Al Jazirah NewsPaper Thursday  12/10/2006G Issue 12432سماء النجومالخميس 20 رمضان 1427 هـ  12 أكتوبر2006 م   العدد  12432
رأي الجزيرة
الصفحة الرئيسية

الأولى

محليــات

الاقتصادية

الريـاضيـة

مقـالات

فـن

استراحة

الثقافية

دوليات

متابعة

منوعـات

نوافذ تسويقية

الرأي

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

سماء النجوم

زمان الجزيرة

الأخيــرة

صوت من بعيد
سعيد البرغوثي

يستذكرون يوم نكبتهم مع عودة منتصف أيار- مايو من كل عام.. بينما (هم) يحتفلون بقيام دولتهم.
الحاجة أمينة التي هُجرت من قريتها قبل خمسين عاماً فقدت ذاكرتها القريبة وكل ما يتصل بها، بينما استيقظت ذاكرتها البعيدة على نحو شديد الصفاء، فراحت تسرد لأحفادها والمحيطين بها قصص تلك الأيام بكل حكاياتها الحميمة والمؤلمة.. الفرحة والحزينة وكأنها تعيشها اليوم.
وكأن شيئاً ما بداخلها جعلها تصحو كل يوم مع بزوغ الفجر لتصلي ركعتين وتحضر زوادة بسيطة، بضع حبات من الزيتون وقطعة خبز لتسير بهمة متكئة على عكازها عبر الطريق الترابي الذي تعرفه جيداً نحو قريتها التي هدمت منذ خمسين عاماً غير هيابة، لا تلوي على شيء، وعلى مشارف القرية كانت ترتاح تحت شجرة تين عجوز ضخمة الوحيدة المتبقية من أطلال قريتها.
هناك كانت ذكريات الطفولة والصبا المختزنة في تلافيف ذاكرتها تشع وتزهر وتتلون.. فتشحذ عزيمتها وتنهض لتطوف في أرجاء المكان الذي كان يوماً ما قريتها:
هنا من الناحية الشمالية يقع بيت المختار.. وهناك بيت أحمد الحسن وهنا حاكورة عمي فارس..
وهنا موقع بيتنا.. وعبر الصمت الذي يلف المكان كانت تنهض البيوت والحواكير والأشجار والأزهار، البشر والحيوانات وتضج الحياة في ذاكرة الحاجة أمينة وكأن القيامة قامت!
تحولت أيامها المحيطة البائسة إلى سعادة عامرة عبر مشوارها اليومي الطويل، وعلى أرض قريتها كانت في كل يوم، تلم الحجارة من هنا وهناك وترصفها لتعيد رسم معالم القرية وبيوتها مداخلها ومخارجها.. وعندما تتعب كانت تستظل شجرة التين وتفتح زوادتها، وتأكل حبات الزيتون لتعود من جديد إلى عملها..
تماهي الجيران والأقارب مع الحاجة أمينة مع إيقاعها اليومي وأخذوا يزورونها هناك وكانت الخطيئة الكبرى عندما يقوم أحد زوارها أو أحفادها بعبور المكان فوق الحجارة التي رصفتها فكانت تحتج وتصرخ بهم (الناس يدخلون البيوت من أبوابها) ولا تستعيد رضاها إلا حينما يعود من أخطأ الطريق ليدخل من الممرات التي رسمتها..
عندئذ يشرق وجهها وكأن ما رصفته من الحجارة يشكل في مخيالها بيوت القرية
بأبوابها ونوافذها وناسها.. أحد لا يعلم ما إذا كانت الحاجة أمينة تمر على البيوت وتقرع الأبواب وتحيي أهلها وتتبادل معهم الأحاديث وتدعوهم إلى منزلها لقهوة الصباح أو سمر الأمسيات.
أما (هم) فكانوا يراقبونها وكأنما أفزعهم شبح القرية وقرروا الاحتفال هناك في ذكرى قيام دولتهم.
اجتثوا شجرة التين وأزالوا معالم القرية التي وصفتها الحاجة أمينة وبنوا على أطلالها سرادق لاحتفالهم. في مشوارها الأخير رأت الحاجة أمينة ما فعلته الأيدي الهمجية وغادرت محبطة منكسرة.
أمضى الناس ليلتهم ساهرين مع الصوت الواهن للحاجة أمنية، يتردد في الشوارع والأزقة.
(هنّي. بيهدموا واحنا بنبني.. هنّي بيهدموا واحنا بنيني..) ومع الصباح كانت قد فارقت الحياة.. لقد هدموا قريتها مرة ثانية.
يروي الأطفال لأهاليهم أنهم يستيقظون فجر كل يوم على صوت مقبل من بعيد.. (هنّى بيهدموا.. وإحنا بنبني).



نادي السيارات

موقع الرياضية

موقع الأقتصادية

كتاب و أقلام

كاريكاتير

مركز النتائج

المعقب الإلكتروني

| الصفحة الرئيسية|| رجوع||||حفظ|| طباعة|

توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية إلىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية إلى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved