الاقتصادية المعقب الالكتروني نادي السياراتالرياضيةكتاب واقلام الجزيرة
Tuesday 30th September,2003 العدد : 53

الثلاثاء 4 ,شعبان 1424

الافتتاحية
هذا السؤال..؟!
لا أفهم لم كل هذا الاهتمام بالمفاعل النووي في كل من جمهورية إيران الإسلامية وكوريا الشمالية ضمن سياق الحديث وما يقال عن تطوير هاتين الدولتين لقدراتهما العسكرية وبخاصة في مجال التسليح النووي في سباقهما المحموم مع دول أخرى.
ولا أدري هل التحضير الدولي الذي بدأ مبكراً لكبح جماح هاتين الدولتين تحديداً من المضي في برنامجهما النووي يندرج ضمن توجه دولي عام لإنهاء السباق على امتلاك الدول لهذا النوع من السلاح الفتاك بما في ذلك اسرائيل أم أن اسرائيل خارج دائرة الاهتمام الدولي بمعرفة ما لديها ولدى الدول الأخرى في هذا المجال؟
***
لو كان هذا الموقف المتشدد وما تلاه من تهديد مبطن لكل من كوريا الشمالية وايران بالتعامل معهما عسكرياً إذا لم تستجيبا للإرادة الدولية قد تم دون استثناءات لأي من الدول الأخرى لأمكن فهم مبررات الموقف الانتقائي الذي تبنته وتتبناه الولايات المتحدة الأمريكية.
أما وان الكيل بمكيالين في التعامل مع الدول ومع جميع القضايا المهمة هو ما تتسم به سياسات الولايات المتحدة الأمريكية لتفكيك ما تعتقد أنه يشكل إضراراً بالعالم مع امتلاك بعض دوله لصناعات عسكرية متطورة وخطيرة فهذا هو مايثير حيرتنا ويحول دون قدرتنا على الفهم والاستيعاب.
***
لو أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية صديقتها اسرائيل ضمن قائمة الدول التي يجب أن تفتح مواقعها للتفتيش الدقيق للتأكد من خلوها من انتاج وصناعة وامتلاك أسلحة الدمار الشامل مثلما فعلت ذلك مع الدول الأخرى لأمكن لمثلي أن يحترم الموقف الأمريكي وينحاز إليه.
ولو أن أمريكا تخلت عن هذه المسؤولية طالما هي عاجزة عن أخذ الموقف العادل والمسؤول من اسرائيل لاعتبارات نتفهمها جميعاً وهي كثيرة بترك أمر هذا الموضوع إلى المنظمة الدولية ومؤسساتها المختصة لتتعامل معه بما يحقق العدالة ويحترم القانون ويرسي قواعد السلم العالمي لأمكن لنا أيضاً أن نقف احتراماً للولايات المتحدة الأمريكية.
***
أما وان اسرائيل هي الاستثناء وغيرها من الدول بينها وبين أمريكا مايحكم به القانون والقرارات الدولية وذلك في أحسن الأحوال فإن أحداً منا لا يمكن أن يعطي احترامه لموقف كهذا للدولة الأكبر والأقوى في العالم.
وأن تكون اسرائيل هي من يخرق كل القوانين ويرفض كل القرارات الدولية دون ان تمس بسوء فيما أن غيرها من الدول يعلنون عن استعدادهم للالتزام بما يصدر عن الشرعية الدولية من قرارات بشرط أن تطبق المعايير على الجميع في حين أن أمريكا لا تعير مثل هذا الطلب شيئاً من الاهتمام فهذا هو ما يحيرنا.
***
ودون أن أطيل..
وقد يكون من تكرار القول أن أسأل:
لماذا تقف أمريكا مثل هذا الموقف..؟
ولماذا تتبنى مثل هذه السياسات..؟


خالد المالك

سباق محموم بين العملاقين الآسيويين
هل يُمكن للهند تجاوز الصين اقتصادياً؟!

* إعداد محمد داوود
ما هي أسرع الطرق للتنمية الاقتصادية؟ تقول الصين إنه الترحيب بالاستثمارالمباشر الأجنبي، ويوافق على ذلك معظم الخبراء في مجال السياسة، غير أن المقارنةمع الهند، التي ظلت بطيئة الخطى لسنوات طويلة، تكشف أن الاستثمار المباشرالأجنبي ليس هو الطريق الوحيد نحو الرفاهية، في الواقع، فان رجال الأعمال المحليين في الهند قد يمنحونها ميزة على المدى الطويل مقارنة بالصين التي تعوقها المصارف وأسواق رأس المال ذات الكفاءة المتدنية.
يتناول تقرير اقتصادي كتبه كل من ياشينغ هوانغ هو، الأستاذ المساعد في مدرسة سلون للإدارة التابعة لمعهد ماساشوسيتس للتقنية، وتارون خانا، البروفيسور بمدرسة هارفارد لإدارة الأعمال، يتناول الوضع الاقتصادي في كل من الهند والصين ويتوقعان ان تتمكن الهند في نهاية المطاف من تجاوز الصين اقتصاديا لعدة اعتبارات.
يقول التقرير الاقتصادي : حين تتجول داخل أي متجر من متاجر «وولمارت» الأمريكية، التي تنتشر في الولايات المتحدة وبلدان عديدة، فلن يثير دهشتك أن ترى الرفوف وقد امتلأت بسلع صينية الصنع كل شيء من الأحذية والملابس إلى اللعب والالكترونيات.
صنع في الصين
غير أن الديباجة التي تحمل عبارة «صنع في الصين» التي تراها في كل مكان تخفي مسألة هامة هي ان القليل جدا من هذه المنتجات تم صنعها بواسطة شركات وطنية صينية، في الحقيقة، سوف يشق عليك العثور على شركة صينية وطنية واحدة تقوم بالانتاج على مستوى عالمي وتبيع منتجاتها في الخارج.
سبب ذلك هو أن انتعاش الصناعة الصينية المصدرة يعتبر إلى حد كبير نتاجا للاستثمار المباشر الأجنبي، الذي يعمل بفاعلية كبديل للأنشطة الصناعية المحلية.
انطلاقة الاقتصاد الصيني
في خلال العشرين سنة الأخيرة، انطلق الاقتصاد الصيني، غير أن القليل من الشركات المحلية شارك الاقتصاد انطلاقته، الأمر الذي حرم القطاع الصناعي في البلاد من شركات ذات مستوى متميز تستطيع منافسة الشركات متعددة الجنسية.
لم تجتذب الهند سوى القليل جدا من الاستثمارات المباشرة الأجنبية مقارنة بالصين، إلى حد ما، يعكس هذا التفاوت الثقة المتوفرة لدى المستثمرين الدوليين في مستقبل الصين وشكوكها في التزام الهند بعمل اصلاحات لصالح السوق الحر.
غير أن الفجوة في حجم الاستثمارات المباشرة الأجنبية تحكي أيضا قصة عالمين من الهجرة، فللصين عالم كبير وغني من المهاجرين الذين ظلوا شغوفين بمساعدة الوطن الأم، وظلت الأموال التي تتدفق من هذا العالم تلقى ترحيبا حارا في الوطن، في المقابل، لم يكن عالم الهجرة الهندي متحمسا، على الأقل حتى وقت قريب، لنجاح الوطن الأم وكان أقل رغبة في الاستثمار فيه، اتخذت الهند موقف الاستياء تجاه الهنود الذين يغادرون الوطن صوب الخارج، وتجاه الاستثمارالأجنبي عموما، وبدلا عن ذلك وفرت ظروفاً تشجيعية أفضل لرجال الأعمال المحليين.
نجاح هندي
في هذا المسعى، نجحت الهند في إقامة عدد من الشركات التي تنافس الآن على المستوى الدولي أفضل ما تنتجه أوروبا والولايات المتحدة، علاوة على ذلك، فان العديد من هذه الشركات يحتل الصدارة، مثل عملاقي صناعة البرامج المعلوماتية Infosys وWipro ومصنعي الدواء والتكنولوجيا الحيوية الكبيرين Ranbaxy و S Labs Reddy .Dr.
في العام الماضي، ضمت قائمة فوربيس، وهي قائمة سنوية تدرج أفضل الشركات الصغيرة على مستوى العالم، 13 شركة هندية مقابل أربع شركات صينية فقط من الوطن الأم، طورت الهند أيضا بنى تحتية أكثر متانة لدعم القطاع الخاص، وتعمل أسواق المال في الهند بكفاءة وشفافية أكبر مقارنة بأسواق المال في الصين، ويعتبرالنظام التشريعي والقانوني في الهند أكثر تقدما، وإن كان ليس خاليا من عيوب جوهرية.
إن الصين والهند هما القوتان العالميتان القادمتان، كما أنهما يقدمان نموذجين متنافسين للتنمية، لوقت طويل ظل الاعتقاد الراسخ هو أن الصين تمضي في المسارالأسرع، وتؤكد البيانات الاقتصادية هذا الاعتقاد، ان «معدل النمو الهندي» وهي عبارة تحقيرية تشير إلى عجز الهند عن ملاءمة نموها الاقتصادي مع نموها السكاني ربما يكون شيئا من الماضي، لكن حين يتعلق الأمر بالبيانات الخاصة بإجمالي الدخل المحلي وغيرها من البيانات الرئيسية، فالهند ليست نظيراً للصين حتى الآن.
مع ذلك، فالبيانات تحكي جانبا واحدا من القصة قصة الاقتصاد الكلي، على المستوى المصغر، تبدو الأمور مختلفة تماما، ففيه تؤدي الهند بذات الحيوية والديناميكية التي تؤدي بها الصين، في الحقيقة، ومن خلال الاعتماد أساسا على النمو المتكامل، فان الهند تحقق استفادة كاملة من مواردها، وهي اختارت مسارا ربما يؤدي لتنمية أكثر استدامة من تلك التي ستحققها الاستثمارات المباشرة الأجنبية للصين، «هل يمكن للهند أن تتجاوز الصين؟» سؤال ما عاد سخيفا، وقد تكون النتائج هائلة بالنسبة للنمو المستقبلي للصين وللكيفية التي يفكربها خبراء السياسة في التنمية الاقتصادية بشكل عام إذا ثبت أن الهند قداحسنت الرهان.
الحالة الخانقة
حقيقة أن الهند تبني باطراد من أسفل لأعلى في الوقت الذي لا تزال فيه الصين تتبع أسلوبا نقيضا البناء من أعلى لأسفل تعكس تباين نظاميهما السياسيين:
الهند ديموقراطية، والصين ليست كذلك، غير أن الاستراتيجيات المختلفة هي أيضا نتاج للتاريخ، يبدو الحزب الشيوعي الصيني الذي جاء إلى السلطة في عام 1949مصمما على استئصال الملكية الخاصة، ذلك ما قامت بفعله في وقت وجيز، في الجانب الآخر، طورت الهند نموذجا متساهلا من الاشتراكية، غير أن ذلك لم يحل دون ازدهار العمل الحر في المواقع التي لا تمتد إليها اليد الطويلة للدولة.
في التسعينيات، حاول عدد كبير من رجال الأعمال الصينيين، وأخفق في، تجنب القيود التي وضعت على أنشطتهم، بعضهم قام بتسجيل شركاتهم كشركات مملوكة للدولة صوريا فوجدوا أنفسهم في نزاع حول الاسم حين أرادت الشركات الحكومية المفلسة أن تستولي على أصولهم، جرى تدمير غير قليل من الشركات الواعدة بهذه الطريقة.
هذا التحامل على الشركات المحلية معروف على نطاق واسع، خلص تقرير صدر في عام 2000 عن الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية إلى «نتيجة للتحامل والاعتقادات الخاطئة التي طال أمدها، فان الأعمال الخاصة والمملوكة للأفراد تحظى بوضع سياسي متدن، ويتم ممارسة تمييز بحقها في سياسات ونظم عديدة، إن المناخ القانوني، ومناخ السياسة والسوق مجحف وغير متجانس».
كان المستثمرون الأجانب من بين أكبر المستفيدين من القيود التي وضعت على الأعمال الخاصة المحلية، أحد المؤشرات على ذلك يتمثل في الأرباح الكبيرة التي حصدتها على حساب النمو الصيني الهائل: في عام 1992، كان الدخل العائد لصالح المستثمرين الأجانب في شكل أسهم في شركات صينية 3،5 بلايين دولار فقط، اليوم يبلغ مجموعه ما يتجاوز 22 بليون دولار، (هذه الأموال لا تغادر البلاد بالضرورة، إنها في الغالب يتم إعادة استثمارها في الصين.)
الربح ممنوع
بالنسبة للهند، ما بعد الاستعمار، الديموقراطية فان إتاحة الفرصة للمستثمرين الأجانب كي يحققوا أرباحاً هائلة على حساب الشركات المحلية يعتبر عملا غير مقبول البتة، لنتذكر، على سبيل المثال، الجدل الذي نشب قبل عقد مضى حين توصلت مؤسسة إنرون الأمريكية إلى صفقة مع ولاية ماهاراشترا لبناء محطة توليد طاقة فيها بتكلفة 9،2 بليون دولار، مضى العمل في المشروع، لكن فقط بعد عدة سنوات من النقاش اللاذع حول الاستثمار الأجنبي ودوره في تنمية الهند.
بينما أقامت الصين عوائق أمام رجال أعمالها، فقد ظلت الهند تقدم تيسيرات وإغراءات كبيرة للأعمال المحلية، خلال العقد الماضي، تراجعت الهند بعيدا عن إدارة وتشغيل الاقتصاد بشكل مصغر، صحيح أن الخصخصة تسير بخطى جليدية، غير أن الحكومة تنازلت عن احتكارها لخدمة اتصالات الهاتف الدولية، خفضت بعض الرسوم، قلمت أظافر البيروقراطية إلى حد ما، وفتحت بعض الصناعات أمام الاستثمار الخاص، بما في ذلك الاستثمار القادم من الخارج.
نتيجة لذلك، فان الأعمال والمشروعات الحرة تزدهر، أحد المقاييس التي تدل على ذلك: في دراسة حديثة حول الشركات الآسيوية الكبرى قامت بها مجلة الشرق الأقصى الاقتصادية، سجلت الهند نتائج هي أعلى في المتوسط من نتائج أي بلد آخر في المنطقة، بما في ذلك الصين (استطلعت الدراسة آراء ما يزيد عن 2500من التنفيذيين والمهنيين في 12 دولة، قام هؤلاء بتصنيف الشركات وفق أدائها الشامل بتحديد مكانها في جدول ذي سبع مراتب للأداء)، في الحقيقة، استطاعت اثنتان فقط من الشركات الصينية إحراز درجات تكفي لوضعها في مستوى أفضل عشر شركات هندية، تجدر الإشارة إلى أن جميع الشركات الهندية كانت مملوكة تماما لمبادرات خاصة، في حين تشارك الدولة بشكل كبير في معظم الشركات الصينية.
إن بعضا من الشركات الهندية الرائدة تمثل انطلاقات حقيقية، وبشكل خاص Infosys، التي جاءت في صدارة البحث الذي أجرته مجلة الشرق الأقصى الاقتصادية، البعض الآخر منها عبارة عن فروع لشركات من الطراز العتيق، إن شركة سندارام موتورز، مثلا، الشركة الكبيرة لصناعة مكونات السيارات والمزود الرئيسي لجنرال موتورز الأمريكية، هي جزء من مجموعة تي. في. سندارام، وهي مجموعة عمل الهند الجنوبية التي أنشئت قبل قرن من الزمان.
أبطال هنود
إن الأعمال الحرة لا تزدهر وحسب في الهند، بل إن رجال الأعمال أصبحوا من الأبطال الشعبيين فيها أيضا، لو كان نهرو حيا لأصابه الرعب من تملق عامة الهنود لأقطاب الصناعة، على سبيل المثال، فان نارايانا مورثي، الرجل ذي ال 56 عاما الذي أنشأ شركة Infosys، غدا شخصية واسعة الاحترام وكثيرا ما تتم مقارنته ببل جيتس صاحب مايكروسوفت.
ما كانت هذه القصص من النجاحات لتتحقق لو لم تكن لدى الهند البنى التحتية المطلوبة لمعاونة مورثي والأبطال الآخرين المتوقع ظهورهم، غير أن الديموقراطية، وتقاليد العمل الحر، ونطام قانوني محترم قد وفر للهند الدعم الضروري اللازم لازدهار العمل الحر، رغم أن المحاكم في الهند تفتقر للكفاءة إلى حد كبير، فهي تشكل على الأقل هيئة قضائية ذات استقلالية، إن حقوق الملكية ليست مصانة تماما، لكن حماية الملكية الخاصة أقوى منها في الصين، إن حكم القانون، وهو موروث من الحكم البريطاني، يسود فيها بشكل عام.
أكدت هذه التقاليد والمؤسسات أنها نقطة انطلاق ممتازة لظهور وتطور أسواق رأس المال الهندية، إن التشوهات ما تزال منتشرة، غير أن أسواق الأسهم والسندات توفر بشكل عام للشركات آمالاً راسخة في الحصول على رأس المال الذي تحتاج إليه للنمو، في دراسة للبنك الدولي صدرت العام الماضي، فان 52% فقط من الشركات الهندية التي شملتها الدراسة أفادت بوجود مشكلات في الحصول على رأس المال، في مقابل 80% من الشركات الصينية التي شملتها ذات الدراسة، نتيجة لذلك، اعتمدت الشركات الهندية بشكل أقل على أموال تم توفيرها من الداخل: 27% فقط من تمويلها جاء من خلال أرباح التشغيل، مقابل 57% بالنسبة للشركات الصينية.
تطورت بشكل كبير إدارة الشركات الكبرى، والفضل في جانب منه يعود إلى مورثي، الذي جعل Infosys نموذجا للعمل المحاسبي النزيه ومثالا للشركات الأخرى، في دراسة ل 25 دولة من اقتصاديات السوق الناشئة أجريت في عام 2000 بواسطة كريديت ليونيس الآسيوي، حلت الهند في المرتبة السادسة في إدارة المشروعات، بينما حلت الصين في المرتبة 19.
إن ظهور طبقة من المستثمرين، مضافا لحقيقة أن موفري رأس المال من نحو مصارف التنمية يتعرضون هم أنفسهم بشكل متزايد لقوى السوق، قد دعم فقط فاعلية ومصداقية الشركات الهندية، باستثناء توفير هيكل تنظيمي، فقد آثرت الحكومة الهندية الانزواء عن القطاع الخاص والاكتفاء بموقف المتفرج.
في الصين، بالمقابل، يظل البيروقراطيون قابضين على زمام الأمور، متحكمين في حصص رأس المال ومقيدين بشدة قدرة الشركات الخاصة على الحصول على عناصر سوق الأسهم والتماس الأموال التي تحتاج إليها الشركات للنمو، في الحقيقة، استخدمت بكين أسواق المال بشكل رئيسي كوسيلة لإبقاء الشركات المملوكة للدولة دون ديون، أنتجت هذه السياسات تشوهات كبيرة في الوقت الذي حالت فيه دون اكتساب الأسواق الصينية للعمق والنضوج، (يزعم على نطاق واسع إن أسواق الأسهم الصينية تملك فائض تمويل قدره 400 بليون دولار، لكن احتساب الأسهم غير القابلة للتداول المملوكة بواسطة الحكومة أو الشركات الحكومية يقلص القيمة إلى نحو150 بليون دولار فقط.) تزداد المشكلة سوءا بالادارة الحكومية للشركات وغياب هيئة قضائية مستقلة.
الدولارات وعوالم الهجرة
إذا كانت الهند قد تجاوزت الصين بشكل واضح على المستوى القاعدي الشعبي، فلماذا لا ينعكس تفوق الهند في الأرقام؟ لماذا تظل الفجوة في إجمالي الدخل المحلي والمعايير الأخرى بهذا الاتساع؟ من المفيد تذكر أن الاصلاحات الاقتصادية في الهند قد بدأت بجدية فقط في عام 1991، بعد ما يزيد عن عشر سنوات من بدءالصين لعملية تحرير الاقتصاد، إضافة إلى البداية المتأخرة، كان على الهند أن تبدأ اصلاحاتها بمعدل إدخار وطني يعادل نصف ما كان لدى الصين واستثمارات مباشرة أجنبية أقل بنسبة 90% مقارنة بالصين، علاوة على ذلك، فالهند ديموقراطية فوضوية متشعبة صدعتها التوترات العرقية والدينية، كما أن لديها نزاعاً طويل الأمد ومتقلباً مع الباكستان حول كشمير، في المقابل، حظيت الصين بعقدين من الهدوء النسبي، باستثناء مشكلة ساحة تيانانمين، فهي استطاعت أن تركز اهتمامها بشكل كامل على التنمية الاقتصادية.
إن كون معدل النمو السنوي للهند يقل ب 20% فقط عن الصين، لهو بالتالي انجاز رائع، وبالطبع، فان دقة الأرقام الخاصة بالصين تبقى محل تساؤل كبير، إن السرعة التي تقلص بها الهند المسافة بينها وبين الصين، تعود إلى كفاءتها الذاتية في توفير رأس المال وإلى عدم كفاءة الصين، والذي يتمثل في تبديد الأموال بالإنفاق على الشركات المملوكة للدولة.
في مطلع التسعينيات، حين كانت الصين تسجل معدلات نمو ثنائية الرقم، قامت بكين بالاستثمار بشكل كبير جدا في القطاع الحكومي، لم تكن غالبية الاستثمارات ناجحة تجاريا، الأمر الذي وضع على كاهل القطاع المصرفي عددا كبيرا من القروض غير الرابحة ربما بلغ مجموعها نحو 50% من أصول المصارف، في مرحلة ما، سوف يتعين امتصاص تكاليف تمويل هذه القروض، سواء عن طريق إسقاطها (مايعني أن يتحمل المودعون التكلفة) أو عن طريق إعادة تمويل المصارف بواسطة الحكومة، الأمر الذي يعني تحويل الأموال من استخدامات أخرى منتجة أكثر، من شأن هذا أن يحدد بشكل كبير مسار النمو المستقبلي للصين.
قد لا تكون مصارف الهند نموذجا للاستقامة المالية، غير أنها لم ترتكب مخالفات من ذات المستوى، وفقا لدراسة حديثة قامت بها الشركة الاستشارية الإدارية إيرنست آند يونغ، فان نحو 15% من أصول المصارف في الهند لم تكن منتجة منذ عام 2001، ومن ثم فان الاقتصاد الهندي يرسو على قاعدة أكثر متانة، القضية الرئيسية، بالطبع، ليست أين هما الصين والهند اليوم ولكن أين سيكونان في الغد، إن الاجابة سوف تتحدد إلى حد كبير بكيف يحسن البلدان استغلال مواردهما، وعلى هذا المستوى فان الهند تؤدي بشكل أفضل، هل هي تتبع طريقاً للتنمية أفضل مما تتبعه الصين؟ نحن لن نعرف الإجابة لسنوات عديدة، مع ذلك، فان بعض الدلائل تشير إلى أن الأسس التي ترتكز عليها الهند قد تكون في الحقيقة أكثر حكمة.
لننظر إلى الاستراتيجيات المتباينة لكل من جيانغسو وزيجيانج، وهما اقليمان ساحليان كانا على مستوى متماثل من التنمية الاقتصادية حين انطلقت اصلاحات الصين،اعتمدت جيانغسو إلى حد كبير على الاستثمارات المباشرة الأجنبية لتغذية نموها، في المقابل، فقد وضعت زيجيانج آمالاً أكبر على رجال الأعمال المحليين والتنمية الأساسية، خلال العقدين الأخيرين، حقق اقتصاد زيجيانج معدل نمو سنوي أسرع بنسبة 1% مقارنة بمعدل النمو في جيانغسو، قبل عشرين سنة، كان زيجيانج الاقليم الأفقر، أما الآن فهو الأكثر غنى دون نزاع.
ربما تظفر الهند قريبا بأفضل ما في كلا العالمين: إنها تبدو الأكثر استعداداً لجني حصة أكبر من الاستثمارات المباشرة الأجنبية في السنوات القادمة مقارنة بما حصلت عليه حتى الآن، بعد عقود من إبقاء المهاجرين الهنود بعيدين عنها، فان نيودلهي تفتح ذراعيها لهم الآن، في بعض الدوائر، كان يتم التندر على هنود المهاجر بكونهم «هنوداً غير مرغوب فيهم»، الآن، تتم الإشارة لهم بكونهم «هنوداً غير مقيمين في الوطن»، هذا التغير في الموقف تمت الإشارة إليه رسميا في وقت مبكر من هذا العام حين عقدت الحكومة مؤتمرا للمغتربين شارك فيه مهاجرون هنود بارزون.
لقد كان نجاح الصين في اجتذاب الاستثمارات المباشرة الأجنبية مصادفة تاريخية، وفي خلال التسعينيات، جاء أكثر من نصف إجمالي الدخل المحلي للصين من مصادر صينية في الخارج، يبدو أن هذه الأموال قد حققت واحدة على الأقل من النتائج غير المقصودة.. إن بلايين الدولارات التي جاءت من هونج كونج، ماكاو، وتايوان ربما تكون قد ساعدت بكين بشكل غير مقصود في تأجيل الاصلاحات الداخلية الصعبة سياسيا، على سبيل المثال، فبسبب أن المستثمرين الأجانب كانوا يجنون أصولا من الشركات الخاسرة المملوكة للدولة، كانت الحكومة قادرة على أن تجرجر أقدامها في اتجاه الخصخصة.
حتى الآن، ساهم المغتربون الهنود بما يقل عن 10% من الأموال الأجنبية المتدفقة على الهند، مع مظاهر الترحيب الرسمي الآن، فالراجح أن يزيد الاستثمار المباشرمن الهنود غير المقيمين في الوطن، وبينما قد لا يستطيع المهاجرون الهنود أن يصبحوا أندادا للمهاجرين الصينيين فيما يتعلق برؤوس الأموال الكبيرة، يتمتع الهنود في الخارج بشكل جوهري برأس مال أكثر ذكاء يمكن لهم أن يسهموا به، وهو ما قد يثبت أنه أكثر فائدة.
تمكن الهنود المغتربون من التميز في الصناعات المعلوماتية، وبشكل خاص في وادي السيليكون (أكبر مراكز الصناعة التكنولوجية في العالم)، الآن، فان الآمال المشرقة للهند، وأيضا تغير الموقف نحو أولئك الذين قصدوا الخارج، تشجع العديد من المهندسين والعلماء الهنود المغتربين للعودة للوطن وتغري كثيراً من رجال الأعمال الهنود المغتربين بفتح حافظات نقودهم، بمساعدة مهاجريها في الخارج، استطاعت الصين أن تكسب السباق وتصبح مصنع العالم، وبمساعدة مهاجريها، يمكن للهند أن تصبح مختبر العالم التكنولوجي.
استراتيجيات التنمية
انتهجت الصين والهند استراتيجيتين للتنمية شديدتي الاختلاف. إن الهند لاتتفوق على الصين في المحصلة النهائية، غير أنها تؤدي بشكل أفضل في مجالات أساسية معينة، ربما يمكنها النجاح من اللحاق بالصين بل وربما تجاوزها، متى تأكد ذلك، فانه لن يوضح فقط أهمية العمل الحر المحلي في التنمية الاقتصادية طويلة الأجل، بل سيوضح أيضا حدود المنهج المعتمد على الاستثمارات المباشرة الأجنبية الذي تتبعه الصين.

..... الرجوع .....

اعرف عدوك
قضية العدد
تكنولوجيا الحرب
الطب البديل
الفن السابع
الفن العربي
عالم الاسرة
المنزل الانيق
رياضة عالمية
نادي العلوم
المستكشف
الصحة والتغذية
أنت وطفلك
الملف السياسي
الحدث صورة
أطفال التوحد
السوق المفتوح
العناية المنزلية
المقهى
أقتصاد
حياتنا الفطرية
الواحة
ترثيات
الاخيرة
الصفحة الرئيسة

ارشيف الاعداد الاسبوعية

ابحث في هذا العدد

للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2002, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved