Tuesday 08/10/2013 Issue 14985 الثلاثاء 03 ذو الحجة 1434 العدد
08-10-2013

أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً؟ 1 / 2

من العادات المتوارثة نزعتا: التفاؤل والتشاؤم. وما من أحد له وزنه في الحياة إلاّ هو على شيءٍ من هذا أو ذاك، فمقل أو مكثر. والمحمود من الخصال التوازن، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعجبه الفأل. ومثلما يراوح الناسُ بين تلك السّمتين، تجدهم كذلك،

يراوحون بين (الغبطة والحسد)، إذ لا يخلو جسد من حسد - كما قال (ابن تيمية) -. واليد واللسان مجال تجليات الخصال الحميدة، أو الذميمة.

ولما تداول المراقبون مصطلح (الربيع العربي) تفاءلنا خيراً، وأحْسَنَّا الظنّ بمن غامروا في كسر القيود التي أدمت المعاصم، وسلبت الحريات، وعَفَّرت الكرامات. وحين لم تكن الأمور على ما يرام، تبادر إلى الأذهان ما كان يطلقه الأوائل من باب التفاؤل، وذلك حين يسمّون (اللديغ) سليماً، والأرض المتاهة (مفازة) وعلى شاكلة ذلك سمّوا الخريف العربي ربيعاً.

وما كان في حسابات أباطرة السياسة اجتياحُ الفوضى لعالمنا العربي بهذا القدر، وبذلك التسارع. وفي أتون الفتن، تساءل المستهدفون, كما تساءل عالم الجن:- {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً}.

و(الربيع العربي) فاجأ المشاهد،كما فاجأها تفكيك (الاتحاد السوفييتي), ونشوء (الاتحاد الأوربي).

ومن أراد أن يتحسّس عن النوازل السياسية, فإنّ عليه أن يتخلّى عن المتداول من القول، كي يتسنّى له الغوص في أعماق القضايا المتداعية، وضرب الظواهر بعضها ببعض. لينكشف ما ادَّارَءَ فيه المختصمون، ويُعْرف قاتل الكرامة العربية.

فاللّعب السياسية حلقاتٌ يمسك بعضها برقاب بعض، أو هي موجات يتكسّر بعضها فوق بعض.

ومنذ التناوش بين (العرب) و(الفرس) في عهد الخليفة الراشد (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه، والحروب سجال بين العنصرين.

حروبٌ باردة، وقودها الكلمات، وحروب ساخنة, وقودها الناس والمثمنات.

وما (التشيُّع) إلاّ تحرفٌ ما كِرٌ، اتخذ ساحة الدِّين ميداناً للتفاني، وتفجير الأحقاد الدفينة. وما (الشعوبية) إلاّ مفردة من مفردات التناوش فجرت مواهب الشعراء.

والساحات الرئيسة للمنازلات المصمية ثلاث: (اللغة، والدين، وضرب الرقاب).

والتقصّي للمراوحات يَمُرُّ بالمتقصّي على جيف الفتن النتنةِ، ويكشف عن المخبوء الذي لا يصل إليه إلاّ أولو العلم بالتماكر السياسي.

هذه العداوة العِرْقية والعَقدِيَّة بين العنصرين: (العربي والفارسي) استثمرها عنصر صَلِيبي ثالث, هو الغرب المادِّي الذي أتقن كُلَّ مقوّمات القوة، وتمكن من كل محقّقات التفوُّق المادي، وعقلنة الحياة، وغَلَّبَ جانب المصالح على المبادئ.

من هنا التبست الأمور على الأُمّة العربية، وامتد معها زمن التيه، وأصبحت النوازل ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب.

وحُقَّ لها أن تتساءل بذهول:- أَشرٌّ أريد بالعروبة أم أراد بهم ربهم رشدا؟.

إن الواقع العربي، والمصير العربي من الغموض والالتباس، بحيثُ لا يعرف السالكون دربهم.

وليس بمقدور الخاصة أن يراهنوا على مصير مُرْتَقب. وهنا يعلو قدح التفاؤل والتشاؤم، ولعبة المسمّيات الباذخة كالربيع، وما يقتضيه هذا المسمّى من تصرُّفات وإجراءات، غير أنّ الواقع يكذب التَّوقَّع، ويكشف زيف الرهانات الخاسرة.

لقد اجتاحت العالم العربي انقلابات عسكرية دامية، تستعين على قضاء جرائمها بالكتمان. ولو صاحبها ما صاحب (الربيع العربي) من وسائل الاتصال، لأشابت الوقوعات رؤوس الولدان.

ولتعميق المآسي فقد واكب هذه الانقلابات التي سمّيت ظلماً وعدوناً بالثورات، إعلامٌ كذوب، يُقَلِّب للسذّج الأمور, ويُزيِّف الحقائق, ويُزَوِّر الأحداث، ويُصَنِّم المدنس:-

(أمتي كم صَنمٍ مَجَّدته

لم يكن يَحْملُ طُهْر الصَّنم)

لقد جاءت عصماء (أبي ريشه) (أمتي) مُجَسِّدةً الجرح الغائر في كرامة الأُمّة العربية، ولكن أحداً لم يلتفت إلى تلك البكائية المقعرة لرؤية المأساة العربية التي أحكم صنعها (بلفور) بوعده المشؤوم، ونفّذت غوائلها اتفاقية (سايكس بيكو) بتقسيماتها الظالمة.

عداوة (الفرس) وتربّص (الغرب) وتبادل المكائد بين هذين الطرفين من الحقائق الغائبة.

وليس بمستغرب أن يتلقّى الجسد العربي المنهك الطعنة الغادرة تلو الطعنة، ولكن المستغرب أن ينبري من أبناء الأُمّة من يتولّى كبر هذا التآمر بالقول الصريح، أو الفعل القبيح، ومن أراد أن يعكّر صفو حياته، فما عليه إلاّ أن ينقب في وسائل الاتصال والإعلام عن المتداول من التناجي الآثم، ليقطع بأنّ الأخسرين أعمالاً من أبناء الأُمّة العربية، يخربون بيوت أمتهم بأيديهم وألسنتهم، ويركنون طوعاً أو كرهاً، رهبة أو رغبة، إلى الذين يسوقونهم كالقطيع إلى معاطن الذل، وخسف المهانة.

يتبع ..

Dr.howimalhassan@gmail.com

 
مقالات أخرى للكاتب