Culture Magazine Thursday  14/02/2013 G Issue 396
الملف
الخميس 4 ,ربيع الثاني 1434   العدد  396
 
من للديار بقُنِّةِ الحَجْرِ؟
أ. د. خالد بن محمد الجديع

 

كم كانت سعادتي غامرة حينما علمت أن ثقافية الجزيرة ستصدر عدداً خاصا عن أستاذي أ.د. عبدالعزيز الفيصل، فهذا أقل حق لرجل استنفد جهده ووقته في الكتابة والبحث سنين طويلة، إن الحديث عن منجزات الدكتور عبدالعزيز لا تستوعبه مقالة كهذه، فهي من الغزارة بحيث يستحق كل عمل قدمه للمكتبة مقالة مستقلة، ولذا رأيت في هذه السطور أن أكشف للقارئ الكريم شيئا من حياة هذا الرجل داخل كليته وقسمه وطرفا من علاقته مع طلابه وقاصديه.

في المستوى الثاني من الكلية كان أول لقاء لي بالدكتور عبدالعزيز، وقد تولى تدريس الدفعة مقرر النصوص الأدبية التي كانت من الشعر الجاهلي، شعرنا حينها بالنقلة الكبيرة التي نقلنا إليها، فهو الخبير بالأماكن الشعرية، وهو المتمرس في التعامل مع الألفاظ الموغلة في الغرابة والمعاني التي تتطلب معرفة بحياة الجاهليين، إنه قارئ حصيف لهذا النوع من الشعر، ومعه أحسسنا بالألفة لتلك القصائد على الرغم من وحشية عباراتها وكلمها.

لا أنسى الموقف الذي خرجت فيه مع بعض طلاب الفصل عقب محاضرة ألقاها نتحدث عن بصره ودقته في تحديد الأماكن، فهو لا يكتفي بما تقوله المصادر، بل يقف عليها بنفسه مشيراً إلى أسمائها الحالية، ومن ذلك حديثه في المحاضرة عن جبل (يذبل) الوارد في معلقة امرئ القيس، حيث يكتفي الشراح عند التعريف بهذا الجبل بقولهم: جبل في نجد، لكن محاضرة الدكتور عبدالعزيز تفاجئنا بأكثر من ذلك إذ يقول: هو جبل في عالية نجد الجنوبية، ويعرف الآن بصبحا، وهكذا الأمر مع سائر الأماكن، ما أمتع أن يدرسك أستاذ تشعر أنه إضافة علمية للكتب التي تقرؤها يصحح ويستدرك ويضيف. ومراس الدكتور عبدالعزيز مع الشعر الجاهلي لا يقتصر على التعريف بالأماكن لأن طول الصحبة مع هذا الشعر جعلته يميز بين صحيحه ومنحوله، وقد كانت كلماته التي تحدث بها لنا في قاعة الدرس عن الأبيات الواردة في معلقة امرئ القيس:

وقربة أقوام جعلت عصامها

على كاهل مني ذلول مرحل

وواد كجوف العير قفر قطعته

به الذئب يعوي كالخليع المرحل

فقلت له لما عوى إن شأننا

قليل الغنى إن كنت لما تمول

تكشف عن إلمامه بطبيعة عيش الملوك والصعاليك في الجاهلية، لقد ساق لنا مجموعة من الأدلة التي تظهر أن هذه الأبيات ليست لامرئ القيس، وكان حديثه يتسم بالمنطقية والإقناع.

وكان لي شرف التتلمذ على يديه في المستوى الرابع، مع نصوص خاصة بالشعر العباسي، وهنا أدرك أستاذنا أنه يتعامل مع آثار أدبية مختلفة، فتغيرت عناصر التحليل لديه، نظرا لاختلاف طبيعة الشعر المدروس، فأضحى التركيز على معالجة الصورة والموسيقا محل اهتمامه، واضعا بصمة لا تمحى على طلابه بمعالجاته النصية، ولا أزال احتفظ بالكراريس التي كتبتُ فيها ما يلقيه علينا في قاعة الدرس، وقد غدت تلك الدفاتر منارة أهتدي بها في بداية تدريسي لهذا المقرر.

وعند ما التحقت بالدراسات العليا كنت سعيدا لما رأينا الدكتور عبدالعزيز يدخل علينا ليدرسنا مقرر تاريخ الأدب، وكعادته في كل مقرر يسند له يقدِّم الجديد لطلابه ولا يكرر نفسه، حيث طوَّف بنا في عوالم التجديد والتقليد في الأدب على امتداد حقبه وطول فتراته الزمنية، وكانت له رؤية مختلفة حول الأدب الإسلامي، إذ كان يؤثر أن يسمى اتجاها، ووفق هذه الرؤية تتبع العصور التاريخية محاولا التقاط إشعاعات هذا الاتجاه دون مبالغة أو تحميل للنصوص ما لا تحتمل.

وإذا كنت تلقيت ما تحدثت به مع مجموعة من زملائي فإن للدكتور عبدالعزيز معي بعد تخرجي من الجامعة مواقف خاصة لا تنسى، لقد استدعاني إلى مكتبه، وطلب مني التقديم على الإعادة في قسم الأدب، وكان لكلماته أكبر الأثر في التحاقي بالقسم.

تعينت معيدا والدكتور عبدالعزيز يشغل منصب رئيس قسم الأدب، كان يعاملنا كأبنائه لم يسند لنا إلا تدريس مقررات خفيفة، ولم يكلفنا بالعمل في أمانة القسم إلا في أيام يسيرة، لأنه يروم مني ومن زملائي المعيدين أن ننجز رسائلنا في أسرع وقت.

له موقف لا يند عن بالي أبدا حينما تقدمتُ للتعيين على وظيفة محاضر، سامح الله من أثار الزوبعة حولي وغفر له، لقد راهن الدكتور عبدالعزيز عليّ فكسب الرهان، ها هو تلميذك الذي دعوتَ إلى تعيينه يحقق -بفضل الله ثم بدعمك- رقما قياسيا على مستوى الجامعات بوصوله إلى رتبة أستاذ وهو في السابعة والثلاثين من عمره.

وتستمر رعاية الدكتور عبدالعزيز لي حتى بعد أن حصلت على الأستاذية، يخجلني بذوقه ولطفه، ما كتبت مقالة إلا إذا قابلني تحدث عن إفادته منها وعن قيمتها النقدية، وحثني على الاستمرار في الكتابة، وكثيرا ما يزورني في مكتبي وله الحق أن نبادره بالزيارة فيتحدث عن آراء نقدية أعجبته قلتُها في مجلس قسم الأدب.

ما أعظم خلقك، مشنوء من يشنؤك، على أنه لا يمكن أن يبغض الدكتور عبدالعزيز إلا من في قلبه مرض، حَكَم عَدْل منصف، لم يكتف بالعيش على مجده السابق بعد أن نال الأستاذية بل استمر في البحث والكتابة فأثرى المكتبة بكتب يتجدد فيها دائما.

رعاك الله أستاذي وحفظ لك ابنك محمدا وابنتك سارة فرقدي قسم الأدب، وحقق لهما ما سعيتَ إلى تحقيقه في تلامذتك ومحبيك، ويشهد الله كم سعدت وأنا أراهما يقتحمان مجال الدراسات العليا لنرد من خلالهما أقل القليل من الدين الذي طوقنا.

أدعو في ختام هذه المقالة جامعة الإمام التي أفنى الدكتور عبدالعزيز عمره في خدمتها إلى تبني فكرة إنشاء كرسي يحمل اسمه ويهتم بالدراسات التي تصوِّب ناظرها نحو الجزيرة العربية، فهو ابن بجدتها في هذا المجال، ولم يبل أحد في شعر القبائل ومعرفة الأماكن ما أبلاه.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة