Culture Magazine Saturday  28/09/2013 G Issue 413
فضاءات
السبت 22 ,ذو القعدة 1434   العدد  413
 
غواية المعرفة «ثنائية المعروف والمنكر» (1)
سهام القحطاني

 

القبول والرفض غالباً ما يتعلقان بمبادئ ما نعتقده أو ما ورثناه من معتقد، وجذرية الصواب والخطأ، وتلك الجذرية هي التي تصنع معايير «المعروف و المنكر».

وقد يعتبر البعض أن المعروف والمنكر يؤسسان وفق «القيم» لا وفق «المعايير».

لكني لا أتفق مع هذا الاعتقاد لأن المعروف والمنكر لا يخرجان عن منظومة المعايير، لأن القيمة مرتبطة بالأخلاق لا بالمنفعة والضرر، كما أن القيم لا تمثل بالقوانين الرسمية، إضافة إلى أن القيمة لا تتعرض للتغيير وفق تطور العامل النهضوي وهي مُلزِمة ولا تحكم، أي لا تملك إقرار جريمة أو إفساد أو خطيئة.

لكن المعايير مرتبطة بالقوانين والمنفعة والضرر وكذلك مرتبطة بتطور العامل النهضوي، وهي مُلزمة وتحكم، أي تملك حق إقرار ما هو فاسد ببيّنة وجريمة ببيّنة وخطيئة ببيّنة.

إذن في المبتدأ المعروف جزء من منظومة معايير الصواب، والمنكر كذلك جزء من منظومة معايير الخطأ، وبذلك فنحن نتحرك في منطقة أشد معطيات الوعي تعقيداً، لأننا غالباً ما نقدم احتساب معيار القيمة على معيار القانون وهو احتساب يُوقع في غواية المعرفة.

لا تستطيع أن تلوم شخصاً «يعتقد أنه يدرك معلوم المعروف» كما «يعتقد أنه يدرك معلوم المنكر»، فالاعتقاد في ذاته «إيمان» والإدراك في ذاته «معرفة» وهما يعتمدان على أن ما نعتقده يصبح إيماننا، وما نؤمن به يؤسس لمعرفتنا.

ومن يعتقد أنه «يملك المعرفة» فهو يؤمن بموجب ذلك الاعتقاد بأنه الأنسب على تقدير القانون تفعيله، لذلك حينا نسقط في فخ «غواية المعرفة».

ولذلك يقع اللوم ها هنا على طبيعة ضرورة «ماهية الاعتقاد بما هو «معروف» وتنفيذ إدراكه، وما هو «منكر»،

وتنفيذ إدراكه وطبيعة «ضرورة فرض» ما يمكن أن يكون «معروفاً» وطبيعة «ضرورة مقاومة» ما يمكن أن يكون «منكراً»، وأيضاً هنا لا نزال نعاني من تأثير «غواية المعرفة».

وبذلك سنجد أنفسنا أمام ثلاث ضرورات يؤمن بها فاعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «طبيعة ضرورة ماهية الاعتقاد» «طبيعة ضرورة الفرض» «طبيعة ضرورة المقاومة»، وضرورتا الفرض والمقامة تدخلان غالباً في باب «مشيئة التحول والتغير»، التي أقواها الإجرائية وأضعفها استبطان نية الرفض.

المعروف وفق المجتمع هو «المقبول من القول والفعل الذي اتفق عليه المجتمع».

والمعروف وفق القوانين والأنظمة الرسمية «المقبول من القول والفعل الذي يراعي حقوق وواجبات أفراد المجتمع».

والمعروف وفق الدين «هو المقبول من القول والعمل الذي يدعم الخير ويساعد على نشره».

وبذلك يخرج المعروف من كون مصدره الدين أو مجموع الأعراف أو مجموع القوانين إلى المعروف ذي الصفة

والعلمية المعرفية، لذلك قلت في المبتدأ إن المعروف والمنكر يرتبطان بالمعايير لا القيم، لأن المعيار يُبنى على أثر مُثّبت بمعلوم أو صفة أو حقيقة.

ويحدث الصراع الاجتماعي عندما تُجير المعطيات الضمنية والشكلية الممثلة للمعروف والمنكر على إخراجها من دائرة المعايير إلى دائرة القيم، أي تجريم ما لا يُجرم وتفسيد ما لا يُفسد وفق حجة قيمة غير معيارية، أو احتساب معيار القيمة بدلاً من معيار القانون، والاحتساب ها هنا قوامه البينة المعنوية كالفاسد المعنوي والجريمة المعنوية

والخطيئة المعنوية، مما يحمل تهديداً للسلم الاجتماعي وحرياته.

ولذلك فكل محاكمة تعتمدها ذهنية الاتفاق الجمعي أو أنصار تلك الذهنية فهي باطلة وكل ما يترتب عليها من معايير هي باطلة، فالمصدر التشريعي للمعايير هي قوانين الحقوق والواجبات والسلمية الاجتماعية والتي تم إقرارها بتشريع ونظام يضمنان حرية الأفراد وسلامة ممارستهم لطقوسهم.

والمقبول من القول والفعل وفق الاتفاق الجمعي - وأنا الاتفاق الجمعي دون غيره من الاعتبارات، لأنه سبب إشكالية ثنائية المعروف والمنكر.

أقول المعروف ها هنا له مراتب هي: المقبول - القانون وهو أعلى درجات المعروف ويتصف بخاصية تأثيره في توجيه قانون الاتفاق الجمعي كما يتصف بثبات الجذر، والمرتبة الثانية المقبول الحسن من القول والفعل ويتصف بقربه من مضمون مقبول - القانون، لكنه لا يملك قوته في التأثير على تحريك الاتفاق الجمعي، والمرتبة الثالثة المقبول المُؤيَد والفارق بينه وبين الحسن، أن المؤيد يحمل المقبول مضموناً لا شكلاً، في حين أن الحسن يقارب مقبول القانون شكلاً و مضموناً، وترجيح المفاضلة بينهما ترجع للأسبقية، سواء عبر النشأة أو مقاربة التوثيق، والمرتبة الرابعة هو المقبول «الضعيف»، وهو ما يُفرض على الاتفاق الجمعي بواسطة القانون والنظام، وهذه المرتبة أدنى مراتب المعروف.

والضعف ها هنا في قيمة الصفة لا درجة نسبة التفاعل والتواصل، وقيمة الصفة لا تدخل في كمالية أو نقصان الفعل الإجرائي لأنها معيار مفاضلة لا تقويم.

والمنكر وفق المجتمع «هو المرفوض من القول والفعل الذي اتفق عليه المجتمع».

والمنكر وفق القوانين والأنظمة الرسمية «المرفوض من القول والفعل الذي يهدد السلم الاجتماعي وحقوق الأفراد وواجباتها».

والمنكر وفق الدين «المرفوض من القول والعمل الذي يدعم الشر والفساد».

وكما أن للمعروف مراتب، فللمنكر أيضاً مراتب وهي: المرتبة الأولى هي السيئ من القول والفعل المتجاوزين لمراتب المعروف الأربعة واللذين يوجبان عقوبة وفق قوانين الاتفاق الجمعي، وليس من الضرورة أن السيئ الذي يوجب عقوبة الاتفاق الجمعي يستحق عقوبة القوانين الرسمية، وهذا الفرق بين المعيار الحاصل من القيمة والمعيار الحاصل من القانون.

وعادة عقوبات قوانين الاتفاق الجمعي أشد تأثيراً على الفرد من العقوبات الرسمية، لأن العقوبات الرسمية تُقيّد براءة الفرد بمدة زمنية، في حين قوانين الاتفاق الجمعي تُقيّد براءة المرء على الدوام، فذاكرة «الاتفاق الجمعي تجمع بين ذاكرتي الأفيال والجمال».

والمرتبة الثانية من مراتب المنكر، المرفوض - القائم على العيب، والعيب هنا ما اتفقت عليه الأعراف شكلاً

ومضموناً وفعله يجلب العار، والمرتبة الثالثة المرفوض القائم على التمييز، أو المحدد إنكاره بنوع جنسي، وهو ما يطبق على جنس دون آخر كأن يحسب فعل أو قول من باب المنكر كون المرأة هي التي قامت به، ولا يحسب كذلك بالنسبة لرجل ولو قام به.

والمرتبة الأخيرة المرفوض الضعيف، وهو ما يوجب الاعتراف به كونه من باب المعروف وفق القانون والنظام الرسميين رغم انتسابه للمنكر في قانون الاتفاق الجمعي، وهو أدنى درجات المنكر، لأن ظاهره قبول وباطنه رفض، وهو مع التقادم يدخل في باب ثقافة العيب التي تُلزم ولا تحكم.

ووفق التعريفات السابقة للمعروف والمنكر سنلاحظ أن تحول الشيء إلى معروف أو منكر يعتمد على اعتبار «الدين» و اعتبار «الاتفاق الجمعي» و اعتبار «القوانين والأنظمة الرسمية».

وقبل الحديث عن «تلك الاعتبارات « وعلاقتها بتوافق الوعي أو صراعه، نتوقف عند سؤال مهم أو هكذا أعتقده والسؤال هو: «علامَ يُسن معلوم المعروف ومعلوم المنكر»؟.

نستطيع القول بأن هناك ثلاثة مصادر يمكن أن تُسنّ من خلالها معلوم المعروف ومعلوم المنكر، وهي الدين

والأعراف والقوانين والأنظمة الرسمية.

فالدين يسنُّ معلوم معروفه ومعلوم منكره وفق ثنائية «الخير والشر».

والقوانين والأنظمة الرسمية تسنّ معلوم المعروف ومعلوم المنكر وفق ثنائية «الحقوق والواجبات».

والأعراف تسنّ معلوم معروفها ومعلوم منكرها وفق مقاصدها وفق ثنائية الجنس وثنائية الفئة وثنائية التمكين.

وتلك الثنائيات تظل مُلِزمة بخصوصية المقاييس، ولهذا فهي تمارس تقييمها وفق الثبات، «معيار القيمة».

ووجود مثال - معيار القيمة - يعني جمودية الوصف والصفة وهي جمودية لها تأثير في حصول مأزق اتفاق بين معيار القانون ومعيار القيمة، وهو مأزق غالباً ما يؤدي إلى «الصراع النهضوي» بين ثنائيتي المعروف والمنكر.

- جدة
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 7333 ثم إلى الكود 82244

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة