محمد السنيد - «الجزيرة»:
في مشهدٍ يعكس تقدير المملكة العربية السعودية للعلماء والمبدعين وروّاد العطاء، أعلنت الأمانة العامة لجائزة الملك فيصل العالمية عن فوز الشيخ عبد اللطيف بن أحمد الفوزان بجائزة خدمة الإسلام لعام 2026م. جاء هذا الإعلان عقب جلسات اختيار مكثفة عُقدت في الرياض، ليشكّل تتويجًا مستحقًا لمسيرة حافلة، واعترافًا بنموذج سعودي متفرّد نقل العمل الخيري من دائرة العاطفة العابرة إلى فضاء المأسسة المستدامة، ومن الرعوية المحدودة إلى التنمية الشاملة ذات الأثر العميق والباقي.
من الإحسان إلى التمكين.. لم يتّبع الشيخ عبد اللطيف الفوزان المسارات التقليدية التي تكتفي بالدعم المادي المباشر، بل صاغ منهجية متكاملة ترتكز على دعم المبادرات النوعية المرتبطة بالاحتياجات التنموية الحقيقية للمجتمعات. وتجسّدت هذه الرؤية الإستراتيجية في تأسيسه «وقف أجواد»، الذي صُمّم ليكون ذراعًا مجتمعيًا يُعنى بهندسة المبادرات الإنسانية وتطويرها وفق معايير الجودة العالمية. وقد أسهمت هذه المنهجية في تحويل مشاريعه إلى صروح باقية، لا تنتهي بانتهاء الدعم اللحظي، بل تنمو وتتطور لتخدم أجيالًا متعاقبة عبر حلول مبتكرة تعالج جذور المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وتُعزّز مفهوم التكافل الاجتماعي في أرقى صوره.
أبرز المرتكزات التي استندت إليها لجنة الاختيار في منح الجائزة، الدور الريادي والملهم للفوزان في عمارة المساجد. فمن خلال «جائزة عبد اللطيف الفوزان العالمية لعمارة المساجد»، وضع حجر الأساس لهوية معمارية حديثة لبيوت الله، تمزج ببراعة بين الروحانية الدينية، والجمال البصري، والوظيفة البيئية المستدامة. ولم يقف طموحه عند حدود البناء المادي، بل تجاوزه إلى بناء مرجع معرفي عالمي عبر موسوعة عمارة المساجد الرقمية «موسكبيديا»، التي غدت اليوم المنصة المرجعية الأولى لتاريخ وفنون العمارة الإسلامية وتطورها في العصر الحديث، رابطةً ماضي الأمة العريق بمستقبلها الرقمي.
أتى تكريم الشيخ عبد اللطيف الفوزان بوصفه تقديرًا لرؤية إنسانية شاملة لا تغفل جانبًا من جوانب الارتقاء بالمجتمع. فقد تجاوزت بصماته في القطاع غير الربحي تشييد المنشآت إلى تأهيل الكوادر البشرية عبر «أكاديمية الفوزان»، التي تمثّل اليوم صمام أمان لاستدامة العمل الاجتماعي. ومن خلال هذه الأكاديمية، يُجرى إعداد وتطوير قيادات القطاع غير الربحي عبر بحوث علمية متقدمة وبرامج تأهيلية متخصصة، بما يضمن إدارة الموارد الخيرية بعقلية احترافية تضاعف الأثر وتُحسن توجيه العطاء.
على الصعيد الإنساني والاجتماعي المباشر، قدّم الفوزان نماذج مضيئة تلامس احتياجات الفئات الغالية على المجتمع؛ فأسّس مراكز متخصصة للتأهيل الشامل، ومراكز «آفاق» للتوحّد، إضافة إلى مركز الفوزان للنساء والأطفال. ويعكس هذا التنوّع العميق في العطاء - من حفر الآبار وبناء المدارس في الدول الإسلامية، إلى إقامة الأوقاف السكنية للطلاب - فهمًا راسخًا لروح الإسلام الوسطية، التي تدعو إلى إعمار الأرض، وإغاثة الملهوف، وبناء الإنسان الصالح المنتج، مؤكّدًا أن خدمة الإسلام تبدأ من خدمة الإنسان.
فوز الشيخ عبد اللطيف الفوزان بجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام لعام 1447هـ / 2026م، أثبت للعالم أن المملكة العربية السعودية لا تزال ولّادة بالشخصيات الاستثنائية التي تحمل همّ الأمة، وتُسهم بمالها وفكرها في رفعة شأن المسلمين. فقد برهن الفوزان عمليًا على أن رجل الأعمال الناجح هو من يُدرك أن أعظم استثمار وأكثره ديمومة هو ما يُبنى للإنسان، وأن أبقى الأثر هو ما يُزرع في قلوب المحتاجين وعقول الباحثين.
هذا التتويج المستحق هو احتفاء بقيم الجد، والإخلاص، والابتكار في العطاء. فطوبى لمن سخّر إمكاناته لخدمة دينه ووطنه، وهنيئًا للشيخ عبد اللطيف الفوزان هذا التشريف، الذي هو في حقيقته تكريم لكل مبادر يسعى لترك بصمة خير لا تذروها الرياح، ورجلٍ أثبت أن العطاء حين يمتزج بالمنهجية العلمية، يتحول إلى منارة تهتدي بها الأجيال في دروب البناء والنماء.
نسأل الله أن يبارك في جهوده، وأن يجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأن يكتب له القبول، ويُديم على وطننا قياداته ورجالاته المخلصين، وأن يجزيه خير الجزاء على ما بذل لخدمة الإسلام والإنسان.