Al Jazirah NewsPaper Thursday  12/10/2006G Issue 12432مقـالاتالخميس 20 رمضان 1427 هـ  12 أكتوبر2006 م   العدد  12432
رأي الجزيرة
الصفحة الرئيسية

الأولى

محليــات

الاقتصادية

الريـاضيـة

مقـالات

فـن

استراحة

الثقافية

دوليات

متابعة

منوعـات

نوافذ تسويقية

الرأي

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

سماء النجوم

زمان الجزيرة

الأخيــرة

رايس في مهمة إعادة تأهيل الأوضاع في المنطقة
تيسير خالد*

للمرة الثالثة تزور كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، المنطقة منذ الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان في تموز الماضي. في الأولى جاءت السيدة رايس تحمل معها أحلامها وأحلام الإدارة الأمريكية لاستقبال مولود جديد بعد مخاض ولادة لشرق أوسط جديد، ولكنها سرعان ما اكتشفت أن الحمل كان كاذباً بفضل صمود المقاومة اللبنانية وتصديها الباسل للعدوان الإسرائيلي. وفي الزيارة الثانية، بعد أسبوعين من الأولى، أي بعد إعطاء الفرصة كاملة للجيش الإسرائيلي ليتمكن من إنجاز مهمته في تدمير المقاومة وتفكيك حزب الله في لبنان، جاءت تحمل معها مشروعاً جديداً عنوانه إعادة بناء التوازنات السياسية في لبنان والمنطقة بالاستناد إلى آلية دولية مساعدة عبّر عنها لاحقاً القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن في آب الماضي بعد أكثر من أربعة أسابيع من الحرب المدمرة التي طالت البنية التحتية اللبنانية والأحياء والقرى الآهلة بالسكان في مختلف المناطق اللبنانية دون أن تنال من القدرات العسكرية للمقاومة أو من البنية السياسية لحزب الله.
في زيارتها الثالثة للمنطقة قبل أيام معدودة جاءت السيدة رايس تحمل معها مشروعها الجديد، وهو مشروع متصل ومتواصل مع إعادة بناء التوازنات السياسية في المنطقة وصولاً إلى شرق أوسط جديد، ليس بالديمقراطي هذه المرة، ولكن بالمعتدل، حيث تراجعت الإدارة الأمريكية عن مشروع اشاعة الديمقراطية بالمقاييس والمعايير الأمريكية، وما ينتج عنه من (فوضى بناءة وخلاقة) في المنطقة، توظفها في خدمة سياستها الامبراطورية وفي خدمة مصالح كل من الولايات المتحدة ودولة إسرائيل.
يبدو أن الإدارة الأمريكية قد أدركت بعد تجاربها في المنطقة أن سياستها تواجه عددا من الاستعصاءات التي يجب حلها في السعي لترتيب أوضاع المنطقة بما يخدم سياستها الامبراطورية ومصالحها الكونية، وهي المنطقة التي كانت ولا زالت محط أطماع الدول الكبرى الاستعمارية، بحكم موقعها الإستراتيجي من ناحية وسيطرتها على أكبر مخزون للطاقة من ناحية أخرى. هنالك حدود لقدرة القوة على هذا الصعيد، وهو ما ثبت بوضوح في تجربة الحرب العدوانية المتواصلة التي تخوضها الولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان وفي تجربة الحرب بالوكالة التي خاضتها دولة إسرائيل في لبنان والحرب بالأصالة التي تخوضها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال.
هذه الحروب انتجت معادلات ومناخات جديدة في المنطقة في غير مصلحة سياسة ومصالح كل من الولايات المتحدة ودولة إسرائيل، خاصة وأن هذه الحروب هي في جوهرها وفي مسارها ونتائجها حروب عدوانية وتدميرية، تشيع من الفوضى وعدم الاستقرار ما لا طاقة للولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل في حمل تبعاتها وتداعياتها وتأثيراتها بما في ذلك على مشروع اشاعة الديمقراطية بالمقاييس والمعايير الأمريكية. ومثلما هنالك حدود لقدرة القوة في رسم صورة جديدة للمنطقة على غير صورتها الحقيقية، هنالك أيضا حدود لقدرة دفع المنطقة باتجاه التكيف مع سياسة ومصالح كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بالضغط عليها من خارج حدودها ودولها وتوازناتها الداخلية والإقليمية، فسياسة الممانعة في المنطقة لها رصيدها ومخزونها، الذي لا ينضب بفعل تجاربها التاريخية المريرة مع التدخلات الخارجية في شؤونها بدءا بمبدأ ايزنهاور، وحلف بغداد مروراً بسياسة الاحتواء وسياسة الخطوة خطوة التي سار عليها هنري كيسنجر وانتهاء بوثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية عام 2002م وطبعتها المنقحة عام 2006م ومبدأ بوش الابن والمحافظين الجدد في الحرب الاستباقية، وفي ما تسميه الإدارة الأمريكية وكذلك حكومة إسرائيل بالحرب على الإرهاب، وهي حرب عبثية مفتوحة في الزمان والمكان، إذا لم تعالج أسبابها.
وإذا كانت القوة من ناحية ومحاولات رسم صورة جديدة للمنطقة بحلول من خارج حدودها ودولها وتوازناتها الداخلية والإقليمية من ناحية ثانية لم تسعف الإدارة الأمريكية على امتداد عقود طويلة في حل الاستعصاءات التي تواجه سياستها في المنطقة، فهل تنجح هذه الإدارة في فرض هيمنتها وحماية مصالحها ومصالح دولة إسرائيل من خلال مشروعها الجديد باعادة بناء التوازنات السياسية في عدد من بلدان المنطقة كالعراق ولبنان وفلسطين والسودان وفي المنطقة بشكل عام؟ هنا علينا أن نلاحظ أن الربط في المصالح بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين إسرائيل ليس ربطا مفتعلا وتحديدا في ضوء سياسة الإدارة الأمريكية بقيادة المحافظين الجدد، الذين يملون ليس فقط على الولايات المتحدة بل وعلى الأسرة الدولية سياستهم القائمة فعلاً على الربط بين مصالح الدولتين، والتي لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح شعوب ودول المنطقة، بدءاً بالموقف من تسوية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وانتهاء بملف إيران النووي وحق هذا البلد في استخدام التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية، حيث تتطابق دون فواصل المصالح الأمريكية والإسرائيلية في سياسة الإدارة الأمريكية بقيادة المحافظين الجدد.
ما هي ملامح صورة المشروع الذي حملته وزيرة الخارجية الأمريكية معها في زيارتها الثالثة للمنطقة، وما هو موقع التسوية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في هذا المشروع، والذي لا يمكن وصفه أو التعامل معه كما لو كان مشروعاً جديداً. إنه نفس المشروع القديم وإن تعددت التسميات، شرق أوسط كبير، أو شرق أوسط جديد، أو شرق أوسط معتدل، إنه مشروع تطويع وإعادة تأهيل لدول المنطقة، ولكن بأدوات سيطرة تجمع بين الأدوات القديمة وسياسة الحرب الاستباقية وأدوات جديدة تستخدم الديبلوماسية وسيلة محتملة للوصول إلى الهدف دون ان تضع جانباً خيار استخدام القوة وسياسة الحرب الاستباقية.
في هذا الإطار تتحرك سياسة الإدارة الأمريكية، وهذا ما توضحه تماماً إستراتيجية الأمن القومي التي اعتمدتها هذه الإدارة مطلع العام 2006م بوثيقة جديدة هي في جوهرها نفس إستراتيجية الأمن القومي التي اعتمدتها بوثيقة أيلول 2003م بعد تنقيحها في محاولة للبحث عن تقاطعات مع دول ترى في سياسة الحرب الاستباقية خطراً يهدد الأمن والسلم الدوليين مثل دول الاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية والصين.
موقع تسوية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي في هذا المشروع الجديد-القديم هو موقع هامشي، إذا ما نظرنا إليه من زاوية الجهد الذي تقوم به الإدارة الأمريكية للتوصل إلى حلول فعلية سواء في إطار تنفيذ خارطة الطريق الدولية أو في إطار رؤية الدولتين، التي دعا لها الرئيس الأمريكي جورج بوش، ولكنه في الوقت نفسه موقع مركزي إذا ما نظرنا إليه من زاوية إعادة بناء التوازنات السياسية في النظام السياسي الفلسطيني، باعتباره حلقة من حلقات إعادة بناء التوازنات السياسية في بلدان أخرى كالعراق ولبنان والسودان بشكل خاص وفي المنطقة بشكل عام. ويخطئ هنا خطأً فادحاً من يعتقد أن اللقاء الذي جرى بين وزيرة الخارجية الأمريكية، كوندوليزا رايس، والرئيس الفلسطيني محمود عباس قد خرج عن هذا السياق.
قضايا أربع، حملتها معها السيدة رايس في اللقاء مع الرئيس الفلسطيني: الحكومة الفلسطينية وأهمية استجابتها لمطالب اللجنة الرباعية الدولية، والتسهيلات على المعابر وفي الحركة للفلسطينيين تحت الاحتلال، والأسير جلعاد شاليط واللقاء مع إيهود أولمرت، الذي يعاني وفق رايس من متاعب داخلية في ضوء فشل الحرب التي شنها على لبنان. أما التسوية السياسية للصراع فلم تكن مطروحة على جدول الأعمال في لقاء ذهب البعض بعيدا في وصفه بأنه أعاد القضية الفلسطينية إلى مكانتها.
لم يكن في كل هذا أية مفاجآت، فقد أعطت الإدارة الأمريكية أكثر من إشارة على امتداد الأسابيع الماضية بشأن سياستها وموقفها من دفع جهود التسوية إلى الأمام، كانت أكثرها خطورة تلك المواقف التي قابلت بها مبادرة المجموعة العربية في مجلس الأمن الدولي وإصرارها على تعطيل دور المجلس بتحويل اجتماعه الذي طالبت به المجموعة العربية إلى جلسة استماع خاصة وحسب. وحتى قبل مغادرتها واشنطن في طريقها إلى بلاد العرب لم تحاول الخارجية الأمريكية التمويه على طبيعة وهدف مهمة وزيرة الخارجية، فقد أعلن شين ماك كورماك المتحدث باسم الخارجية الأمريكية: (إن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لم يعد جوهر أزمة الشرق الأوسط وأن مهمة وزيرة الخارجية رايس سوف تركز على دفع المعتدلين نحو الاتحاد في وجه المتطرفين)، دون أن ينسى إدراج إسرائيل في قائمة دول الاعتدال.
إذن، موقع القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في المشروع القديم، الجديد للإدارة الأمريكية، ليس بالموقع المركزي، إلا من زاوية ارتباطه بإعادة بناء التوازنات السياسية في المنطقة. وفي هذا تأكيد جديد على أن الانحياز السافر لسياسة إسرائيل العدوانية التوسعية لا زال على حاله ليس فقط عند الادراة الأمريكية بقيادة المحافظين الجدد بل وكذلك عند الكونغرس الأمريكي، الذي كافأ إسرائيل على عدوانها على لبنان بمساعدات جديدة بقيمة 500 مليون دولار زيادة على المساعدات الدفاعية السنوية التي تبلغ قيمتها 2.36 مليار دولار، وهي مساعدة تجاوزت تلك التي طلبتها الإدارة نفسها بمبلغ إضافي يصل إلى 268 مليون دولار، في محاولة لاستمالة واسترضاء إسرائيل واللوبي الإسرائيلي على أبواب الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي في نوفمبر-تشرين ثاني القادم. حتى الزحف الاستيطاني على الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية لم يكن على جدول أعمال وزيرة الخارجية الأمريكية، رغم المعطيات التي وضعت أمام السيدة رايس. ففي الضفة الغربية يجري بناء 3525 وحدة سكنية استيطانية جديدة في بيتار عيليت، ومعاليه ادوميم وموديعين عيليت في محافظتي القدس ورام الله، والفيه منشه وأرئيل في محافظتي قلقيلية وسلفيت وتجري أعمال توسع في نحو 31 بؤرة استيطانية وأعمال شق طرق بأمر من قائد المنطقة الوسطى، يائير نافيه لعل أخطرها الطريق الذي يوصل معاليه ادوميم بمنطقة أريحا، ورغم ذلك لا يجد مسؤول كبير رافق وزيرة الخارجية في جولتها وفي لقائها مع الرئيس الفلسطيني من بشرى يزفها إلى الشعب الفلسطيني غير أن (السيدة رايس قد تعلن (قد) عن تحقيق تقدم في أمر المعابر وحرية الحركة للفلسطينيين).
وإذا ما عدنا قليلاً إلى الوراء للتدقيق في سياسة هذه الإدارة وموقع القضية الفلسطينية فيها، فإن النتيجة سوف تبقى هي نفسها دون تغيير. فمنذ البداية حددت هذه الإدارة لنفسها مسافة جيدة تفصلها عن سياسة إدارة الرئيس كلينتون، حيث أخذت على الأخيرة انشغالها بملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أكثر مما ينبغي. ألم تشجع إدارة الرئيس بوش حكومة شارون التي لم تكن بحاجة أصلاً إلى تشجيع، على عدم التفاوض مع الرئيس الراحل عرفات بحجة غياب الشريك الفلسطيني، تماماً مثلما فعلت مع حكومتي شارون وأولمرت بعد غياب الرئيس عرفات بحجة أن الرئيس محمود عباس شريك ضعيف، حتى قبل فوز حركة حماس في الانتخابات الأخيرة للمجلس التشريعي. مع الرئيس القوي ياسر عرفات لم تتقدم جهود التسوية على أيدي المحافظين الجدد، وإلى من تسميه رئيسا ضعيفا، أي محمود عباس، لم تمد هذه الإدارة يدها لمساعدته في دفع هذه الجهود إلى الأمام. هذه حقيقة واضحة لا تحجبها عن الانظار المتبصرة موافقة هذه الإدارة على خطة خارطة الطريق الدولية، حيث أثبتت الأحداث والتطورات اللاحقة أن تلك الموافقة جاءت قي سياق استيعاب ضغط الانتفاضة الفلسطينية وفي سياق احتواء ضغط المجتمع الدولي وبشكل خاص الاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي.
في ضوء هذا كله، ما الذي يحرك سياسة الإدارة الأمريكية وما الذي جاءت وزيرة الخارجية الأمريكية تدعو له في جولتها الثالثة في بلاد العرب؟ لا شيء يحرك سياسة هذه الإدارة في المنطقة غير تقاطع المصالح بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن هنا جاءت كوندوليزا رايس تحمل معها المشروع ذاته، بثوب جديد، هو الشرق الأوسط المعتدل، وبأدوات تنفيذ جديدة تجمع ما تسميه هذه الإدارة بدول الاعتدال العربي مع دولة إسرائيل في اصطفاف جديد تحت قيادتها لإعادة بناء التوازنات السياسية كمدخل ورافعة لنظام سياسي وأمني في المنطقة يمكنها من فرض هيمنتها عليها ويساعدها في نجاح سياستها الامبراطورية على مستوى العالم. وفي هذا الإطار تبدو أولويات سياسة الإدارة الأمريكية بقيادة المحافظين الجدد واضحة، فهي تبدأ بالملف النووي الإيراني وتمر بالأوضاع في العراق والسودان ولبنان وفلسطين لجهة إعادة بناء التوازنات السياسية فيها بما يسهم في تقدم مشروعها السياسي الأمني وسياستها الامبراطورية العدوانية، ولا ينتهي بكل تأكيد بتحريك جهود التسوية أو عملية السلام في المنطقة.
أخيرا تعودت شعوب المنطقة في ما مضى أن تلقي الإدارة الأمريكية للبلاد العربية، وهي تعد العدة لعمل كبير وخطير في المنطقة، كالإيحاء بالانشغال بجهود التسوية أو عملية السلام. في جولتها الأخيرة لم تحمل السيدة رايس ولا حتى جزرة وهي تستعد للمواجهة مع إيران، بل مشروعا لتقسيم المنطقة إلى معتدلين ومتطرفين. هذا منطقي ومناسب لهذه الإدارة التي تستعد للانتخابات النصفية للكونغرس بعد شهر وما يليها كذلك من انتخابات رئاسية لم تعد بعيدة على أي حال. ولكن، وفي ضوء حالة عدم الاستقرار، التي تعيشها المنطقة، يجدر التأكيد والتنبيه بأن مثل هذا المشروع من شأنه أن يدخل بلدان المنطقة في دوامة صراعات طائفية ومذهبية مدمرة وفي فوضى عبثية، لن تكون الولايات المتحدة الأمريكية بمنأى عن تداعياتها الخطيرة، وهو في ظني ما تدركه جميع الدول العربية.

* عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية
عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية



نادي السيارات

موقع الرياضية

موقع الأقتصادية

كتاب و أقلام

كاريكاتير

مركز النتائج

المعقب الإلكتروني

| الصفحة الرئيسية|| رجوع||||حفظ|| طباعة|

توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية إلىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية إلى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved