Monday 27/01/2014 Issue 15096 الأثنين 26 ربيع الأول 1435 العدد
27-01-2014

حول فاكهة الشتاء

لا تحلو جلسة سمر في ليالي الشتاء إلا حول نار تجلب الدفء فتحلو الحكايات والأخبار ونوافل الأقوال، وأحلى المجالس ما كان فيها تلاقح العقول وحلو القصص إلى جانب ما يجلو عن القلوب همومها وعن النفوس شواغلها. كنت في إحدى تلك الليالي حول (فاكهة الشتاء) كما يطلق على نار التدفئة، فكان أن حل موضوع هو من أحب الأمور إلى نفسي،

ألا وهو الكتاب الورقي، فكان الجالسون يذهبون إلى أفول نجمه لصالح الكتب الالكترونية أو تلك الموجودة في المكتبات الافتراضية على الشبكة العنكبوتية حيث أنها تغني عن قراءة الكتب الورقية التي قاربت أن تغدو من الأرشيف والتراث. حقيقة شعرت حينها بالضيق لهذا الانطباع والتوجه الذي بدأ يطغى على شريحة ليست بالصغيرة من المجتمع، إلا أنني وبعد تفكير أزعم أن ضيقي ومخاوفي لا داعي لها، إذ أن القراءة كممارسة حضارية وعادة راقية اتسم بها المفكرون وطلاب الحكمة ليست عادة طاغية في مجتمعاتنا العربية حتى نخاف على مكانة الكتاب الورقي، هذا ابتداء، مع أننا نشهد ولله الحمد عودة إلى الكتاب بدت من خلال زحف الجمهور إلى معارض الكتب العربية في الرياض والكويت والشارقة وبيروت وغيرها من العواصم العربية وهذا ما يوجب التفاؤل والابتعاد عن التعميم وإطلاق الأحكام جزافا.

أخبار وقصص أخرى زادت من اطمئناني عن مكانة خير الجلساء، كما ينتابني شعور غامر بالحبور والفخر إذا قرأت خبرا عن كتاب يلقى رواجا ضاربا أرقاما كبيرة في التوزيع، أو عن شخصية شهيرة في مجالها تعشق القراءة وتقتني الكتب الورقية، كذلك الخبر عن الرئيس باراك أوباما وهو يدخل أحد متاجر بيع الكتب قبل نهاية السنة الميلادية والإجازة السنوية لشراء الكتب مصطحبا عائلته، وهو فيما هو فيه من منصب وفي دولة تعد أم التقنيات وثورة الاتصالات، ولكن مكانة الكتاب هناك مقدسة إذ عادة القراءة تبدأ هناك من سن مبكرة جدا والطفل لم يبدأ بالكلام بعد، حيث القراءة للطفل قبل النوم ما تزال هناك محافظا عليها.

الخبر الثاني الذي يشعر كل عاشق للكلمة والحكمة والمعرفة بالاطمئنان والتحفيز واحترام الذات، هو تلك السلسلة البشرية التي شكلها مجموعات من سكان مدينة ريغا عاصمة جمهورية لاتفيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، لنقل الكتب من المكتبة الوطنية القديمة إلى مبناها الجديد. هذا الفعل العجيب والذي يحمل دلالات عميقة يبعث على احترام هذا الشعب وهذه الجمهورية الهادئة والتي منذ انفصالها بداية عقد التسعينات الميلادية وهي تعيد هويتها وترتيب حضارتها دون ضجيج أو احتراب داخلي ولا صراع مع جاراتها، وما هذا الاعتناء الجميل بالمكتبة الوطنية وحمل الكتب على أكف الراحة إلا دليل تميز هذا الشعب وجمال هذه الدولة.

عودة إلى جلسة السمر في تلك الليلة الشتوية غير البعيدة من يومنا هذا. ذكرت في دفاعي عن الكتاب الورقي للأصحاب كيف أن الجمهور في عواصم غربية عدة وفي توقيت واحد يصطفون بالمئات أمام أبواب متاجر بيع الكتب وبالساعات للحصول على نسخة من رواية جديدة، كما حدث مع سلسلة (هاري بوتر) مثلا، فرد علي أحد الجلساء بأن مثلهم أو أكثر يفعلون للحصول على أحدث نسخة من التلفونات الذكية أو وسائط الاتصال الأخرى. هو طغيان وثورة الاتصال الحديث بكل وسائلها ووجوهها لا شك، ومعروف تراجع الصحافة المطبوعة أمام الالكترونية، ولكن في رأيي الشخصي الذي قد يوافقني عليه البعض ويرفضه الآخرون، أن الكتاب المطبوع التقليدي يبقى ملكا يجمع عليه الغالبية العظمى من عشاق الكلمة والمعرفة ولاء ومحبة.

بعد انقضاء تلك السمرة وعندما ركبت السيارة ساريا إلى بيتي ومعي صاحب نظرية أفول الكتاب الورقي، وهو قريب وصديق في نفس الوقت، قدمت له هديتي التي جلبتها من إحدى مكتبات مدينة دبي وهي كتاب لعالم الاجتماع والمؤرخ العراقي علي الوردي رحمه الله، فتبادلنا الضحك معربا هو عن المفاجأة المحرجة وإن لم يغير موقفه وأنه يفضل الكتاب الالكتروني على المطبوع واصفا إياي بأني تقليدي. مرحى لأي وصف أو صفة تطلق علي إن كانت بسبب حبي لملك المعرفة واحترامي لجليس العلماء، لعشقي لملمس أوراقه وعبق صفحاته، دمتم في عناية الرحمن.

romanticmind@outlook.com

تويتر @romanticmind1

مقالات أخرى للكاتب