دخول الانتخابات من الخارج، شعروا بأن هناك أطرافا أقوى، وولدت فيهم عقدة المؤامرة، وصاروا يختلفون على بعضهم، ويختلقون - من حيث لا يدرون - حكايات، يعّذرون بها غداً خسارتهم...

إنّ تجارب العالم أعطتنا قاعدة لا تقبل الاستثناء، هي أنه ليست هناك انتخابات حية من دون حساسية، حتى لو ضمنّا لها لائحة مُحْكَمة، تخلو من الثغرات والعثرات، وحتى لو استوردنا لها مراقبين كما الملائكة، وحتى لو ضبطناها إجرائياً كما تُضبط الساعاتُ في سويسرا... ولا يمكن لأحد أن يوقف هذه الحساسية الجميلة إلا بطريقتين، الأولى: إلغاء الانتخابات، والعودة بنا إلى أيام التعيين، والأخرى: إمضاؤها وإخضاعها - بوصفها التجربة الأولى - إلى تقويم موضوعي مفتوح...

كان من الممكن أن نستمتع كثيراً بهذه الحساسية، لو قُدِّر للوكالة أنْ تخلعَ عباءة السلطة، وللمثقفين أن يتجرّدوا من المفهوم التقليدي للفوز والخسارة...، لكنّ الأمر انحرف عن مساره فيما بعد انتخابات الأحساء؛ فحلّت الحساسية من الطرف محلّ حساسية المركز، وانتهى المشهد بإحدى المثقفات وهي تعبِّر عن حنينها إلى أيام التعيين (شمس، ع2074)، وبأحد المثقفين وهو يطالب الوزارة بالتدخّل، وتعيين نصف أعضاء المجالس؛ كونها - على حدّ تعبيره - أسلمَ نية من المثقفين، وأصدقَ هدفاً (الثقافية، ع: 349) !!

.... يتبع

Alrafai16@hotmail.com * الرياض

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة