Culture Magazine Thursday  20/09/2012 G Issue 380
قراءات
الخميس 4 ,ذو القعدة 1433   العدد  380
 
الحرية والأصفاد!
قاسم حول

 

في أيادينا نحن سكان منطقة الشرق الأوسط من العرب والمسلمين أصفاد ليست فيها أقفال ولا مفاتيح. بحركة بسيطة من اليد اليمنى ننزع صفد اليد الشمال، وبحركة بسيطة من اليد الشمال المحررة نفك صفد اليد اليمنى.

ما يعطلنا هو عدم توقنا للحرية!

نحن نريد أن نبقى مأسورين في عالم تمكنت منه التقنية وباتت على وشك أن تفك لغزه وأسراره.

كنت أتجول في معرض ال «IBC» الذي أنتظره بفارغ الصبر في سبتمبر من كل عام لأقيم فيه ستة أيام وأنا أرى قدرة الإنسان في عالم الابتكارات التقنية المتعلقة بالبصريات والصورة والبث.. وينصب اهتمامي على التطورات الحاصلة في مجال الكاميرات ومعدات الصوت عالمي الذي أخذت إليه وصرت مأخوذاً فيه.

شاهدت في قسم للكاميرات في إحدى الشركات المنتجة لهذه التقنية وهي «Black Magic» كاميرا فيديو سينمائية» HD صغيرة بحجم الكف أو أكبر بقليل ترتبط بها عدسة مع حاجب للضوء من الجانبين، وهي كاميرا كاملة الحرفية، وبتكوينها مع الإكسسورات المكملة تراها سيدة الكاميرات في أناقتها وشكلها. وهذه الكاميرا لها مضمون هو غير مضمون التقاط الصورة وطبعها على شريحة الذاكرة!

يتمثل مضمون الكاميرا في أن صورتها تسجل بطريقتين الأولى التعديل التلقائي في اللون فتبقى الصورة غير قابلة للتدخل فيها فهي التي تعطيك الألوان وتدرجاتها دون تمكنك من التدخل فيها لاحقاً.. والطريقة الثانية أن تصور بطريقة الصورة الخام وتتدخل أنت في تلوينها واختيار نوع الألوان وحرارتها أو برودتها اللونية تماما كما يفعل الرسام في اللوحة الخام الفارغة.. وهنا يصبح الأمر في حصيلته نتاج إبداع ليس المصور وحده بل المخرج والمونتير في خلق صورة جديدة للطبيعة ليس فقط كما هي بل كما يراها المبدع.. فتنتقل الصورة من الواقع الفوتوغرافي إلى الواقع المرسوم.

المصورون العرب حسب خبرتي ميالون للتلقائية التقنية وعدم التدخل، فيما أعطتهم هذه الكاميرا الصغيرة في حجمها والمدهشة في عطائها فرصة التحرر من الأصفاد والتوغل في عالم الحرية الواعي وفي الإبداع.

عندما وقفنا أمام مندوب الشركة في المعرض والمسؤول عن هذه الكاميرا.. أخذ صاحبي «المصور العربي» الكاميرا وحددها بالتصوير التلقائي الذي ينظم الألوان تلقائياً لمشهد مصنوع أمامنا من المياه والحيوات البحرية والنباتات والصخور.. فظهرت صورة جميلة.. ثم أخذها المسؤول التقني للشركة المنتجة وحدد التصوير بدون تلقائية فظهرت صورة بسيطة ينقصها الكثير فبدأ هو يتلاعب بألوانها ويضيف ويحذف ويبالغ ويضع المؤثرات اللونية فإذا بنا أمام لوحة مدهشة لواقع يتمناه الإنسان.. هي نفس التكوينات التي أمامنا ولكن برؤية جمالية للمبدع. كل ذلك حصل في كاميرا جسمها بحجم كف اليد أو أكبر بقليل، وليس فيها الكثير من المفاتيح التقنية المربكة.

تطلعت إلى الكاميرا ملياً في صندوقها الصغير المصنوع من مادة البلاستيك المتقنة والمأخوذة من النفط الخام.. وبداخلها ليس ثمة سوى شريحة للذاكرة وقطع معدنية صغيرة من مواد بسيطة وأسلاك غاية في الدقة.. لو أراد أي هاوٍ من هواة العلم أن ينحو منحى «الجاحظ» في الشك والسؤال للتخلص من العجب بعد معرفة السبب لأمكن عربي واحد مسلم من صناعة مثل هذه الكاميرا بدلاً من أن يقف أمامها مدهوشاً. فقط عليه أن يستعمل يده اليمين في فك الصفد عن يده الشمال ومن ثم تحريرها لتفك يده الشمال صفد يده اليمين، لكنه لا يفعل ذلك فيتعطل عن معرفة سر كاميرا صغيرة سهلة ومدهشة، لكن ما يعطلنا هو عدم توقنا للحرية.

أظن أن صناعة كاميرا مثل هذه بما يتناغم وعدسة تتم إضافتها للصندوق مثل ما فعلت الشركة حيث الكاميرا المصنعة هي غير العدسة المرفقة بها، هو شأن سهل لو ذهبنا صوبه لعرفنا بسهولة كيف نضيف الرؤية للواقع وبالتالي نصبح مبدعين وليس فقط متلقين!

عندما كان عمري ستة عشر عاماً تمكنت من صناعة جهاز عرض سينمائي، قادني إليه مبدأ الشك، فعرفت السبب وبطل العجب.. وكان صديقي عبد الإله - رحمه الله - يذهب بعد المدرسة لمساعدة والده الذي يعمل مشغل ماكنة العرض في صالة سينما الحمراء فيقطع لي من فيلم لفريد الأطرش بضعة أمتار، فيأتي الجمهور للسينما ويجد إغنية «يا عواذل فلفلو» ناقصة فأعيدها إليه ليجلب لي مقطعاً من فيلم لفاتن حمامة. وهكذا.

اليوم نحن مأخوذون بعلب صغيرة بداخلها سر ليس معقداً وليس صعباً لو أنشأت بلداننا معاهد للتقنية فنأخذ من الغرب أسرار هذه التقنية، لكننا بحاجة إلى أن نمد يدنا اليمين كي نفتح صفد يدنا اليسار المكبلة ثم نحررها ونفك بها صفد اليد اليمنى.

لكن ما يعطلنا هو عدم توقنا للحرية!

sununu@ziggo.nl هولندا

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة