Culture Magazine Monday  12/02/2007 G Issue 186
الملف
الأثنين 24 ,محرم 1428   العدد  186
 

أكَّد أن معركته مع (الحداثوية) وليست مع (الحداثة)
الهويمل: لست محافظاً أنا مجدد من أم رأسي إلى إخمص قدمي ولا حياة بدون تجديد

 

 
*حوار - عبد الله السمطي:

هل يتسنى لنا تأمل هذه الحقيقة التي يبثها الناقد الدكتور حسن الهويمل في هذا الحوار ولأول مرة في حوار من حواراته: (أرجو أن يفهمني الباحثون عن الحقيقة: أنا لست محافظا ولا مقلدا أنا مجدد ولا حياة بدون تجديد، ولكن رؤيتي التجديدية منضبطة ومشروطة وليست فوضوية).

هكذا يعترف الدكتور الهويمل الذي خاض معارك متعددة خاصة ضد تيارات التجديد، وضد الحداثة والحداثيين، إنه مثقف إشكالي على الرغم من هذا الموقف الضدي، أثرى الساحة الثقافية بطروحاته وكتاباته المتنوعة، إذ تتسم جهوده النقدية والفكرية بالإخلاص الشديد لأمانة الكلمة ومسؤوليتها، وفي مقالاته ودراساته المتنوعة المستنيرة ما يثري العقل، ولعل في اختياره شخصية العام الثقافية وتكريمه من قبل مهرجان الجنادرية هذا العام ما ينم عن تقدير مبدئي لما قدمه للثقافة السعودية والعربية وللبحث العلمي والثقافي من جهد مخلص، له أثره الفعال، مع ذلك فإن الحوار معه تطرق إلى ثقافته المحافظة، حيث نفى أن يكون محافظا، على الرغم من وقوفه ضد تيارات التجديد الأدبي، فهو ينكر مثلا قصيدة النثر، وينكر توظيف الأسطورة في الشعر، مع أنه يتحدث عن تلاقح الحضارات، ويرى الهويمل في هذا الحوار أن معركته ليست مع (الحداثة) بل مع (الحداثوية)، كما يؤكد أن مشكلة مصطلح الأدب الإسلامي تتمثل في (اضطراب المفهوم)، كما تمنى أن تكون التغييرات بالأندية الأدبية متدرجة وتقوم على انتخابات عبر الجمعية العمومية للأندية، وهذا نص الحوار:

* يمر العالم العربي اليوم بحالة يمكن وسمها ب: (قلق الهوية) كيف يمكن لك أن تشخص هذه الحالة؟ خاصة مع التحديات العالمية التي تواجهنا كعرب اليوم؟

- إشكالية (الهوية) أزلية، والاضطراب في المفهوم وفي المحققات، وهذا الاضطراب أثر على مشروعية البحث في الهوية. العالم العربي والإسلامي مرتبك في مواجهاته، وتلك خليقة المهزوم، هناك موالاة مطلقة وألفة عنيفة، وثقافة تراوح بين الجزر والمد. إننا بحاجة إلى تحديد المفهوم وفهم الذات والإمكانات وفقه الأولويات لكي نحدد الموقف من (الهوية). إن تكريس الهوية للمفاضلة وتكريسها للتميز طريقان مختلفان، فالذين يرونها محققة للأفضلية يمعنون في القطيعة، والذين يرونها للمباينة لا يفقهون ما هم عليه، ومن ثم تظل إشكالية: (الهوية) قلقة مقلقة.

لقد شخص الحالة مفكرون ذوو انتماءات متباينة يأتي في مقدمتهم (حسن حنفي) في مقدمته للاستغراب، و(فهمي جدعان) ومن قبلهم (مالك بن نبي) و(الجابري) و(العروي) وليس المهم في أن نفهم الإشكالية، ولكن المهم في أن نباشر العمل على ضوء النظريات المتعددة.

* في كتاباتك نوع من الاستقلالية المنهجية .. فما هي النظرية التي تستند إليها في هذه الكتابات؟

- أنا كاتب تكاملي انتقائي مفتوح على كل الخطابات غير أني أحرص على سلفيتي التي لا تنفي الآخر ولكنها تضعه حيث يكون، أنا ضد الرفض المطلق والاستسلام المطلق، أثمن القواسم المشتركة وأسعى لاستغلالها، وأوفر الأجواء الآمنة للمخالف حتى يسمع رؤيتي، ولا أجد بدا من إبلاغه مأمنه، لا أومن بحسم الشر ولكنني أسعى لحصره في أضيق نطاق، أقدم مبدأ التثبت والتبين والتصور السليم لكل خطاب قبل مواجهته. لا أمانع من التتلمذ لكل مفكر مهما اختلفت معه، وأنا أفرق بين المبادئ والتطبيقات وبين المناهج والمذاهب والآليات والمعتقدات، ومن ثم فإن كل نحلة أو مفكر مجال استفادة، لا أزايد على الثوابت والمسلمات، وأعرف جيدا الاختلاف حول حجم الثوابت والمسلمات. أرصد كل التحولات وأحاول تحقيل ذلك وفق العقود الزمنية، أتعرف على القضايا المسيطرة على كل عقد زمني. تلك مؤشرات الاستقلالية - إن كان ثمة استقلالية - أنا لا أعرف أن لدي استقلالية ولكن آراء الآخرين تجعلني أتأمل في خصوصياتي.

* كنت طرفاً في معارك نقدية كثيرة وأبرزها ما يسمى معركة الحداثة والمحافظة، هل ترى أن ثمة نقاطاً مشتركة بين الطرفين؟

- أنا لست محافظا أنا مجدد ملتزم أعرف حدود ما يجب، ومعركتي مع (الحداثوية) وليست مع (الحداثة). الحداثة يمكن أن تكون تجديدا وأنا مجدد من رأسي إلى إخمص قدمي، أما (الحداثوية) فهي نزعة فكرية مادية متحررة تتسع للعهر والكفر، كما هو ثابت في الإبداعات الشعرية والنثرية، أنا ضد هذا اللون من الحداثوية، أما التجديد فقد أختلف معه، ولكنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وأرجو أن يفهمني الباحثون عن الحقيقة: أنا لست محافظا ولا مقلدا أنا مجدد ولا حياة بدون تجديد، ولكن رؤيتي التجديدية منضبطة ومشروطة وليست فوضوية. أنا ضد (قصيدة النثر) وضد (الأسطرة الوثنية) وضد (الغموض المحيل) ولكن هذه الضدية لا يمكن أن تصنف الأطراف إلى مؤمن وكافر.

إن موقفي من الحداثة موقف متثبت ولا يضع كل الحداثيين في سلة واحدة، ولا تحت حكم واحد، ولدي قناعة تامة أن هناك نقاط لقاء ونقاط افتراق أبنت عنها في كتابي: (الحداثة بين التعمير والتدمير).

* هل ترى أن المحافظة ترسخ للانغلاق أم أنها نوع من الهوية الثابتة للمجتمع السعودي؟

- المحافظة مصطلح له مقتضاه، في كل حقل تنتمي إليه هناك محافظة دينية ومحافظة سياسية ومحافظة أدبية، وهناك محافظة منغلقة وأخرى مرنة لا يجوز أن نطلق المصطلح ثم نجمع الناس فيه على ضوء رؤيتنا للمحافظة. المجتمع السعودي يمثل الانفتاح، والمحافظون ذوو مستويات وعلينا أن نكون دقيقين في رؤيتنا للمحافظة ومستوياتها.

قد تكون المحافظة واجبة في ظرف أو في حقل، وقد لا تكون كذلك بل ربما تكون مضرة في بعض المواقف. إن لكل حدث حديث.

* لماذا تعادي الحداثة وما بعدها مع أن هناك عناصر إيجابية بها؟ هل تعاديها في المطلق؟ وهل لو تسمت باسم آخر كان يمكن قبولها مثل أن نسميها: (المعاصرة)؟

- لست من السذاجة والبدائية بحيث أرتبط بالمسميات. (الحداثة) مصطلح غربي له مفهومه ومقتضياته ومحققاته، فإذا كانت الحداثة كما هي عند الغربيين الذين أنشأوا المصطلح ورضوا بأن يكون كما هو في تنظيرهم وإبداعهم، فإنني ضدها لأنها تصادم القيم الأخلاقية والفكرية والقيم العربية والإسلامية، وإن كانت الحداثة قد أفرغت من محتواها وأريد منها التجديد والابتكار والتحديث مع احترام الثوابت والهوية والخصوصية الحضارية فنعما هي، ولكن أين الذين يفرقون بين هذا وذاك، أما (البعديات) فمصطلح فرضي لا يتحقق في الواقع ومن ثم فإن أصحاب هذا المصطلح (ما بعد الحداثة) و(ما بعد البنيوية) لم يستطيعوا تحويله إلى مصطلح جامع مانع، وخصومي للحداثة والحداثيين لا يجهل قيمها الإيجابية، ولهذا جاء كتابي: (الحداثة بين التعمير والتدمير) وكلمة (التعمير) إبراز للجوانب الإيجابية. وكلمة (المعاصرة) لا علاقة لها بالفن والمضمون، هي توصيف زمني فمعاصرة الأمس قديم اليوم، ومعاصرة اليوم قديم الغد، فلا علاقة للمعاصرة بالفن واللغة والمضمون. (بشار بن برد) و(أبو نواس) من المحدثين، ويسمون معاصرين في وقتهم.

* أنت الآن في مرحلة تأمل للمنجز الشخصي: (الهويملي) إذا صح التعبير؟ ما هي أبرز قسمات هذا المنجز؟

- لا أستطيع الاستئثار بتوصيف ذلك شأن المتلقي، ولكنني أزعم أنني حريص على الرحيل بالموروث دون الرحيل إليه، أود تشكيل ثقافة عربية تمتص رحيق الثقافات لتذيبها ولا تذوب فيها، أومن بالتفاعل وأنكر براءة أي نص من التأثر. الحضارات عندي تتوارث وتتقارض ويأخذ بعضها من بعض. منجزي إن كان يستحق الذكر يقوم على مركز الحضارة الإسلامية النقية كما هي في الكتاب والسنة.

* كيف تنظر إلى تكريمك في مهرجان الجنادرية لهذا العام؟

- تفضلٌ من بلدي وأبنائه ورجالاته على عمل لا أراه إلا بعض الواجب، وليس بمستغرب على مملكة الإنسانية أن يجد أبناؤها أنفسهم في دوائر الضوء دون توقع أو تطلع منهم، هذا التكريم سيضاعف مسؤولياتي وسوف يكبر حق وطني علي.

* لك جهد عريق في نادي القصيم الأدبي .. ما الذي تتوسمه في النادي مستقبلا؟ وهل التغييرات الأخيرة في الأندية الأدبية ستكون فعالة؟

- لست معنيا بالرهان على النجاح والإخفاق. الأعضاء الجدد كفاءات شبابية، وهم على مسرح الأداء ونحن النظارة، وسيكون الحكم على المنجز. أرجو أن يأتوا بما لم نستطعه. وكنت أود أن تكون التغيرات متدرجة بحيث يتم تشكيل جمعية عمومية تصوت على اللائحة، ويجري انتخاب الأعضاء من بين أفراد تلك الجمعية.

* منطقة القصيم تحمل التنوعات الثقافية المتضادة معا فمنها يخرج الفقهاء وعلماء الدين، كما يخرج منها المفكرون والنقاد الحداثيون؟ بم تعلل ذلك؟ وهل هذه الظاهرة مرتبطة بنوع من الفعل ورد الفعل؟

- أنا مثلك استغرب، وأنا بصدد دراسة هذه الظاهرة الغريبة.

* هل ترى أن رابطة الأدب الإسلامي العالمية مع كل الآراء المضادة التي تثار حولها تملك استمرارية الوجود، وما رؤيتها الحقيقية لاسم: (إسلامي) أليس كلنا مسلمون؟

- الرابطة عالمية نشأت في الهند في ظل ظروف التعددية الفكرية والعقائدية، ولأنها تدعو إلى إشاعة الكلمة الطيبة فقد شاعت في العالم الإسلامي وأنشأت مكاتب رئيسية ومجلات أدبية، ونفذت مؤتمرات ولقاءات وندوات وأحسبها مشروعة متى طرحت مشروعها دون تصنيف أو عدائية. ونحن مسلمون نعم ، لكن إسلاميتنا لا تمنع من قيام مؤسسات إسلامية وروابط، فالحياة المدنية حياة مؤسساتية. إشكالية الرابطة ومصطلح الأدب الإسلامي اضطراب المفهوم، وعقدة الثنائية: الإسلام/ الكفر. الأدب الإسلامي لا يعادله الأدب الكافر. الأدب الإسلامي محدد للموضوع للفهم.

* أخيرا: كيف تستشرف لحظاتك القادمة - بإذن الله - تعالى؟ ما هي المشروعات والتصورات؟

- المستقبل بيد الله، وإذا نسأ الله في أجلي ومنحني الصحة والفراغ، فسوف ألملم محاضراتي ومقالاتي ومخطوطاتي العديدة وأصدرها في كتب تناسب موضوعاتها، إضافة إلى كتابة السيرة الذاتية التي تشغلني كثيرا. وإن كانت لا تستحق الإفصاح، ولكن إلحاح الزملاء والطلاب شجعني على التفكير الجاد.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة