Thursday 10/07/2014 Issue 15260 الخميس 12 رمضان 1435 العدد
10-07-2014

هل ستهيمن المكارثية برأسها من جديد على واقعنا؟

في أوقات الشدائد والمتغيرات الكبيرة التي تمر بها الدول عبر بعض فترات تاريخها تضطر هذه الدول (أحيانا) إلى اتخاذ اجراءات احترازية (ربما تكون مؤقتة) لحماية مصالحها من التهديدات المحتملة داخلية وخارجية ولعل اقرب نموذج لنا في العصر الحديث هو ما حدث في الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر حيث اضطرت الحكومة الأمريكية إلى اتخاذ تدابير (اعتبرها البعض تدخلا في الحريات الشخصية)

ونظرت لها الدولة باعتبارها جزء من نشاطها لحماية امنها القومي مثل السماح بالتنصت على المكالمات الخاصة للأفراد وتتبع نشاطهم على قنوات التواصل الاجتماعي واختراق بعض الكمبيوترات الشخصية وأقامه معتقل جونتنامو خارج الولايات المتحدة من أجل تطبيق إجراءات اعتقالية وتعذيبية (للحصول على الشهادات من الموقوفين) حتى بطرق لا يقرها القانون الأمريكي.

قبل ذلك بكثير عرفت أمريكا طعم ما سمي في تاريخها منذ الخمسينات بالمكارثية نسبة إلى عضو مجلس الشيوخ الامريكي جوزيف مكارثي الذي أشعل الشك والحرب ضد الكثير من النشطاء والمفكرين والصحفيين باعتبارهم يمثلون تهديدا للأمن القومي للولايات المتحدة إبان حربها الباردة مع الاتحاد السوفيتي في تلك الفترة ومن ثم كان الجو مؤهلا للتشكيك في وطنية ونزاهة كل من يحمل فكرا مختلفا من شيوعيين او ليبراليين او ممن يتبنون وجهات نظر غير متطابقة مع وجهة نظر الحكومة الأمريكية في ذلك الوقت.

وقد أدى هذا المناخ القلق والمشكك في الآخرين الى إيجاد حالة من الاضطراب في الرؤية للمخالفين فهم اما جواسيس وعملاء فعليون للاتحاد السوفيتي أو هم متآمرون وغير وطنيين. هذا خلق جوا من التشكيك في فضاء المؤسسات المختلفة حكومية وتعليمية وصحفية وفكرية وادي الى بناء ملفات كبيرة لآلاف من الناس واستصدار أحكام سريعة وعامة تمكن من طردهم من وظائفهم أو تبرر اعتقالهم او مطاردتهم والتجسس عليهم. بالطبع استفاقت أمريكا فيما بعد وبدأت في مراجعة ما تم من إجراءات ولكن بعد سنين طويلة من التربص وضياع الكثير من المقدارات البشرية والمالية التي كان يمكن ان تخدم الولايات المتحدة بدل استعدائها دون مبررات واضحة.

هنا ننتقل إلى حالتنا الخاصة محليا حيث أصدرت الدولة مؤخرا (في محاولة منها لحماية نفسها وشعبها من أخطار الإرهاب) قوانين كثيرة بعضها لتجريم الانتماء لتنظيمات كانت مقبولة ثم اعتبرت مهددة للدولة فحرمت، وكذلك ما له علاقة بالمواد المكتوبة والمتداولة وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي وتجريم فاعليها.

ورغم أن الكثير من هذه القوانين يحتاج الى قراءة حقوقية دقيقة للعمومية الهائلة التي تكتنف عبارته مما سيؤدي الى غموض في أساليب تطبيقه إلا أن الحديث اليوم سيتركز على الأجواء العامة التي تخلقها مثل هذه القوانين وخاصة في المؤسسات الحكومية كالوزارات أو في المؤسسات التعليمية كالمدراس والجامعات او في وسائل التواصل الاجتماعي أو في المؤسسات الخاصة كالقنوات التلفزيونية ومؤسسات الدراسات والبحوث.

لسنا هنا الوحيدين الذين نعاني من أجواء التشكيك في الكثير من الأفكار والأشخاص الذين كانوا قبل سنوات قليلة ملء السمع والبصر واليوم يتم تجريديهم من كل خصائصهم وتتم محاصرتهم والتقليل من سطوتهم وخاصة في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي فالعالم العربي بطوله يعاني الظاهرة وخاصة في مصر كما هي الحال في دول الخليج؟

الفكرة ان أجواء التشكيك العامة التي تخلقها هذه الحالة تدخل في حلبتها من يفهم ومن لا يفهم.. من يريد تصفية حسابات شخصية ومن هو فعلا وطني غيور فيظلم في الطريق من يظلم ويحرم الوطن من كفاءات قديرة كان ذنبها يوما الإعلان الصريح لانتمائتها الفكرية والفلسفية.

سأعلن موقفي واضحا هنا: أنا ضد المكارثية شكلا وموضوعا بغض النظر عن من تقع عليه وبغض النظر عن الفترة التاريخية التي يتم تبنيها فيها. وعودة الى حالتنا الخاصة جدا في المملكة يمكن لي القول انه: نعم، تمت السيطرة على مؤسسات التعليم مثلا من قبل أطراف معروفة طبقت هي مكارثيتها وحرمت الوطن آلاف القدرات العلمية الفذة التي اهدرت بسبب الأدلجة والتصنيف الفكري وهذا الأمر يمكن أثباته بسهولة ليس عبر التراشق بالاتهامات بل بدراسة كل مؤسسة تعليمية او تثقيفية على حدة (جامعة، مركز يضم كليات، كليات معلمين، وزارة) ثم تحليل أنشطتها الداخلية مثل: طرق التوظيف ومن يوظف؟، النشاطات الطلابية ونوعها ومن يدعي لها ومن يعين لرعايتها، الكراسي البحثية والمشاريع البحثية في الوزارات المعنية ومن يعطي هذه المشاريع ومن يسيطر عليها إلخ من المؤشرات السهلة التي يوجد لها ملفات ويمكن تحليلها وفهمها (وليس بالضرورة محاسبة) فقط لفهم ما حدث وكيف نمنع تكراره.

ونفس الأجواء نلمحها في الوسائط الإعلامية من تلفزيون وصحافة ووسائط اجتماعية حيث لا يتواني البعض عن اطلاق التهم جزافا على كل من يختلف معه كما تكاثر قذف الأسهم على كل من (صنفوا) مثلا (كإخوان مسلمين) أو نشطاء دعويين او غيرهم.

نعم، يجب حماية مكتسباتنا الوطنية ويجب حسم خياراتنا الحضارية ووضع استراتيجيات مستقبلية واضحة تقودها أمة تحمي دينها وتستخدم العلم والمعرفة الإنسانية لبناء مستقبلها لكن في ذات الوقت يجب أن نعي أن الحرية لا تتجزأ وإنني اذا طالبت بالحرية لما أراه فيجب ان أحمي حريات الآخرين في ان يعبروا بالطرق السلمية والقنوات المعروفة عما يرونه خيراً لهذا الوطن لكنني يجب ألا أشارك في جوقة المطبلين ضد شخوص معينة فقط لأنهم ليسوا نجوم اليوم.

كلنا مواطنون وكلنا أمناء على هذا الوطن الذي يجب ان يتخلى بعض مسؤوليه تدريجيا عن التطرف والغوغائية في اتخاذ القرارات وشخصنتها داخل المؤسسات العامة لنصل إلى يوم يمكن للجميع ان يشارك دون ترقب أو إبعاد او تصنيف أو أدلجة.

مقالات أخرى للكاتب